أنت غير مسجل في ملتقى الرشد . للتسجيل الرجاء إضغط هنـا
 
الخطب المقترحه من اعداد اللجنة الدعوية
عدد الضغطات : 44,740موقع الشيخ عبد المجيد الهتاري
عدد الضغطات : 2,406

آخر 10 مشاركات خطبة عيد الفطر 1434 ( آخر رد : عبد الله الهتاري - )    <->    خطبة رمضان بين دمعات الوداع وأمنيات القبول ( آخر رد : عبد الله الهتاري - )    <->    خطبة شعاع الإيمان في العشر الأواخر من رمضان ( آخر رد : عبد الله الهتاري - )    <->    خطبة رمضان شهر النفحات والانتصارات ( آخر رد : عبد الله الهتاري - )    <->    خطبة يا كرام ونتصف شهر الصيام ( آخر رد : عبد الله الهتاري - )    <->    خطبة ضيوف الرحمن في ظلال مدرسة الصيام ( آخر رد : عبد الله الهتاري - )    <->    &amp;quot;عدوى عاطفية&amp;quot; بين مستخدمي فيسبوك ( آخر رد : الرشد نت - )    <->    جوجل تُطلق صفحة خاصة بشهر رمضان ( آخر رد : الرشد نت - )    <->    تويتر تطلق &amp;quot;هاشفلاغ&amp;quot; رمضان والعيد ( آخر رد : الرشد نت - )    <->    تحديث جديد لتطبيق سكايب على &amp;quot;ويندوز فون&amp;quot; ( آخر رد : الرشد نت - )    <->   
العودة   ملتقى الرشد > المنتديات الإسلامية > ملتقى الدعوة والداعيه > منتدى زاد الداعية والخطيب
التسجيل المنتديات موضوع جديد تعليمات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

إضافة رد
المنتدى المشاركات الجديدة ردود اليوم مشاهدة المشاركات المشاركة التالية
   
أدوات الموضوع طريقة عرض الموضوع
قديم 07-08-2010, 05:16 AM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
ابو الحمزه
المراقب العام

إحصائية العضو






 

ابو الحمزه غير متواجد حالياً

 


المنتدى : منتدى زاد الداعية والخطيب
افتراضي خطب مجمعه عن سورة ق

خطبة ( وقفات مع سورة ق )



أما بعد .. فاتقوا الله عباد الله، اتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، يوم ينفخ في الصور، ويبعث من في القبور، ويظهر المستور .. يوم تبلى السرائر، وتكشف الضمائر، ويتميز البر من الفاجر.
أيها الإخوة، بين أيدينا سورة عظيمة ، ذات آيات رهيبة، تخاطب العقول، وتشفي أمراض القلوب .



إنها السورة التي كان يقرؤها النبي (عليه الصلاة والسلام ) ، ويخطب بها على المنابر في الجُمَع والأعياد والمجامع الكبار، كما يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله لاشتمالها على ابتداء الخلق، والبعث والنشور، والمعاد والقيامة والحساب، والجنة والنار، والثواب والعقاب، والترغيب والترهيب.. تلكم هي سورة: (ق وَٱلْقُرْءانِ ٱلْمَجِيدِ) .
أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أم هشام بنت حارثة قالت: (لقد كان تنورنا وتنور النبي (عليه الصلاة والسلام ) واحداً سنتين أو سنة أو بعض السنة، وما أخذت (ق وَٱلْقُرْءانِ ٱلْمَجِيدِ) إلا على لسان رسول الله (عليه الصلاة والسلام ) كان يقرؤها كلَّ يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس) .


فتعالوا بنا ، نتفيّأ ظلالَ هذه السورةِ إحياءً للسنّة والتماسًا للهداية ووَعظًا للقلوب .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم: (ق وَٱلْقُرْءانِ ٱلْمَجِيدِ ()بَلْ عَجِبُواْ أَن جَاءهُمْ مُّنذِرٌ مّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا شَىْء عَجِيبٌ ()أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ ()قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأرْضَ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَـٰبٌ حَفِيظٌ ()بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ) .


بدأ الله تعالى هذه السورة الكريمة بالقسم بالقرآن المجيد ، ولم يصرح الله تعالى بالأمر المقسم عليه ، بل شرع في بيان الأمر الخطير وهو تعجب الكفار واستبعادهم للمعاد بعد الهلاك.
سذاجة في التفكير، وقصور في النظر . كيف ينكرون إعادة الخلق وقد خلقوا أول مرة؟ .
ولهذا كان الرد عليهم بأعظم مما أنكروه ، (قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ) ، فالله الذي خلقهم يعلم ما تأكله الأرض من أجسادهم وأشلاءهم ، وكل ذلك مسجل عنده في كتاب حفيظ .


وواقع هؤلاء: أنهم كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج.
إن كل من انحرف عن الحق حاله مختلط، وأمره متخبِّط، تتقاذفه الأهواء ، وتمزقه الحيرة، وتقلقه الشكوك، كما هو حال الكثيرين من الفلاسفة ، والماديين ، والشيوعيين ، والعلمانيين .
ووالله ليس لهؤلاء طريقاً لعلاج هذه الشكوك والهداية إلى الحق إلا طريق القرآن .
ثم ينتقل السياق إلى إثبات البعث بالنظر في صفحات كتاب الكون الذي ينطق بالحق .
التدبر في خلق الأرض والسماء ، والنبات والماء، وكل مبثوث من الجماد والأحياء .


(أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى ٱلسَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَـٰهَا وَزَيَّنَّـٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ ()وَٱلأرْضَ مَدَدْنَـٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوٰسِىَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ()تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ()وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء مُّبَـٰرَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّـٰتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ ()وَٱلنَّخْلَ بَـٰسِقَـٰتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ()رّزْقًا لّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذٰلِكَ ٱلْخُرُوجُ )
هذه السماء وما فيها من الثبات والشموخ والجمال .. هذه الأرض ، والرواسي الثابتات، والبهجة في النبات (تبصرة وذكرى) ، تكشف الحجب ، وتنير البصيرة ، وتفتح كل قلب منيب ، يرجع إلى ربه من قريب .


(ونزلنا من السماء ماء مباركاً) .. والماء النازل من السماء آية من آيات الله ، يفرح به الكبار قبل أن يلهو به الصغار ، وتحيا به النفوس قبل أن تحيا به الأرض اليبوس .
يخرج الله به الفواكه والبساتين ، والحب المحصود ، والرطب المنضود في النخل الباسق الطويل . وما أجمل هذا الوصف .
كل هذا (رزقاً للعباد) ، فأين الشاكرين؟ .
(وأحيينا به بلدة ميتاً) فكيف نعجز عن إحياء الموتى وهو أهون علينا .



ثم تنتقل الآيات من صفحات كتاب الكون إلى صفحات كتاب التاريخ البشري ، التي تنطق بأحوال الغابرين، وعاقبة المكذبين .
()كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَـٰبُ ٱلرَّسّ وَثَمُودُ ()وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوٰنُ لُوطٍ ()وَأَصْحَـٰبُ ٱلأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ()أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ)
(أفعيينا بالقلب الأول) .. يا أهل العقول أين عقولكم : كيف تكذبون بالإعادة وأنتم ترون كل هذا الكون وكل هذه المخلوقات شاهدة على الإنشاء والخلق الأول؟
ثم تنتقل الآيات لتثبت قضية البعث بدليلٍ معروف ، ومشهدٍ مألوف ، لكن النفوس كثيراً ما تغفل عنه ، بل ولا ترغب في ذكره، لأنه يفسد عليها شهواتها ، ويقطع عليها لذاتها .. إنه مشهدُ الموت وسكراتِه .. يذكر الله تعالى هذا المشهد مقروناً بمشهد الرقابة الإلهية والإحاطة الربانية التي تحيط بالإنسان من بداية حياته حتى موته .


(وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ ()إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشّمَالِ قَعِيدٌ ()مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ()وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ)
أين المفر في الحياة؟ وأنت في قبضة مولاك .. النَّفَس معدود، والهاجس معلوم، واللفظ مكتوب، واللحظ محسوب. رقابة رهيبة مضروبة على وساوس القلب كما هي مضروبة على حركات الجوارح . فلا يفوت فيها ظن ، ولا يفلت منها وسواس .



هذه الرقابة وإن كانت كافية لوحدها ، لكن الله تعالى جعل رقابة أخرى ، فإذا الإنسان يعيش ويتحرك ويأكل ويشرب ويتكلم بين ملكين عن اليمين وعن الشمال ، كلاهما موصوف بأنه رقيب أي: حفيظ، وعتيد: أي حاضر . يسجلان كل كلمة وحركة فور وقوعها .
روي عن الإمام أحمد أنه كان يئن في سكرات الموت ، فقيل له : إن الأنين يكتب ، فلم يسمع له أنين حتى مات رحمه الله. فكيف بمن ترك لسانه يفري في أعراض المسلمين ، (وإن عليكم لحافظين ، كراماً كاتبين ، يعلمون ما تفعلون) .



(وجاءت سكرة الموت بالحق) .
أين المفر عند الموت؟ وسكرة الموت ، وهي شدته وغشيته لم يسلم منها أحب الخلق إلى الله محمد (عليه الصلاة والسلام ) ، فقد ثبت عنه أنه لما نزل به الموت كان يمسح وجهه بالماء من ركوة أو علبة بين يديه ، ويقول: ((لا إله إلا الله, إن للموت لسكرات)) .
الله ارحم ضعفنا ، وأعنا على سكرات الموت .
(ذلك ما كنت منه تحيد) ، والموت هو أشد ما يحاول الإنسان أن يهرب منه ، أو يروغ عنه ، وأنى له ذلك !!



وبعد ذكر الموت وسكراته ينتقل السياق إلى ما هو أشد منه وأفظع ، إنه مشهد البعث ، وهول المحشر، ورهبة الحساب .
(وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمَ ٱلْوَعِيدِ ()وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ () لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ)
إنه تصوير حي، وشاهد قائم، يقول فيه الرسول (عليه الصلاة والسلام ) : ((كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له)). قالوا: يا رسول الله، كيف نقول؟ قال (عليه الصلاة والسلام ) : ((قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل)) . فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.
(وجاءت كل نفس) .. فالنفس هنا هي التي تحاسب وتحاكم بين يدي الجبار جل جلاله ، ومعها ملكان : سائق يسوقها إلى أرض المحشر ، وشهيد يشهد عليها بما عملت من خير أو شر .


(لقد كنت في غفلة من هذا) .. كنت في الدنيا غافلاً عن القيامة والوقوف بين يدي الله ، فكشفنا عنك اليوم حجاب الغفلة ، فبصرك اليوم قوي ، فأبصرت الحق وأيقنت ، ولكن هيهات هيهات ، فهذا الملك قد تقدم ليشهد عليك .
(وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ ()أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ()مَّنَّـٰعٍ لّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ ()ٱلَّذِى جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً ءاخَرَ فَأَلْقِيَـٰهُ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ ()قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍ بَعِيدٍ ()قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ ()مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَا أَنَاْ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ ()يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلاَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ()



القرين في الآية الأولى على الأرجح هو الملك الموكل لعمل الإنسان في الدنيا يشهد عليه بما فعل ، فهو يقدم ما لديه من شهادة حاضرة . وبعد هذه الشهادة يصدر الحكم الإلهي (ألقيا في جهنم كل كفار عنيد مناع للخير معتد مريب ) من كانت هذه أعماله وصفاته في الدنيا ، فهو مستحق للعذاب الشديد .
عند ذلك يقول القرين : (ربنا ما أطغيته) وهو هنا على الأرجح الشيطان الموكل بملازمة الإنسان وإغوائه ، يقول : ما كان لي عليه سلطان ، بل هو الذي ضل وطغا بنفسه .
فيقول الله قوله الحق الذي ينهي كل قول : (لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ، ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) ، فالمقام ليس مقام اختصام .
ثم ينتهي المشهد بوصف رهيب لجهنم وهي تحترق تفور ، وتضطرب وتمور ، (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلاَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ) .


إنها جهنم .. حرها شديد .. وقعرها بعيد .. يلقى فيها كل جبار عنيد .. وهي تنادي هل من مزيد ، هل من مزيد .. المزيد من الكفرة والمنافقين .. المزيد من العصاة والمجرمين .. لا تزال تنادي حتى يضع الجبار جل جلاله قدمه فيها ، فتقول : حسبي حسبي .
ثم ينتقل سياق الآيات مباشرة من مشهد العذاب والجحيم إلى مشهد السرور والنعيم .
وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ()هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ()مَّنْ خَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ()ٱدْخُلُوهَا بِسَلَـٰمٍ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ ()لَهُم مَّا يَشَاءونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) .


الله أكبر .. فالجنة تزلف وتقرّب لهم غير بعيد ، فلا يتكلفون مشقة الوصول إليها .
الله يعلم أنكم كنتم أوابين ، حفيظين ، تخشون بكم بالغيب ، وتنيبون إليه . ولهذا ، ادخلوا الجنة بسلام ، سلام من العذاب ، وسلام من الموت و المرض والهرم والأسقام .
لهم فيها ما تشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم ، ولهم فيها ما هو فوق ذلك وهو التمتع برؤية وجه الله الكريم .


اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب .... النار وما قرب .
اللهم إنا نسألك لذة النظر .... إنك على كل شيء قدير.



الخطبة الثانية



الحمد لله الذي خلق فسوى، وأعاد فأبدى، وأمت وأحيا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله ، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .



أما بعد .. فقد جاءت خواتم هذه السورة العظيمة؛ لتوجز ما سبق من طرق إثبات البعث، ومراحل الخلق، ومصير الخلائق، ومصارع الغابرين، وأهوال المحشر .
(وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقَّبُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ ()إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ()وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ()فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ ()وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبّحْهُ وَأَدْبَـٰرَ ٱلسُّجُودِ
انظر يا محمد في مصارع الأمم التي خلت ، قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط كما ذكر في أول السورة ، وغيرهم من الأمم ، هل نفعتهم قوتهم ، وتنقيبهم في البلاد ، ونحتهم الجبال ، وشقهم الأرض؟ .. (هل من محيص) هل كان لهم ملجأٌ ومهربٌ من قضائنا وعقوبتنا؟ .



إن في مصارع الغابرين ذكرى ، لمن كان له قلب أي كان حي القلب ، لأن من لم تحركه هذه الآيات فقلبه ميت وإن كان يمشي بين الأحياء .
(أو ألقى السمع) ، أي تدبر هذه الآيات بإنصات ووعي ، فيتأثر قلبه .
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ، فاصبر على ما يقولون)
يا محمد لا تأس على هؤلاء الذين ينكرون البعث .. فنحن خلقنا هذه المخلوقات العظيمة التي هي أكبر من خلقهم ولم يصبنا تعبٌ ولا إعياءٌ ولا نصب ، فاصبر وسبح واسجد وصل لربك ، والله يكفيك ويتولاك .


ثم تختم هذه السورة العظيمة بتقرير مشاهد البعث والنشور ، وتثبيت النبي (عليه الصلاة والسلام ) وتسليته تجاه منكري البعث .
( وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ()يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقّ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ ()إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ ()يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلاْرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ()نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكّرْ بِٱلْقُرْءانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ).


إنه مشهد البعث ، حينما يُنفَخ في الصور ، وهو المراد بالصيحة ، وأما المنادي فإن الله تعالى يأمر ملكاً أن ينادي على صخرة بيت المقدس : يا أيتها العظامُ البالية ، والأوصالُ المتقطعة ، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء . فتشقق الأرض ويخرج الناس قبورهم ، كل الأمم من آدم إلى قيام الساعة ، يخرجون سراعاً مبادرين إلى أمر الله .
أما هؤلاء المكذبون يا محمد فـ (نحن أعلم بما يقولون) .
وتأمل الآيتين : هناك قال له : (فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ)، وهنا قال سبحانه: ( نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ) .



اصبر على ما يقولون ، فالهداية بيد الله غير خاضعة لقوة برهان، أو بلاغة بيان، ، فما عليك إلا البلاغ، وليس عليك هداهم .
أيها المسلم ، أيها العالم ، أيها الداعية : اصبر على ما يقولون
.. اصبر على أذى الكفار والمنافقين ، وتمادي المفسدين، اصبر على التهم الملفقة ، والألفاظ المعلبة المستوردة ، اصبر على اتهام النوايا والتصنيف الغاشم .
(نحن أعلم بما يقولون) فدعهم يقولون ما يقولون ، والله أعلم بما يوعون ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
أما أنت أيها النبي ، أيها المسلم ، أيها الداعية ، فإنما أنت مذكر ، فذكر بالقرآن من يخاف وعيد .. ذكّر بالقرآن .. فهو يهز القلوب ، ويزلزل النفوس .


واعلم أنه لا يتذكر بالقرآن إلا من يخاف وعيد الله ويرجو وعده .
ومن لم يؤثر فيه القرآن ، فهو حري بأن لا تؤثر فيه أي موعظة .
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب غمومنا . وصلوا وسلموا رحمكم الله على خير البرية وأزكى البشرية فقد أمركم الله بذلك فقال : إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً )



اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم..

ـــــــــــــــــــــــــــ
المصدر

http://www.tttt4.com/news.php?action=view&id=2550







رد مع اقتباس
قديم 07-08-2010, 05:28 AM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
ابو الحمزه
المراقب العام

إحصائية العضو






 

ابو الحمزه غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو الحمزه المنتدى : منتدى زاد الداعية والخطيب
افتراضي

سورة (ق)

الدكتور خالد بن عبدالله بن عبدالعزيز القاسم


سورة ق

الحمد لله، نحمده سبحانه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالها، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أفضل من صلى وزكى وصام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً.

أما بعد، عباد الله:
نحن اليوم مع سورة عظيمة من كتاب الله تعالى، مع القرآن المجيد، فما وعظ الواعظون بمثله، ولا أصاب الحاكمون بدونه، ولا استدل العالمون إلا بنوره، وكان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن يَعِظ ويُذكِّر بها {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} [سورة ق: 45]، ونحن اليوم مع سورة شريفة، وهي سورة (ق)، وقد جاء في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها على المنبر إذا خطب الناس؛ أي: يُذكِّر بها لما فيها من المواعظ والعبر، وهي سورة ذات دلالات عظيمة، وآيات عميقة، تخاطب العقول والوجدان، وتطيب أمراض الشكوك، لا بالجدل العقيم، ولكن بالطريقة القرآنية الفريدة.

قال ابن كثير رحمه الله: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بها على المنابر في الجمع والأعياد والمجامع الكبار لاشتمالها على ابتداء الخلق، والبعث، والنشور، والمعاد، والقيامة، والحساب، والجنة والنار، والثواب والعقاب، والترغيب والترهيب، فلنتفيَّأ ظلال هذه السورة إحياءً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم والتماساً للهداية ووعظاً للقلوب.

يقول المولى سبحانه وتعالى: {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [سورة ق: 1].

يقسم المولى سبحانه وتعالى، بـ (ق) وهو أحد الحروف العربية، وقد بُدِئَت عشرات السور بالحروف المقطعة، والله أعلم بمعناها، قال بعض أهل العلم: إنه بدأ بها للإعجاز؛ أي: يا أيها العرب العظماء ! هذا القرآن من هذه الأحرف التي تعرفونها، وقد جاء به هذا النبي الأمي مع عجزكم عن الإتيان بمثله أو سورة من مثله؛ لأنه ليس من بشر، وإنما من الله تعالى.

لذا تلحظ أنه يأتي بعد تلك الحروف ذكر للقرآن الكريم: {ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 1-2]، {حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ} [الدخان: 2]، والقرآن المجيد: أي عظيم القدر.

{بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} [ق: 2].

وهذه إحدى القضايا الثلاث الكبرى التي كذب بها المشركون وهي الرسالة والقرآن وإنكار نبوته صلى الله عليه وسلم، والثانية التوحيد والقضية الثالثة البعث والنشور.

{أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} [سورة ق: 3]، فردَّ عليهم المولى سبحانه وتعالى: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} [ق: 4] فلا يغيب عنه شيءٌ في علمه؛ بل هو حاضر مكتوب.

وحاصل الأمر: {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ } [ق: 5] كذَّبوا بالحق المستند بالأدلة والبراهين، كذَّبوا به من دون أي مستند أو برهان، بل هم في اختلاف وشك، واختلاط وريبة.

ثم يلفت المولى سبحانه النظر إلى آياته العظيمة في الكون الدالة على البعث: {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} [ق: 6-8] فأين المتبصرون المنيبون.

{وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} [ق: 9-11] آياتٌ عظيمة، ومشاهد جديرة بالتأمل، وهي تحتاج إلى خطبة خاصة، وأتى العلم ليكشف مزيداً من إعجازات القرآن العظيم.

إن أمر البعث والرسالة جاءت به كل الأنبياء، فما العجب ولهم سلف في التكذيب، وعليهم أن يتَّعِظوا بما حل بالمكذبين الأوائل {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ * أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} [ق: 12-15].

وهذا برهانٌ آخر، أليسوا مُقرِّين بخلق الله الأول فما يعجزه عن الإعادة {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } [يس: 79]، أنشأها أول مرة على غير مثال {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [الروم: 27]؛ أي: إنما لنضرب لكم المثال بما تعرفون فالإعادة أهون، وأما المولى سبحانه وتعالى فالكل هيِّن: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [لقمان: 28]، وإحياء الأرض بعد موتها شاهدٌ حيٌّ يُعتَبَر به، كما قال المولى سبحانه وتعالى: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [الحج: 5-6].

ثم تنتقل الآيات إلى طريق في البرهان آخر، ومشهد مألوف وموعظة بليغة، ولكن كثيراً ما تغفل عنه النفوس، إنها لحظة فناء الدنيا، لحظة الموت وسكرته، مع الرقابة الإلهية والإحاطة الربانية: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ * وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 16-19] وبعد الموت وشدته الذي لا مفر منها وهو مشاهد معروف يأتي هول المحشر، وكربة الموقف، ورهبة الحساب، واختصام الخصماء أمام الحكم العدل.

{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ} [ق: 20-21] سائق يسوقها إلى المحشر وهو ملك موكل وشهيد، قال ابن عباس رضي الله عنهما: شهيداً من أنفسهم، كما قال سبحانه وتعالى: {شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [فصلت: 20] جاء الشهداء ونشرت السجلات والإنسان في غفلة عن هذا اليوم العظيم {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 22] أي: أبصرت بكل وضوح ما كنت غافلاً عنه معرضاً إلى غيره.

ثم تأتي الآياتُ الكريمة في مشهد عظيم في هذا اليوم من حيث يتلاوم الخاسرون، ويندم النادمون، ويحتاج المحتاجون {وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ} [ق: 23-26].

وقضية التوحيد هي القضية الثالثة التي يُنكِرُها المشركون {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} [سورة ص: 5]، ولكن المُحاجَّة لم تنتهِ: {قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} [ق: 27] ثم يتحدث المولى سبحانه وتعالى ليقطع كل عوى بالحق الذي لا ريب فيه {قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ} [ق: 28-34] جمع بين الترغيب والترهيب، أين الذين يخشون الرحمن بالغيب فلهم البشرى بجنات عظيمة وخلود دائم وسلام من كل شر.

نسأل الله الكريم من فضله، أقول ما تسمعون وأسأل المولى لي ولكم حسن الختام، والأمن يوم النشور، والخلود في جنات وعيون، وأصلي وأسلم على النبي الكريم.



الخطبة الثانية
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله إلى يوم الدين.

عباد الله:
تمضي هذه السورة العظيمة وفي ختامها وفي عطف بياني عجيب وفي خاتمة بليغة وفي اختصار لما سبق وتصريف للآيات والعبر، وتسلية للنبي الكريم وهو يجابه أصناف المشركين المكذبين، والنقلة إلى آيات أخرى جديرة بالتأمل أنه عذاب الله، الآيات الكونية المسخَّرة للإنسان قد تتحوَّل بأمر الباري إلى عذاب، والماء إلى محرق لمن كذب الرسل مهما كان قوة المكذبين وبأسهم وحيلتهم، وما حلَّ في بعض الدول قريباً من زلازل وفيضانات لعِبرَة.

{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 36-37] إن هذه السورة وهذا الآيات وأمثالها لعبرة عظيمة وموعظة بليغة، ولكن من ينتفع بها، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد من غير غفلة أو إعراض.

ثم يلتفتُ السياقُ على صِنفٍ آخر من المكذبين، وهم كفرة أهل الكتاب الذين شاركوا هؤلاء المكذبين شاركوهم في نسبة التعب إلى الله سبحانه؛ بل في كتابهم إلى اليوم في أول صفحة من توراة اليهود المحرَّفة، ويؤمن بها عموم النصارى في بدء الخلق في ستة أيام جاء هذا النص: (واستراح الله في اليوم السابع)، فقال المولى سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} [ق: 38]. هل يليق بالرب العظيم أن يمسه تعب أو عجز؟!

ثم يلتفت الخطاب التفاتة بليغة إلى نبيه عليه الصلاة والسلام وخليله وأمينه على وحيه وهو يواجه أصناف المكذبين بنص قرآني بديع رغم هذه الأدلة والبراهين وهذه الحقيقة الناصعة، وهذا التكذيب والاستهزاء إلا أنه يأمره بالصبر والدعاء والتسبيح أناء الليل وأطراف النهار {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق: 39-40] قيل: هي الصلوات الخمس والتسبيح بعدها وهي ما عداها من النوافل والأذكار، وهو درس لكل مؤمن.

عباد الله:
للصبر والصلاة والذكر واللجوء إلى الله دور عجيب في ثبات القلب وطمأنينته {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ } [البقرة: 45]، {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].

ثم تختتم هذه السورة العظيمة بمشهدٍ عظيم من مشاهد البعث والخطاب متجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم معرضاً عن أولئك المكذبين {وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} [ق: 41]، وهو النفخة الثانية {يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} [ق: 42-44].

ثم يخاطب المولى سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في تسلية عجيبة مبينة دور رسالته وأن عليه البلاغ والأمر إلى المولى سبحانه: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} [ق: 45]، فربك ومولاك لا يخفى عليه استهزاؤهم وتكذيبهم وسخريتهم.

{وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: 45] وهذه ثالثة التفاتة إلى أهمية القرآن في الذكرى، ولعلها من أسباب تذكير النبي صلى الله عليه وسلم بهذه السورة، فليس مهمته صلى الله عليه وسلم إلا البلاغ، وليس عليه قسرهم على الإيمان أو جبرهم عليه، ومن بعده ودونه من باب أولى.


أقول ما تسمعون سائلاً المولى سبحانه وتعالى أن ينفعنا بالقرآن العظيم، ثم أُصلِّي وأُسلِّم على النبي الكريم.

ــــــــــــــــــ
المصدر
http://www.alukah.net/Web/kassem/10501/18849/







رد مع اقتباس
قديم 07-08-2010, 05:54 AM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
ابو الحمزه
المراقب العام

إحصائية العضو






 

ابو الحمزه غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو الحمزه المنتدى : منتدى زاد الداعية والخطيب
افتراضي

وقفات مع سورة ق
صالح بن عواد المغامسي

الحمد لله الذي تقدست عن الأشباه ذاته ، ودلت على وجوده آياتهومخلوقاته ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خالق الخلق بما فيه ،وجامع الناس ليوم لا ريب فيه ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله , نبي شرحالله له صدره ، ورفع الله له ذكره ، ووضع الله عنه وزره ، وجعل الذلة والصغار علىمن خالف أمره ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبعمنهجه بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد .

عباد الله
:
فإن سورة ( ق)سوره مكية النزول طالما قرأها وتلاها وبين أسرارها رسول الله صلى الله عليه وسلمفي خطبة جمعته على منبره حتى حفظ بعض الصحابة هذه السورة من فيه الرطب صلوات الله وسلامه عليه . ولما كان لا هدي أكمل من هديه ولا طريق أقوم من طريقه فإنه حري بكل من رغبفي إتباع السنة والتماس الهدي النبوي أن يشرع بين الحين والآخر في ذكر ما في هذهالسورة من عظيم الآيات،وجلائل العظات، وبالغ التخويف من رب العالمين جلجلاله لعباده.

أيها المؤمنون :
لا أحد أعلم بالله من الله تباركوتعالى , ولا أحد أدل على الطريق الموصل إلى جنانه والمبعد عن نيرانه منه تبارك وتعالىولهذا أقسم الله جل وعلا في صدر هذه السورة بالقرآن وختم هذه السورة بقوله جلشأنه : {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ }[ق45] .

وإن المؤمن إذا كان على الفطرة قويماً مستقيماً على منهاج محمد صلى الله عليه وسلم كان لا يتأثر بشيء أعظم من تأثره بالقرآن
.بالقرآن يجاهد المؤمن قال الله جل وعلا : { وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً } [الفرقان52] . وبالقرآنيقوم المؤمن بين يدي ربه {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً}[الإسراء79] . وبالقرآن يخوف من عصى الله { فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} .

جعله
الله جل وعلا شرفاً لهذه الأمة في الدنيا والآخرة {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ}[الزخرف44]والذكر هنا بمعنى الشرف العالي والمقام العظيم الذي أتاه الله نبيه صلى اللهعليه وسلم بما أوحى إليه من هذا القرآن العظيم .

ثم أخبر تبارك وتعالى أن أعظم
العجب الذي انتاب كفار قريش أنهم استكبروا أن يبعث رسول من بين أظهرهم يعرفهمويعرفونه فقالوا مستكبرين كما قال الله جل وعلا : {بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ } [ق2] وهذه العلة في الرد هي العلة التي امتطتها الأمم من قبل فأكثر الأمم التي بعث إليهاالرسل كان أكبر حجتهم في الرد على رسولهم أنهم اعترضوا أن يبعث الله جل وعلا بشراًرسولاً فأخبر الله تبارك وتعالى أنه لو قُدّر أن ينزل الله جل وعلا ملكا لكان هذاالملك بشراً رسولاً يحمل أوصافهم ولبقي الأمر ملتبساً عليهم كما بقي في الأولورسولنا صلى الله عليه وسلم كانت قريش تعرفه قبل أن يبعث تعرفه بأمانته وعفافهوطهره صلوات الله وسلامه عليه تعرف منشأه ومدخله و مخرجه فليس لهم حجة في اعتراضهمعليه صلوات الله وسلامه عليه .

بل الأمر رحمة من الله محضة يضعها الله حيث يشاء
قال جل ذكره : {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }[الزخرف31] فقال تباركوتعالى مجيب لهم : {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ } [الزخرف32] فاقتضت رحمة الله جل وعلا وحكمته ومشيئته أن يكون محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء وسيد الأولياءوأفضل الخلق أجمعين ولله جل وعلا الحكمة البالغة و المشيئة النافذة {بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ } [ق2] .

وكما اعترضوا على الرسول
اعترضوا على الرسالة وأعظم ما اعترضوا عليه إنكارهم للبعث والنشور وأن العظام إذابليت والأجساد إذا تقطعت سيكون لها بعد ذلك مبعث ونشور كما أخبر الله تبارك وتعالىعنهم فقالوا : {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ } [ق3] فقال الحق جل جلاله وعظم سلطانه :{قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ } [ق4] .

قال صلوات الله وسلامة عليه
: ( إنبني آدم خلق من عجب الذنب منه خلق وفيه يركب فكل جسد بني آدم يبلى في قبره إلا عجبالذنب ) . أجساد الشهداء أجساد حفاظ القرآن أجساد الصالحين أجساد غيرهم من الخلق أجمعينكُلها تبلى إلا أجساد الأنبياء قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا كانت ليلة الجمعة أويومها فأكثروا من الصلاة علي قالوا : يا رسول الله كيف نصلي عليك وقد أرمت فقال : " إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء " ) فخرجت أجساد الأنبياء بهذاالحديث الصحيح وبقي ما غيرها من الأجساد عرضه للبلاء والذهاب كما أخبر الله تباركوتعالى ظاهراً في كتابه وكما بينته السنة الصحيحة الصريحة عن الرسول الهدى صلوات اللهوسلامة عليه .

{
قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ }ذلكم هو اللوحالمحفوظ .
{ حَفِيظٌ }
أي محفوظ لا يتغير ولا يتبدل , حفيظ لا يشذ عنه شيء , حفيظ كتبتهالملائكة بأمر من الرب تبارك وتعالى فما فيه لا يتغير ولا يتبدل إلى أن يقوم الخلقويحضر الأشهاد بين يدي رب العباد تبارك وتعالى .

ثم ذكر جل شأنه بعض من عظيم
خلقه وجلائل صنائعه فذكر السماء والأرض وإنزال المطر وإنبات الزرع وأن ذلك كله لايخلقه إلا الله تبارك وتعالى ومن تأمل في عظيم المخلوقات دلته بصيرته وبصره إلى ربالبريات جل جلاله فما أجمل أن تكون الأشياء من حولنا تدلنا على ربنا تبارك وتعالىقال الله جل وعلا عن القانتين من خلقه والمتقين من عباده : { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } [آل عمران191 ]فما عظمةالمخلوق إلا دلالة على عظمة الخالق . وما جلالة المصنوع إلا دلالة على جلالةالبارئ جل شأنه .

والله تبارك وتعالى ما من مخلوق إلا والله جل وعلا خالقه ومدبره
فقير كل الفقر ذلك المخلوق إلى الله والله جل وعلا غني كل الغنى عن كل مخلوق خلق العرش وهو مستغني عن العرش خلق حملة العرش وهو جل وعلا مستغني عن حملة العرشخلق جبريل و ميكائيل و إسرافيل وملك الموت وغيرهم من الملائكة وهو جل وعلامستغنى كل الغنى عنهم وهم أجمعون فقراء كل الفقر إلى ربهم تبارك وتعالى .

{اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ }
[البقرة255] فحياته جل شأنه حياة لم يسبقها عدم ولا يلحقهازوال وقوله جل وعلا { الْقَيُّومُ } أي قيوم السموات والأرض احتاج كل أحد إليه واستغنى جلوعلا عن كل أحد سواه لا إله إلا هو رب العرش العظيم .

ثم ذكر جل وعلا بعد ذلك
الخصومة التي بين نبيه صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش اعترفوا أول الأمر أن الله هوخالقهم ثم قالوا إن الله غير قادر على أن يبعثنا فقال الله جل وعلا : {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ }[ ق15 ] .

فهم متفقون على أننا قد خلقناهم أول مرة لكن اللبس
الذي في قلوبهم والشكك الذي في صدورهم إنما هو ناجم عن إعادة البعث والنشور قال اللهجل وعلا مجيباً العاص ابن وائل لما أخذ عظاماً بالية ووضعها في كفة ثم نفثها في وجهرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول : " أتزعم يا محمد أن ربك يعيد هذا بعد خلقه " ، قالالله مجيباً له : {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ } [يس81] آمنا بالله الذي لا إلهإلا هو قال الله : { أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } ثم قال جل وعلا: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق16] وهذا قرب الله جل وعلا من عباده بملائكة بذلكم الرقيبين الذين يحصيان الكلماتويعدان الأفعال . الذي عن اليمين يكتب الحسنات ويشهد على الآخر والذي عن الشمال يكتبالسيئات ويشهد على الآخر ثم يلتقيان مع صاحبهما بين يدي الله بين يدي من لا تخفىعليه خافية فطوبى لعبد كانت سريرته خيراً له من علانيته . قال الله جل وعلا : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ }وهذا بيان للأول أي : {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ }حين يتلقى المتلقيان {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}تمضي على ذلك أيامهوأعوامه وما كتب الله له من الحياة حتى يواجه سكرت الموت وكلما تلفظ به أمر مسطور مكتوب لايغيب قال الله سبحانه : {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ } [ق19]أي تفر فلا يوجدأحد يلقي بنفسه إلى المهالك قال الله : {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ } .
وقف الصديق رضي
الله عنه يواجه سكرة الموت وهو مضطجع في بيته فقالت الصديقة رضي الله عنها ابنتهعائشة لما رأت أباها يواجه سكرت الموت تردد قولاً قديماً لحاتم طي :
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ***إذا حشرجت يوماً وضاق بهاالصدر
فكشف الصديق وهو في سكرة الموت عن غطاءه وقال : " يا بنيه لا تقولي هذاولكن قولي كما قال الله :{ وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ }" .

وسكرة
الموت غرغرة الروح قبل أن تخرج من الجسد فإذا خرجت سميت روحاً وإذا بقيت ما زالتنفساً وهي لحظات يواجهها كل أحد ولو بدا لك بين عينيك أن الميت لا يواجه شيئاً منهذا فكم من أمر مخفي لا يعلمه إلا الله ويشتد الموت على الأنبياء لأن الموت مصيبةوالمصيبة أعظم ما تكون على الصالحين وأولياء الله المتقين وإن لم يبدو ذلك ظاهرللعيان لمن كان محيطاً بالميت لكن الميت حال نزع الروح يواجه من الأمور العظام ماالله بها عليم , ثم يخففه الله جل وعلا فتنزع روحه آخر الأمر نزعاً رفيقاً خفيفاًلعناية الرب تبارك وتعالى بأوليائه بعد أن تثبتهم الملائكة كما قال الله جل وعلا فيفصلت : {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } [فصلت30 ] .

{وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ }
[ق19] أي مرت على الناس أهلة وأهلة وهم في قبورهم ثمانتهى الأمر إلى الفناء العام فنفخ في الصور النفخة الأخرى فقام الناس بين يدي ربهم {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ } [ق22] فليست حياة البرزخ ولا حياةالآخرة كحياة الدنيا فإن في الدنيا من الغيبيات ما الله به عليم وفي حياة البرزخينكشف الكثير من تلك الغيبيات وفي حياة الآخرة يصبح الأمر كله عين اليقين يرى الإنسانما كان يسمعه ويقرأه و يتلوه من كلام لله عز وجل وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وما أخبربه من الغيبيات يراه ماثلاً بين عينيه قال الحق جل شأنه : {فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ } وهنا يقول قرينه ذلك الشيطان الذي أوكل إليه " والواو واو عطف " {وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ } [ق23] .

فيكون الخطاب الرباني :
{أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ * * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ } [ق26] .

أيهاالمؤمنون :
لا ذنب يُلقى الله جل وعلا به أعظم من الشرك وهذا لا يغفره الله أبداً أما
المؤمنون فإن أول ما يُنظر فيما فعلوه ما بينهم وبين الله هوالصلاة فمن حافظ عليهافقد حفظ دينه ومن ضيعها فهو إلى ما سواها أضيع .
وأول ما ينظر إليه بين الناس
والآخرين مسألة الدماء فأول ما يقضي به بين الخلائق الدماء . في الدماء أول ما يقضي بهبين العباد لما يتعلق بحال بعضهم ببعض والصلاة أول ما ينظر فيه مابين العبد وبين ربه ,والشرك ذنب لا يغفره الله حرم الله جل وعلا على أهله الجنة .
ثم قال الله جل وعلا :
{وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ } [ق32 ] المؤمن في طريقه إلىالله جل وعلا يقول الله عنه : {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}[البلد4 ] ينتابه الحزَن والسروروالصحة والمرض والشباب والشيخوخة والصغر من قبل تنتابه أمور كثيرة و مطالب عظام يزدلف حيناً إلىطاعات يقع أحياناً في المعاصي يستغفر ما بين هذا وذاك يفقد أمواله يفقد أولادهيخاف يحزن إلى غير ذلك مما يشترك فيه أكثر الناس فيبقى الحزن في قلبه حتى يقف بين يديالله جل وعلا ويُيمّن كتابه ويرى الجنة قد قربت وأزلفت فإذا دخلها نسي كل بؤس وحزن قدمر عليه قبل ذلك جعلني الله وإياكم من أهل ذلك النعيم .
قال الله جل وعلا :
{وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ} . { هَذَا } أي الذي ترونه {مَا تُوعَدُونَ }أي ما كنتم توعدونه فيالدنيا {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ}. { أَوَّابٍ } دائم التوبة والإنابة و الاستغفار لله جل وعلا حفيظلجوارحه أن تقع في الفواحش مما حرم الله مما ظهر منها أو بطن {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ} .
ذكر الله جل وعلا النار قبلها وأنها يلقى فيها حتى تقول قطٍ قطٍ أي يكفي
يكفي قال الله جل وعلا قبل ذلك : {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} [ق33 ] .

ما القول الذي يقال لهم يقول لهم العلي الأعلى :
{ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ} [ق34] والموت أعظم ما يخوف به الناس في الدنيا ولأجل ذلك يُلقى ويذهبعنهم يوم القيامة قال الله جل وعلا : {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } [ق35 ] وأعظم ما فسر به المزيد رؤية وجه الله تبارك وتعالى .
اللهم إنا نسألك في مقامنا هذا لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقاءك في
غير ضراء مضرة ولا فتنة مضله أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكمولسائر المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم ..
***
الحمد الله وكفى والسلام على عباده الذين اصطفى ، ثم قال جل ذكره : {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق37 ] .

و إن من دلائل العقل
والاتعاظ والإيمان أن ينظر الإنسان في الأمم الغابرة والأيام الخالية فينظُر إلى صنيع الله جل وعلا فيمن عصاه ورحمته تبارك وتعالىفيمن أطاعه واتبع هداه .
ثم ذكر جل وعلا رداً على اليهود التي زعمت أن الله بدأ الخلق
يوم الأحد وانتهى يوم الجمعة واستراح يوم السبت تعالى الله عما يقول الظالمون علواًكبيراً فقال جل ذكره ممجّداً نفسه ومادحاً ذاته العلية : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ } [ق38] .

ثم أمر نبيه بالصبر على ما يقوله أعدائه
{فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} ولابد للصبر من مطيه ألا وأعظم المطايا ذكر الله تباركوتعالى والوقوف بين يديه مناجاة ودعاء قال الله جل وعلا : {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ } [ق39] .

ثم قال جل شأنه بعد أن دعا نبيه إلى كثرة الصلاة والذكر على القول بأن التسبيح هنا الصلاة وعلى القول بأنه الذكر المطلق والمقيد وهو أظهر والعلم عند الله
{وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} [ق41] .

{ وَاسْتَمِعْ }
هذا نداء لكل من يقرأ القرآنوالمنادي هو إسرافيل عليه السلام والمكان القريب بيت المقدس سمي قريباً لأنه قريبمن مكة وهذه السورة نزلت في مكة وليست بيت المقدس عن مكة ببعيد.

{وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ }
[ق42] . ينادي أيتهاالعظام البالية أيتها الأوصال المتقطعة إن الله يدعكن لفصل القضاء فتجتمع الأجسادوتدب فيها الأرواح بعد أن تخرج من مستقرها ويخرج الناس لرب العالمين قال جل ذكره : {يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ } [ق45] . سواء جهروا به أو لميجهروا فالقلوب له مفضية والسر عنده علانية وليس عليك أيها النبي إلا البلاغ فقالالله جل وعلا له : { فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} [ق45] . عوداً على بدء كما أقسم الله بقرآنهالعظيم ختم السورة به كما بيناه في أول خطبتنا وذلك أن القرآن جعله الله جل وعلاهدى ونوراً لهذه الأمة :
جاء النبيون بالآيات فانصرمت ***وجئتنا بحكيمغير منصرمٍ
آياته كلما طال المدى جددٌ ***يزينهن جلال العتقوالقدمٍ
فصلوا وسلموا على من أنزل إليه هذا القرآن {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً } [الأحزاب56] . اللهم صلي على محمدوعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمدوعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد . وارض اللهمعن أصحاب نبيك أجمعين بلا استثناء وخص اللهم منهم الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاءوارحمنا اللهم برحمتك معهم يا ذا الجلال و الإكرام واغفر اللهم لنا في جمعتنا هذه أجمعيناللهم ووفق ولي أمرنا بتوفيقك وأيده بتأييدك اللهم وفقه لهداك وجعل عمله في رضاك. اللهم وأصلح أحوال أمة محمد صلى الله عليه وسلم في كل مكان اللهم إنا نسألكالإيمان والعفو عما مضى وسلف وكان من الذنوب والآثام والعصيان اللهم من روع أهلمدينة رسولك صلى الله عليه وسلم فمكن منه وأخذله يا رب العالمين . اللهم استرعوراتنا و آمن روعاتنا . اللهم أستر عوراتنا و آمن روعاتنا . اللهم أستر عوراتنا وآمن روعاتنا ،اللهم إنا نسألك الهدى والتقوى والعفاف و الغنى والفوز بالجنةوالنجاة من النار . اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى من الجنة . اللهم إنا نسألكالفردوس الأعلى من الجنة . اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى من الجنة .
عباد الله:
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر
والبغي يعظكم لعلكم تذكرون فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكمولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون



ـــــــــــــ
صيد الفوائد






رد مع اقتباس
قديم 07-08-2010, 06:01 AM رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
ابو الحمزه
المراقب العام

إحصائية العضو






 

ابو الحمزه غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو الحمزه المنتدى : منتدى زاد الداعية والخطيب
افتراضي

خطبة 11/10/1424 ( مواعظ من سورة ق ) للشيخ صالح آل طالب

الخطبة الأولى

أمّا بعد: فاتّقوا الله تعالى حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعروةِ الوثقى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، فمن اتّقى الله وقاه، ومِن كلِّ ما أهمَّه كفاه، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2، 3].

وبعد: أيّها المسلمون، لقد بعَث الله كلَّ نبيٍّ بمعجزةٍ وآية لقومِه، وأنزل على رسولِه محمّدٍ أعظمَ معجزة وأبلغَ آية، فهي باقيَةٌ إلى قيامِ الساعة، إنّه القرآن الكريم، كلامُ الله عزّ وجلّ المنزَّل المحفوظ، تبيانٌ لكلّ شيء، يهدِي للتي هي أقوم، فهو الكتاب المحكَم، الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: 1]، ما وعِظ الواعظون بمثلِه، ولا أصاب الحاكمون بدونِه، ولا استدلّ العالِمون إلاّ بنوره، سمَّاه الله تعالى موعظةً فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: 57].

ولقد كانت سنّة النبيّ أن يعِظ به ويذكِّر استجابةً لنداءِ ربّه: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ [ق: 45]، وفي صحيح مسلم عن أمّ هشام بنتِ حارثة بن النّعمان قالت: كان تَنُّورنا وتنّورُ رسول الله واحدًا سنتَين أو سنةً وبعضَ سنة، وما أخذتُ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إلاّ عن لسان رسول الله يقرؤُها كلَّ يوم جمعةٍ على المنبر إذا خطَب الناس. قال ابن كثير رحمه الله: "والقصدُ أنّ رسول الله كان يقرأ بهذه السّورة في المجامع الكِبار كالعيد والجُمَع لاشتمالِها على ابتداءِ الخلق والبَعث والنّشور والمعادِ والقيام والحساب والجنّة والنّار والثواب والعقاب والتّرغيب والتّرهيب والله أعلم".

أيّها المسلمون، إنّ العمل بالموعظةِ خيرٌ وثباتٌ وأجر وهداية، وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء: 66-68].

فلنتفيّأ ظلالَ هذه السورةِ إحياءً للسنّة والتماسًا للهداية ووَعظًا للقلوب.

أعوذ بالله من الشيطان الرّجيم، بسم الله الرّحمن الرحيم: ق وَالْقُرْءانِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُواْ أَن جَاءهُمْ مُّنذِرٌ مّنْهُمْ فَقَالَ الْكَـافِرُونَ هَـذَا شَىْء عَجِيبٌ أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأَرْضَ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَـابٌ حَفِيظٌ بَلْ كَذَّبُواْ بِالْحَقّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ في أمر مريج أي: مختلِط وملتبِس، وهو حال كلِّ من ابتعد عن هديِ القرآن وكذّب بالحقّ وابتغى هديًا غيرَ هدي الله، فهو متخبِّط في آرائه ومواقفِه، متحيِّر في حياتِه وتصرّفاته، يتبَع الهوى وتتعارَض عنده المفاهيمُ والقيَم.

ثمّ وجّه الله تعالى إلى التفكّر والنّظر في صنعِ الله الذي أتقن كلَّ شيء، وهل غيرُ الله يأتي بمثلِه؟! تعالى الله، بل هل يمكن أن تقومَ المخلوقات بنفسها؟! إنّ هذا لبرهانٌ عظيم على قدرة الله تعالى وأنّه الإله الحقّ: أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَـاهَا وَزَيَّنَّـاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ وَالأَرْضَ مَدَدْنَـاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَواسِىَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَىلِكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَـارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّـاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَـاسِقَـاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ رّزْقًا لّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذلِكَ الْخُرُوجُ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَـابُ الرَّسّ وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ وَأَصْحَـابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ تعالى الله، إنّ الذي خلق وأنشأ المخلوقاتِ من العدَم ولم يعيَ بخلقهنّ قادرٌ على إعادتِها سبحانه.

ثمّ يبيّن الله تعالى ما يكون عند البعثِ والنشور، وهو الخَلق الثّاني، خَلقُ البعثِ والإعادة، ويقدّم لذلك بتذكيرٍ لخلق الله للإنسان وأنّ الله تعالى لا تخفَى عليه خافية، بل يعلم وسوسةَ الصّدور ومكنونَ القلوب، فكيف بالقول والعمَل؟! مهما خفِي فكلّ ذلك مرصود ومسطور، فليأخذِ المسلم أهبتَه، وليعدّ للموقفِ عدَّته، فمن عمل مثقالَ ذرّة من خيرٍ أو شرّ وجدَه ورآه أمامَه، فحاسِبوا أنفسَكم قبل أن تحاسَبوا: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَـانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشّمَالِ قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ، ولكن لا مفرَّ ولا مهرَبَ ولا مَحيدَ من المَوت، فهو مصيرُ كلِّ حيّ، ولن يفلتَ مِن هذا المصير مسلِم ولا كافِر، ومع شدّته وكُربتِه فإنّ ما بعدَه أشدُّ وأفظع مِن أحوال القبرِ والبرزَخ، ثمّ البعث والنّشور والحِساب بعدَ النّفخ في الصّور، فيقول الله: وَنُفِخَ فِى الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمَ الْوَعِيدِ وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ، فيقال له: لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مّنْ هَـذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ، ففي هذا الموقفِ العصيب تُنشَر الصّحف ويبصِر النّاس منازلَهم في الجنّة أو في النّار، عندها يختصِم أهل النّار ويتحاجّون كما ذكر الله ذلك في مواضعَ عدّة من كتابه، وهنا قال: وَقَالَ قَرِينُهُ هَـذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَّنَّـاعٍ لّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ الَّذِى جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَـهًا ءاخَرَ فَأَلْقِيَـاهُ فِى العذاب لشَّدِيدِ قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَـكِن كَانَ فِى ضَلَـالٍ بَعِيدٍ قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَا أَنَاْ بِظَلَّـمٍ لّلْعَبِيدِ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلاَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هَـذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَّنْ خَشِىَ الرَّحْمَـنَ بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ادْخُلُوهَا بِسَلَـمٍ ذَلِكَ يَوْمُ الُخُلُودِ لَهُم مَّا يَشَاءونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ.

وفي عَطفٍ بيانيّ عجيب يعود آخر السّورة على جميع ما سبَق بتوكيدٍ للقضايا السّابقة من البعثِ والخلق ومصير الخلائق وهلاكِ القرون السّالفة وأحوال القيامة: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُواْ فِى الْبِلَـدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ إِنَّ فِى ذلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَـاواتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ الَّيْلِ فَسَبّحْهُ وَأَدْبَـارَ السُّجُودِ، وفيه إشارةٌ إلى أنّ الصلاة وذكرَ الله تعالى من وسائل الصّبر والثبات، وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكّرْ بِالْقُرْءانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ.

بارك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعنا بما فيه من الآياتِ والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنبٍ وخطيئة، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنّه هو الغفور الرحيم.



--------------------------------------------------------------------------------
الخطبة الثانية


الحمد لله، لم يزل بالمعروف معروفًا، وبالكرَم والإحسان موصوفًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح للأمّة وجاهد في الله حقَّ جهاده حتى أتاه اليقين، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبِه أجمعين.

وبعد: أيّها المسلمون، اشكروا الله تعالى على ما منَّ به عليكم من الغيثِ والأمطار، واسألوا الله البركةَ فيه وأن يعُمَّ ديارَ الإسلام به، فليس القحطُ أن لا تمطَروا، بل القحط أن تمطَروا فلا يبارك لكم فيه، فالزَموا أسبابَ البركة، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف: 69].

فاللهمّ لك الحمد على ما أوليتنا من نعمِك الجزيلةِ وآلائك الجليلة. اللهمّ لك الحمد حتّى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. اللهمّ اجعل ما أنزلته قوّةً لنا على طاعتِك وبلاغًا إلى حين. اللهمّ أنبِت به الزرع، وأدرَّ به الضّرع، وأغزِر به لنا المَاء. اللهمّ اجعلها سقيا رحمة، وزِدنا من بركاتِك ورحمتِك وفضلك ورزقِك، وعمَّ بفضلك جميعَ ديار الإسلام، يا حيّ يا قيّوم، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهمّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد...






رد مع اقتباس
قديم 07-08-2010, 06:03 AM رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
ابو الحمزه
المراقب العام

إحصائية العضو






 

ابو الحمزه غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو الحمزه المنتدى : منتدى زاد الداعية والخطيب
افتراضي

سورة ق
صالح بن حميد
http://alminbar.al-islam.com/Default...770&subsubID=0


ملخص الخطبة: البعث والنشور والجزاء والحساب أحد أركان الدين – سورة (ق) وخطبته بها صلى الله عليه وسلم والسر في ذلك – تفسير السورة
الخطبة الأولى أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، اتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، يوم ينفخ في الصور، ويبعث من في القبور، ويظهر المستور، يوم تبلى السرائر، وتكشف الضمائر، ويتميز البر من الفاجر.
أيها الأخوة في الله، أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى [القيامة:36]. أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115]. وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاء وَٱلأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً ذٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ [ص:27].
المكلفون مؤاخذون بأعمالهم، تكتب ألفاظهم، وتسجل ألحاظهم في كتابٍ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، يشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم.
أيها المسلمون والمسلمات، البعث والنشور والجزاء والحساب أحد أركان دين الله، جاءت به جميع الرسل، والغريب العجيب أنه ما من شيء في دعوة هؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام استبعده الكفار واستغربوه، وتعجبوا منه وأنكروه مثل إنكارهم اليوم الآخر.
والقرآن الكريم قد سجل على هذه الأجيال الكافرة جيلاً بعد جيل إصرارها وإنكارها؛ وَقَالُواْ إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [الأنعام:29]. أَءذَا كُنَّا تُرَابًا أَءنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ [الرعد:5]. وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ [النحل:38]. وَيَقُولُ ٱلإِنْسَـٰنُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً [مريم:66]. أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظـٰماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [المؤمنون:35-37]. بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلاْوَّلُونَ قَالُواْ أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءابَاؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ أَسَـٰطِيرُ ٱلاْوَّلِينَ [المؤمنون:81-83].
أيها الإخوة، وبين أيدينا سورة عظيمة كأنها قد خصصت لمعالجة هذه القضية، سورة ذات دلالات عظيمة وآيات عميقة، تخاطب العقول، وتطبب أمراض الشكوك لا بالجدل العقلي العقيم؛ ولكن بالطريقة القرآنية الفريدة الصالحة لكل زمان ومكان. إنها السورة التي كان يقرؤها ، ويخطب بها على المنابر في الجُمَع والأعياد والمجامع الكبار، كما يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله لاشتمالها على ابتداء الخلق، والبعث والنشور، والمعاد والقيامة والحساب، والجنة والنار، والثواب والعقاب، والترغيب والترهيب.. تلكم هي سورة: ق وَٱلْقُرْءانِ ٱلْمَجِيدِ [ق:1].
أخرج أحمد ومسلم من حديث أم هشام بنت حارثة قالت: (لقد كان تنورنا وتنور النبي واحداً سنتين أو سنة أو بعض السنة، وما أخذت ق وَٱلْقُرْءانِ ٱلْمَجِيدِ إلا على رسول الله كان يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس)[1].
سورة عظيمة، جلية بحقائقها، ظاهرة في حججها، واضحة في بيانها، تأخذ على النفوس أقطارها، وتلاحق القلوب في خطراتها وحركاتها، تبرهن على عقيدة البعث والنشور؛ من المولد والوفاة، والمحشر والحساب، والثواب والعقاب، إيضاحٌ عجيبٌ، وبسطٌ دقيقٌ لصورة المحيا والممات، وصورة البلى والقيام لرب العالمين.
تبتدئ السورة الكريمة بتعجب الكفار واستبعادهم للمعاد بعد الهلاك، وتلك سذاجة في التفكير، وقصور في النظر. إنهم ينكرون إعادة الخلق، وقد خلقوا أول مرة. ويأتي الرد عليهم سهلاً سريعاً يسيراً، فالله الذي خلقهم وأماتهم لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، يعلم أجزاءهم وأشلاءهم وذرَّاتهم، وكل ما تنتقصه الأرض منهم، وكل ذلك في كتاب حفيظ.
بسم الله الرحمن الرحيم: ق وَٱلْقُرْءانِ ٱلْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُواْ أَن جَاءهُمْ مُّنذِرٌ مّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ هَـٰذَا شَىْء عَجِيبٌ أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأرْضَ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَـٰبٌ حَفِيظٌ بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ [ق:1-5].
إن كل من كذب بالحق فهو في أمر مريج. السائر في غير درب الحق حاله مختلط، وأمره متخبِّط، تتقاذفه الأهواء، وتتخطفه الهواجس، وتمزقه الحيرة، وتقلقه الشكوك، يضطرب سعيه، وتتأرجح مواقفه ذات اليمين وذات الشمال، فقلبه في اضطراب، ونفسه في خلجات. وهذا هو حال الكثيرين من الفلاسفة المتقدمين، والماديين المتأخرين، والشيوعيين والعلمانيين؛ كل هؤلاء وأولئك في أمر مريج، وليس ثمة معالجة لهذه الشكوك، ولا طريق يوصل إلى الحق إلا طريق القرآن، إنه التدبر في خلق الإنسان ومخلوقات الأرض والسماء، والنبات والماء، وكل مبثوث من الجماد والأحياء، ينضم إلى ذلك النظر في أحوال الغابرين، وعاقبة المكذبين، ومصائر المتشككين أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى ٱلسَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَـٰهَا وَزَيَّنَّـٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ وَٱلأرْضَ مَدَدْنَـٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوٰسِىَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء مُّبَـٰرَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّـٰتٍ وَحَبَّ ٱلْحَصِيدِ وَٱلنَّخْلَ بَـٰسِقَـٰتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ [ق:6-10].
ومن بعد ذلك تنتقل الآيات إلى طريق في البرهان آخر، ومشهد مألوف؛ ولكن كثيراً ما تغفل عنه النفوس، إنها لحظة الموت وسكراته، ويسبق ذلك بيان الرقابة الإلهية والإحاطة الربانية بهذا الإنسان، فهو في قبضة مولاه، النَّفَس معدود، والهاجس معلوم، واللفظ مكتوب، واللحظ محسوب. رقابة رهيبة لا يفوت فيها ظن، ولا يفلت منها وسواس.
يُذكر ذلك ـ أيها الإخوة ـ مصحوباً بوصف عجيب لحالة الموت والسكرات التي تمر على كل إنسان؛ براً كان أو فاجراً، مؤمناً كان أو كافراً. والموت هو أشد ما يحاول المخلوق البشري أن يروغ منه، أو يبعد شبحه عن خاطره ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19]. ولكن الموت طالب مدرك، لا يبطئ ولا يخطئ ولا يتخلف له موعد، وها هي سكرات الموت قد جاءت بالحق الذي كان ينكره المنكرون، ولكن لا ينفع الاعتراف بعد فوات الأوان.
وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشّمَالِ قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:16-19].
وبعد الموت وسكراته يأتي هول المحشر، ورهبة الحساب وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ ذَلِكَ يَوْمَ ٱلْوَعِيدِ % وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [ق:20-21]. إنه تصوير حي، وشاهد قائم، يقول فيه الرسول : ((كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له)). قالوا: يا رسول الله، كيف نقول؟ قال :((قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل))[2]. فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.
لقد جاءت الشهداء، ونشرت السجلات، وفُصل بين الفريقين، وتبين أصحاب الجنة وأصحاب السعير. وبدأ الخاسرون يتحاجُّون، ورجعوا إلى أنفسهم يتلاومون. وَقَالَ قَرِينُهُ هَـٰذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَّنَّـٰعٍ لّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ ٱلَّذِى جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً ءاخَرَ فَأَلْقِيَـٰهُ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍ بَعِيدٍ قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَا أَنَاْ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلاَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هَـٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَّنْ خَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ٱدْخُلُوهَا بِسَلَـٰمٍ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلُخُلُودِ لَهُم مَّا يَشَاءونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:23-35].
هذه هي عاقبة الفريقين في السعادة من رزق القلب المنيب، وخشي ربه بالغيب.
فاتقوا الله، وآمنوا بلقاء ربكم، يصلح لكم أمر دينكم ودنياكم وآخرتكم، حياة طيبة، وطمأنينة إيمانية، وعاقبة خيرة، فما عند الله خير وأبقى، وأغلى وأنقى.


[1] صحيح، أخرجه مسلم في: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة (872).

[2] صحيح، أخرجه الترمذي في: صفة القيامة والرقائق والورع، باب: ما جاء في شأن الصور (2431)، وقال: حديث حسن، وأحمد (3/73)، وأبو يعلى رقم (1084)، وصححه ابن حبان رقم (823).


الخطبة الثانية: الحمد لله خلق فسوى، وأعاد فأبدى، أحمده سبحانه قادر على أن يحيى الموتى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صاحب المقام المحمود، والحوض المورود في اليوم المشهود، فأعظم به رسولاً وأكرم به عبداً، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجهم واهتدى.
أما بعد:
معاشر الأحبة، فتأتي خواتيم هذه السورة العظيمة؛ لتوجز ما سبق من طرق إثبات البعث، ومراحل الخلق، ومصير الخلائق، ومصارع الغابرين، وأهوال المحشر. في كل ذلك ذكرى وتذكرة، واعتبار وتبصرة، ومن لا يتذكر بوقائع الدهر ولا يستدل من الشاهد على الغائب، ولا يستبصر بأحوال الأمم، فلا حياة له ولا ذكرى في قلبه: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقَّبُواْ فِى ٱلْبِلَـٰدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَسَبّحْهُ وَأَدْبَـٰرَ ٱلسُّجُودِ وَٱسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ ٱلْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ ٱلصَّيْحَةَ بِٱلْحَقّ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلْخُرُوجِ إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا ٱلْمَصِيرُ يَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلاْرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكّرْ بِٱلْقُرْءانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ [ق:36-45].
وإن كان من وقفة أخيرة فهي عند قول الله عزَّ وتبارك: فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ [ق:39]. ذلك أيها الإخوة أن الهداية بيد الله غير خاضعة لقوة برهان، أو بلاغة بيان، فاصبر على ما يقولون، فما عليك إلا البلاغ، وليس عليك هداهم. وذكر بالقرآن؛ فهو يهز القلوب، ويزلزل النفوس، ولا يتذكر إلا من يخاف وعيد الله، ويخشى سوء عاقبة أمره.
فاتقوا الله ربكم وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ [لقمان:33].







رد مع اقتباس
قديم 07-08-2010, 06:15 AM رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
ابو الحمزه
المراقب العام

إحصائية العضو






 

ابو الحمزه غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو الحمزه المنتدى : منتدى زاد الداعية والخطيب
افتراضي

سورة ق
5/6/1419هـ
الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى:
الحمد لله...
أما بعد: أخرج مسلم في صحيحه من حديث أم هشام بنت حارثة قالت: "ما أخذت {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [(1) سورة ق] إلا على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس.
أيها المسلمون: لم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- ليقرأ هذه السورة كل جمعةٍ على المنبر -كما قالت أم هشام -رضي الله عنها-، ما كان ليقرأ هذه السورة لولا أنها سورة عظيمة في حقائقها، ظاهرة في حجمها، تأخذ بمجامع النفوس، وتقرع القلوب المؤمنة بالله فتبرهن على عقيدة البعث والنشور، من المولد والوفاة، والمحشر والحساب، والثواب والعقاب، بإيضاح عجيب، وبسط دقيق.
أيها المسلمون: مشاهد يوم القيامة من البعث والنشور والجزاء والحساب، أمر جاءت به جميع رسل الله، ولقد كان أعداء الرسل كلهم يقابلون هذا الأمر بالتكذيب والاستغراب، وسجل القرآن على هؤلاء المجرمين جريمتهم في قوله تعالى: {وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللّهُ مَن يَمُوتُ} [(38) سورة النحل].

وقوله تعالى: {وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا} [(66) سورة مريم].
وقوله تعالى: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [(35-37) سورة المؤمنون].
وغيرها كثير من الآيات، ولا زال هذا الأمر موضع تكذيب واستغراب من شرذمة منحلة من بني آدم حجبها عن معرفة الحق سلطان الهوى وحب الشهوات.
أيها الأخوة: بين يدينا سورة عظيمة خُصصت لمعالجة هذه القضية تخاطب العقول وتعالج مرض الشك لا بالجدل العقيم، ولكن بالطريقة القرآنية الفريدة التي يكفينا أنها من عند الله، لقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرؤها على المنبر ليسمع الناس كيف بدء الله الخلق وكيف يبعثهم، وليتصوروا مشاهد يوم القيامة، فيمروا على الحساب والجنة والنار، وليسمعوا الثواب والعقاب، والترغيب والترهيب.
تبتدئ السورة الكريمة بتعجب الكفار واستبعادهم للمعاد، وهكذا دائماً حال الكفار والمعاندين سذاجة في التفكير وقصور في النظر منهم ينكرون إعادة الخلق وقد خلقوا أول مرة، فيأتي الرد القرآني سهلاً سريعاً ليقيم عليهم الحجة وليبين لهم المحجة:
بسم الله الرحمن الرحيم: {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ} [(1-5) سورة ق].

إن كل مكذب بالحق فهو في أمر مريج، سائر في غير درب الحق. فهو في أمر مختلط، تتفاوته الأهواء وتتخطفه الهواجس، وتقلقه الشكوك، فسيره في الحياة مضطرب ومواقفه متأرجحة وقلبه في وحشة، هذا هو حال الكثيرين من الفلاسفة المتقدمين، والماديين المتأخرين والشيوعيين والعلمانيين.
ويجب أن يعلم هؤلاء كلهم أنه لا يوجد لهم علاج إلا في كتاب الله الذي يعرض عليهم الرجوع ويعطيهم الفرصة إلى آخر لحظة من حياتهم كي يعودوا إلى رشدهم ويستدركوا ما فاتهم.
ثم يدعو الله -سبحانه وتعالى- هؤلاء وغيرهم إلى التفكير في مخلوقات الله، ذلك التفكر الذي ينبه القلب المنتكس ويزيد القلب المؤمن إيماناً {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} [(6-11) سورة ق].

ثم يبيّن الله -جل وعلا- مسلياًً رسوله -صلى الله عليه وسلم- إن التكذيب حصل لمن قبله من الرسل فقال تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ * أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} [(12-15) سورة ق].
وبعد ذلك تنتقل الآيات إلى طريق في البرهان آخر، فهو مشهد مألوف ولا ينكره أحد، ولكن كثيراً ما تغفل عنه النفوس، بل إن كثيراً من النفوس لا ترغب حتى في تذكره؛ لأنه يفسد عليها شهواتها ويقطع عليها لذاتها، إنها لحظة الموت وسكراته يكتنف ذلك رقابة إلهية، وإحاطة ربانية فهو في قبضة مولاه، أنفاسه معدودة، وهواجسه معلومة، وألفاظه مكتوبة، ولحظاته محسوبة، إنها رقابة رهيبة لا يمكن لإنسان أن يصفها مثل ما وصفها ربنا -جل وعلا- تُذكر هذه الرقابة مصحوبة بحال الموت والسكرات التي تمر على كل إنسان براً كان أو فاجراً مؤمناً كان أو كافراً.
ها هي سكرات الموت قد جاءت بالحق الذي ينكره المنكرون ويستبطؤه المستبطئون، ولكن لن ينفع الاعتراف بعد فوات الأوان. {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ * وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [(16-19) سورة ق].

وبعد الموت وسكراته تأتي صورة المحشر رهبة الحساب {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [(20-22) سورة ق].
لقد أثر هذا المشهد في رسولنا -صلى الله عليه وسلم- فقال -عليه الصلاة والسلام- -فيما رواه الترمذي وغيره- قال -صلى الله عليه وسلم-: ((كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له. قالوا: يا رسول الله كيف نقول؟! قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل. فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل)).
إنها أعلى درجات الشفقة والخوف على الأمة وإلا فإن رسولنا -صلى الله عليه وسلم- قد جعل الله له من المنزلة ما يجعله في أمن وأمان بعد موته -صلى الله عليه وسلم- حتى ينال منزلته في الجنة. ولكنه -صلى الله عليه وسلم- كما وصفه ربه {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [(128) سورة التوبة].

فعلى من أراد أن يقتفي أثر رسوله خاصة ممن أراد أن يتشرف بمقام الدعاة إلى الله، على هؤلاء أن يعيشوا هذه الحالة من الحرص على نجاة الأمة، فيكون همهم هو الدعوة إلى الله وتغيير حال الأمة، فلا يقدّموا أي شيء من حطام الدنيا على هذا الهدف السامي والوظيفة النبوية.
ثم يبين الله كيف يجيء الشهداء وتنشر السجلات، ويُفصل بين الفريقين، ويبدأ الخاسرون بالمحاجّة، ويرجعون إلى أنفسهم بالتلاوم. {وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [(23-35) سورة ق].
بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعني وإياكم بما فيه من المواعظ والبيان...
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب.

الخطبة الثانية:
الحمد لله...
أما بعد: معاشر المسلمين تأتي خواتيم هذه السورة العظيمة لتوجز لنا ما سبق؛ لتقيم الحجة مرةً أخرى للقلب الذي يعي ما يقال له: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ * وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} [(36-45) سورة ق].

أيها الأخوة: في هذه الآيات الأخيرة يقول الله لنبيه {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} [(39) سورة ق]. وهذا توجيه للنبي -صلى الله عليه وسلم- ولمن يقوم بمثل مهمته من التصدي للدعوة إلى الله، ونشر الخير ومحاربة الباطل يأتيهم هذا التوجيه؛ لأن طبيعة عملهم تحتاج إلى صبر، صبر على ما يقول المبطلون، صبر على أذى المنافقين، وصبر على تمدد مساحة حجم المفسدين، وصبر على التهم الملفقة والألفاظ المعلبة المستوردة من بلاد الكفار، صبر على تفسير الأعمال والجهود بتفسيرات سيئة، وصبر على اتهام النوايا والتصنيف الغاشم، فإن يصبر هؤلاء فإن لهم قدوة وهم أنبياء الله ورسله: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ} [(34) سورة الأنعام].
أيها المسلمون: خلاصة هذه الخطبة الذي أريد أن أصل إليه: إن الذي لا يؤثر فيه القرآن لحري أن لا تؤثر فيه أي موعظة، وحق للجبال أن تصنف في منزلة تفوق منزلة هذا الآدمي؛ لأن الله جل جلاله قال: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [(21) سورة الحشر]. وأنت قد قُرئ عليك سورة ق كاملة من فوق المنبر فهل اتعظنا؟!
نسأل الله أن يفقهنا في القرآن، وأن يجعله حجة لنا لا علينا...
اللهم...
سورة ق
5/6/1419هـ
الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد

الخطبة الأولى:
الحمد لله...
أما بعد: أخرج مسلم في صحيحه من حديث أم هشام بنت حارثة قالت: "ما أخذت {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [(1) سورة ق] إلا على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس.
أيها المسلمون: لم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- ليقرأ هذه السورة كل جمعةٍ على المنبر -كما قالت أم هشام -رضي الله عنها-، ما كان ليقرأ هذه السورة لولا أنها سورة عظيمة في حقائقها، ظاهرة في حجمها، تأخذ بمجامع النفوس، وتقرع القلوب المؤمنة بالله فتبرهن على عقيدة البعث والنشور، من المولد والوفاة، والمحشر والحساب، والثواب والعقاب، بإيضاح عجيب، وبسط دقيق.
أيها المسلمون: مشاهد يوم القيامة من البعث والنشور والجزاء والحساب، أمر جاءت به جميع رسل الله، ولقد كان أعداء الرسل كلهم يقابلون هذا الأمر بالتكذيب والاستغراب، وسجل القرآن على هؤلاء المجرمين جريمتهم في قوله تعالى: {وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللّهُ مَن يَمُوتُ} [(38) سورة النحل].

وقوله تعالى: {وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا} [(66) سورة مريم].
وقوله تعالى: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [(35-37) سورة المؤمنون].
وغيرها كثير من الآيات، ولا زال هذا الأمر موضع تكذيب واستغراب من شرذمة منحلة من بني آدم حجبها عن معرفة الحق سلطان الهوى وحب الشهوات.
أيها الأخوة: بين يدينا سورة عظيمة خُصصت لمعالجة هذه القضية تخاطب العقول وتعالج مرض الشك لا بالجدل العقيم، ولكن بالطريقة القرآنية الفريدة التي يكفينا أنها من عند الله، لقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرؤها على المنبر ليسمع الناس كيف بدء الله الخلق وكيف يبعثهم، وليتصوروا مشاهد يوم القيامة، فيمروا على الحساب والجنة والنار، وليسمعوا الثواب والعقاب، والترغيب والترهيب.
تبتدئ السورة الكريمة بتعجب الكفار واستبعادهم للمعاد، وهكذا دائماً حال الكفار والمعاندين سذاجة في التفكير وقصور في النظر منهم ينكرون إعادة الخلق وقد خلقوا أول مرة، فيأتي الرد القرآني سهلاً سريعاً ليقيم عليهم الحجة وليبين لهم المحجة:
بسم الله الرحمن الرحيم: {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ * قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ * بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ} [(1-5) سورة ق].

إن كل مكذب بالحق فهو في أمر مريج، سائر في غير درب الحق. فهو في أمر مختلط، تتفاوته الأهواء وتتخطفه الهواجس، وتقلقه الشكوك، فسيره في الحياة مضطرب ومواقفه متأرجحة وقلبه في وحشة، هذا هو حال الكثيرين من الفلاسفة المتقدمين، والماديين المتأخرين والشيوعيين والعلمانيين.
ويجب أن يعلم هؤلاء كلهم أنه لا يوجد لهم علاج إلا في كتاب الله الذي يعرض عليهم الرجوع ويعطيهم الفرصة إلى آخر لحظة من حياتهم كي يعودوا إلى رشدهم ويستدركوا ما فاتهم.
ثم يدعو الله -سبحانه وتعالى- هؤلاء وغيرهم إلى التفكير في مخلوقات الله، ذلك التفكر الذي ينبه القلب المنتكس ويزيد القلب المؤمن إيماناً {أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} [(6-11) سورة ق].

ثم يبيّن الله -جل وعلا- مسلياًً رسوله -صلى الله عليه وسلم- إن التكذيب حصل لمن قبله من الرسل فقال تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ * أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} [(12-15) سورة ق].
وبعد ذلك تنتقل الآيات إلى طريق في البرهان آخر، فهو مشهد مألوف ولا ينكره أحد، ولكن كثيراً ما تغفل عنه النفوس، بل إن كثيراً من النفوس لا ترغب حتى في تذكره؛ لأنه يفسد عليها شهواتها ويقطع عليها لذاتها، إنها لحظة الموت وسكراته يكتنف ذلك رقابة إلهية، وإحاطة ربانية فهو في قبضة مولاه، أنفاسه معدودة، وهواجسه معلومة، وألفاظه مكتوبة، ولحظاته محسوبة، إنها رقابة رهيبة لا يمكن لإنسان أن يصفها مثل ما وصفها ربنا -جل وعلا- تُذكر هذه الرقابة مصحوبة بحال الموت والسكرات التي تمر على كل إنسان براً كان أو فاجراً مؤمناً كان أو كافراً.
ها هي سكرات الموت قد جاءت بالحق الذي ينكره المنكرون ويستبطؤه المستبطئون، ولكن لن ينفع الاعتراف بعد فوات الأوان. {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ * وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [(16-19) سورة ق].

وبعد الموت وسكراته تأتي صورة المحشر رهبة الحساب {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [(20-22) سورة ق].
لقد أثر هذا المشهد في رسولنا -صلى الله عليه وسلم- فقال -عليه الصلاة والسلام- -فيما رواه الترمذي وغيره- قال -صلى الله عليه وسلم-: ((كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له. قالوا: يا رسول الله كيف نقول؟! قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل. فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل)).
إنها أعلى درجات الشفقة والخوف على الأمة وإلا فإن رسولنا -صلى الله عليه وسلم- قد جعل الله له من المنزلة ما يجعله في أمن وأمان بعد موته -صلى الله عليه وسلم- حتى ينال منزلته في الجنة. ولكنه -صلى الله عليه وسلم- كما وصفه ربه {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [(128) سورة التوبة].

فعلى من أراد أن يقتفي أثر رسوله خاصة ممن أراد أن يتشرف بمقام الدعاة إلى الله، على هؤلاء أن يعيشوا هذه الحالة من الحرص على نجاة الأمة، فيكون همهم هو الدعوة إلى الله وتغيير حال الأمة، فلا يقدّموا أي شيء من حطام الدنيا على هذا الهدف السامي والوظيفة النبوية.
ثم يبين الله كيف يجيء الشهداء وتنشر السجلات، ويُفصل بين الفريقين، ويبدأ الخاسرون بالمحاجّة، ويرجعون إلى أنفسهم بالتلاوم. {وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [(23-35) سورة ق].
بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعني وإياكم بما فيه من المواعظ والبيان...
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب.

الخطبة الثانية:
الحمد لله...
أما بعد: معاشر المسلمين تأتي خواتيم هذه السورة العظيمة لتوجز لنا ما سبق؛ لتقيم الحجة مرةً أخرى للقلب الذي يعي ما يقال له: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ * وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} [(36-45) سورة ق].

أيها الأخوة: في هذه الآيات الأخيرة يقول الله لنبيه {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} [(39) سورة ق]. وهذا توجيه للنبي -صلى الله عليه وسلم- ولمن يقوم بمثل مهمته من التصدي للدعوة إلى الله، ونشر الخير ومحاربة الباطل يأتيهم هذا التوجيه؛ لأن طبيعة عملهم تحتاج إلى صبر، صبر على ما يقول المبطلون، صبر على أذى المنافقين، وصبر على تمدد مساحة حجم المفسدين، وصبر على التهم الملفقة والألفاظ المعلبة المستوردة من بلاد الكفار، صبر على تفسير الأعمال والجهود بتفسيرات سيئة، وصبر على اتهام النوايا والتصنيف الغاشم، فإن يصبر هؤلاء فإن لهم قدوة وهم أنبياء الله ورسله: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ} [(34) سورة الأنعام].
أيها المسلمون: خلاصة هذه الخطبة الذي أريد أن أصل إليه: إن الذي لا يؤثر فيه القرآن لحري أن لا تؤثر فيه أي موعظة، وحق للجبال أن تصنف في منزلة تفوق منزلة هذا الآدمي؛ لأن الله جل جلاله قال: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [(21) سورة الحشر]. وأنت قد قُرئ عليك سورة ق كاملة من فوق المنبر فهل اتعظنا؟!
نسأل الله أن يفقهنا في القرآن، وأن يجعله حجة لنا لا علينا...
اللهم...








رد مع اقتباس
قديم 07-08-2010, 06:41 AM رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
ابو الحمزه
المراقب العام

إحصائية العضو






 

ابو الحمزه غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : ابو الحمزه المنتدى : منتدى زاد الداعية والخطيب
افتراضي

في ظلال سورة ق الشيخ عبد الرحمن السديس

سورة ق من السور التي ينبغي تدبر معانيها، فهي تعالج قضية مهمة، وهي قضية إنكار البعث، وتذكر الإنسان بمراقبة الله له، وتعرض له مشاهد من الموت والعرض والحساب. وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ سورة ق في كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس.

القرآن دستور المسلمين

الحمد لله الذي أنزل كتابه الكريم هدى للمتقين، وعبرة للمعتبرين، ورحمة وموعظة للمؤمنين، ونبراساً للمهتدين، وشفاءً لما في صدور العالمين، أحمده تعالى على آلائه، وأشكره على نعمائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحيا بكتابه القلوب، وزكى به النفوس، هدى به من الضلالة، وذكر به من الغفلة، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، الذي كان خلقه القرآن فصلوات الله عليه وعلى آله وصحبه، الذين كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يعلموا ما فيها من القول والعمل، ورضي الله عن جنده وحزبه، ومن ترسم خطاه وسار على نهجه، ما تعاقب الجديدان، وتتابع النيران، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعــد:
أيها المسلمون! اتقوا الله تبارك وتعالى واشكروه على أن هداكم للإسلام، وجعلكم من أمة القرآن المعجزة الباهرة، والآية الظاهرة، كتاب الهدى وسفر الشهادة، ولواء الريادة والسيادة، وإمام الخير والحق والفضيلة، ودستور العدل والأمان في كل زمان ومكان: لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42].
أمة القرآن! إن سعادة البشرية وصلاح البلاد والعباد، مرهون باتباع هذا الكتاب، فإن كان قائداً إماماً نصب الأعين وبين الأيدي؛ حصلت سعادة الدارين، ونجاة الحياتين، وإن كان خلف الظهور والعياذ بالله! عم الذل والشقاء في الأولى والأخرى، ولو وقفت الأمة تحت راية القرآن وتفيأت ظلال دوحة الفرقان؛ لنالت سلم المجد، وتبوأت مكانة العزة والشرف والقوة، ولو أنها حافظت عليه وعملت بما فيه؛ لضاءت لها المسالك، وتفتحت لها المدارك، ولو درس المسلمون كتاب الله ووقفوا عند آياته فأحلوا حلاله وحرموا حرامه، لصاروا سعداء عاجلاً وآجلاً. إخوتي في الله: يقول الله سبحانه وتعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29] وأنكر المولى سبحانه وتعالى على الذين أعرضوا عن كتابه، فلا يتعظون ولا يتدبرون، اسمعوا إلى قوله تقدست أسماؤه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24].......


وقفات مع سورة ق

كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كثرة وعظ الناس بهذا القرآن، بل كان عليه صلوات ربي وسلامه يخطب الناس به، كما أخرج الإمام أحمد ومسلم وأبو داود وغيرهم عن أم هشام بنت حارثة ، قالت: [ما أخذت ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق:1] إلا من فيِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس ].
يا إخوة الإسلام! ويا أهل القرآن: ما أجمل أن نعيش لحظات في ظلال هذه السورة نتدبر آياتها ونتأمل عضاتها، ونقف عند عجائبها؛ إحياءً لهذه السنة التي اندثرت أو كادت تندثر، فلم يكن عليه الصلاة والسلام ليركز عليها في اجتماع الناس ويقرأها في الفجر والجمع والأعياد إلا لما لها من الشأن والمكانة، إنها سورة عظيمة رهيبة، شديدة الوقع بأسلوبها وحقائقها، تأخذ بمجامع القلوب، تهز النفوس هزاً، وتثير فيها الخوف من الله، وتوقظها من الغفلة. فعسى أن نلقي نظرات تسحبها عبرات، من قضايا هذه السورة العظيمة، وصورها المتعددة، في الحياة والاحتضار والممات والبعث والحشر وغيرها: تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [ق:8].......

معالجة قضية إنكار البعث

أيها المسلمون: لقد ابتدأ الله هذه السورة، بالإنكار على المكذبين المنكرين لرسالة محمد عليه الصلاة والسلام، الجاحدين بالبعث والحساب، بقولهم: أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق:3].
فبين الله سبحانه أنهم لما كذبوا بالحق التبس عليهم الأمر فهم في أمرٍ مريج، قد اختلفت عليهم الحقائق، وعميت بهم السبل وهكذا كل من حاد عن الحق، تتقاذفه الأهواء، وتمزقه الحيرة، وتقلقه الشكوك. لقد جاء صدر هذه السورة ليعالج قضية عقدية مهمة، ألا وهي قضية البعث، وإنكار الكفار له، بأسلوبٍ يذيب القلوب ويرققها، ويقيم الحجة على المعاندين، ويلفت أنظارهم إلى بديع خلق الله في الأرض والسماوات، والجبال والمطر والنبات، يقول تعالى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ [ق:6] إلى قوله سبحانه: رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ [ق:11].

التذكير بمصارع الغابرين
ثم يأتي السياق في عرض صفحة أخرى، تذكر القلوب بمصارع الغابرين وأحوال المكذبين السابقين، الذين حق عليهم وعيد الله بعذابه ونكاله بهم: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ [ق:12] إلى قوله سبحانه : كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ [ق:14].
رقابة الله لخلقه
وتمضي السورة مستطردة مع قضية البعث، مذكرة الإنسان بخلق الله له، وعلمه به، وقربه منه، وأنه سبحانه يعلم وساوس النفس وخلجات الضمير، فضلاً عن الظاهر البيِّن: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16] وتلفت الأنظار إلى رقابة الله جل وعلا على خلقه وأنه مطلعٌ على أعمالهم، وقد أوكل بكل إنسان ملكين، يتلقيان أعماله فكل لفظة وكلمة مدونة عليه يقول تعالى: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18].
مشاهد من الموت والعرض والحساب

ثم تأتي المشاهد المرعبة بأسلوبٍ رهيبٍ مخيف، يرج الأفئدة رجاً مبتدأً بمشهد الموت وسكراته، ثم مشهد الحساب وعرض الصحف، ثم مشهد جهنم -أعاذنا الله منها- فاغرة فاها تتلمظ كلما ألقي فيها وقودها من الناس، تقول هل من مزيد؟ وفي جانب ذلك مشهد الجنة ونعيمها -جعلنا الله وإياكم من أهلها- .
يقول تعالى: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] إنها سكرة فراق المال والمناصب: ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] ذلك ما كنت منه تحيد وتهرب، ولكن لا مفر من الموت ولا مهرب، ومن سكرة الموت إلى وهلة الحشر وهول الحساب: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [ق:20-21] معها سائقٌ وشهيد، وفي هذا الموقف العصيب يقال له: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22].
ويكشف السياق عن جانبٍ أشد وأعظم: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق:30] الله أكبر! يؤتى بكل كفار عنيد مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ [ق:25] فيقذفون مع كثرتهم في جهنم تباعاً وتتكدس ركاماً، ثم تنادى: يا جهنم! هل امتلأتي واكتفيتي؟ ولكنها تجيب جواباً يروع القلوب ويهز النفوس: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق:30] فيا له من هولٍ شديد ورعبٍ أكيد يبعث على القلوب الحية على الأخذ بأسباب الوقاية منها! ويقابل هذا المشهد المرعب، مشهد الجنة وهي تقرب من المتقين: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ [ق:31] إلى قوله سبحانه وتعالى: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:35]. ثم تختم السورة بتأكيد القضايا السابقة، ولكن بأسلوب جديد ليكون أكثر وقعاً وأشد تركيزاً، فيه لمسات التاريخ ومصارع الهالكين، وفيه الإشارة لبعض الحقائق الكونية، وفيه التذكير بعقيدة البعث والنشور، كل ذلك ذكرى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37].


تدبر القرآن والاتعاظ به

وبعد يا أمة القرآن هذه وقفات سريعة ونظرات خاطفة في سورة من أعظم سور القرآن.
فأين القلوب التي تعي كلام الله، وتتدبر آياته؟!
أين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً؟!
العجب كل العجب! أن تكون مضغٌ مكونة من لحمٍ ودم أقسى من الجبال الرواسي والحجارة القاسية! ألم يقل الله سبحانه: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر:21] فما بال القلوب -يا عباد الله- لا تلين ولا تخشع عند سماع آيات كتاب الله؟! إنها دعوة إلى المسلمين جميعاً، ولا سيما حملة كتاب الله، أن يتدبروا كتاب الله، وأن يستلهموا ما فيه من العبر والعظات، وأن يقفوا عند عجائبه ويحركوا به القلوب.
يجب أن تربى الأجيال وتنشأ الأسر على هذا المنهاج السليم، تأسياً بسلف هذه الأمة رضي الله عنهم بإخلاصٍ واحتساب دون تصنعٍ وتكلفٍ واحتراف، وليتق الله من هضم حق كتاب الله، فساواه بغيره، ولاكه بلسانه، هذراً وهرذمة، دون تدبرٍ وتفكر.
يا إخوة الإسلام: أعيدوا لكتاب الله حقه، لقد كان بعض السلف يقوم الليل كله بآية واحدة من كتاب الله يكررها ويبكي من خشية الله حتى الصباح، فأين نحن من هذا المنهج السديد؟!
أما الشاردون عن القرآن، الغافلون عنه فليتقوا الله وليعودوا إليه، ليرتووا من معينه، وينهلوا من نميره، فهو علاج أمراض القلوب، وجلاء صدئها بإذن الله، ولا بد من التذكير مع بداية العام الدراسي لما لهذا الكتاب من مكانة، وما يجب على الطلاب والمدرسين وأولياء الأمور من مسئولية تجاه كتاب الله تلاوة، وتدبراً، وتطبيقاً، وتربية؛ ليعمل الجميع قدر جهدهم على أن يكون لكتاب الله النصيب الأكبر والحظ الأوفر من الأوقات، وفي ذلك الخير العظيم في الدنيا والآخرة.
اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك، اللهم ذكرنا منه ما نسينا، وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا.
اللهم بارك لنا في القرآن العظيم، وانفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.......


فوائد القرآن

الحمد لله الخالق المقدر، الرازق المدبر، مالك النفع والضر عالم الغيب والشهادة، وهو الحكيم الخبير، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم عليه وعلى آله وصحبه.
أما بعــد:
فاتقوا الله -عباد الله- واعلموا أن أعظم ما استفيد من كتاب الله: صفاء العقيدة، وسلامة التوحيد، وتحقيق التوكل على الله وحده، والبعد عن كل ما يعكر ذلك من الأوهام والخزعبلات، فقد اعتنى كتاب الله بتقرير هذه القضية معلقاً آمال العباد برب العباد وحده، فلا تملك الشهور والأيام، والنجوم والطيور، والأشكال والألوان ضراً ولا نفعاً، فذلك بيد الله وحده.
وقد طهر الإسلام النفوس من عقائد الجاهلية، كالتطير والتشاؤم ببعض المخلوقات، وعليه فيجب على من آثر سعادة الدارين، وصلاح أمره في الحياتين، أن يعلم أن ما يفعله بعض الجهلة من التشاؤم من شهر صفر أمرٌ منافٍ لعقيدة الإسلام، وإنه والله لمن الغريب حقاً أن تعبث الأوهام بأمة التوحيد، وتبعدها عن نقاء العقيدة، فماذا يملك الغراب والبوم؟! وما ذنب الأربعاء وصفر؟!
وقد أبطل الإسلام عقائد الجاهلية، يقول صلى الله عليه وسلم: {لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر } أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه.
فاتقوا الله -عباد الله- وأفيقوا من سباتكم وفوضوا أموركم كلها إلى مولاكم جل وعلا، وحققوا إيمانكم بصدق التوكل على الله، وقوة اليقين به، واحذروا ممن استهواهم الشيطان، فضلوا عن الهدى، وسعوا في إضلال عباد الله، من كل زائغ عن منهج الكتاب والسنة، وكل وكرٍ من أوكار الشيطان أعاذنا الله منه.
ألا وإن من أعظم ما يقربكم لمولاكم ويزكيكم عنده: كثرة صلاتكم وسلامكم على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].
اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفقهم لهداك، واجعل عملهم في رضاك، وهيئ لهم البطانة الصالحة، اللهم احفظ على المسلمين عقيدتهم، اللهم احفظ عليهم إيمانهم وأمنهم يا رب العالمين! اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.......


الشبكه الاسلاميه






رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags - تاق )
خطب،مجمعه،سورة،ق


أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

Loading...


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd diamond
Ads Management Version 3.0.0 by Saeed Al-Atwi
  تصميم الستايل علاء الفاتك   http://www.moonsat.net/vb