عبدالله الخضيري
04-20-2010, 07:58 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة إلى الجراحين
هذه الحلقة الرابعة من كتاب{تصنيف الناس بين الظن واليقين}للعلامة بكر بن عبدالله أبوزيد.
قال رحمه الله:
هذه هي حقيقة هذه الظاهرة ، وآثارها ، ومستندها ، ودوافعها ، ومتولي كبرها ، وأسباب فشوها ، وتفنيدها .
حينئذ يأتي سؤال يفرض نفسه :
ما العمل لمواجهتها ، وكف بأسها عن المسلمين؟؟؟
فأقول :
العمل في أصول إلى ثلاث فئات :
إلى (( الجراح )) المتلبس بظاهرة التصنيف .
إلى الذي وجه إليه التصنيف .
أصول لهما، ولكل مسلم يريد الله والدار الآخرة.
فإلى بيانها :
إِلَى مُحْتَرِفِ التَّصْنِيفِ
قَدِّر لِرِجْلِكَ قَبْلَ الخَطْوِ مَوْضِعَهَا
فَمَنْ عَلاَ زَلَقاً عَنْ غِرَّةٍ زَلَجَا
كانت العرب في جاهليتها تعاقب الشاعر الهجاء بشد لسانه بنسعة - سير من جلد مفتول - أو يشترون منه لسانه بأن يفعلوا به خيراً ، فينطلق لسانه بشكرهم ، فكأنما ربط لسانه بنسعة .
قال عبد يغوث بن الحارث لما أسرته " تيمٌ " : يوم الكلاب الثاني :
أقول وقد شدوا لساني بنسعة
أمعشر تيم أطلقوا لسانيا
وقد أقرت الشريعة هذه العقوبة بالمعنى الثاني ، منذ أن أمر بها النبي - - صلى الله عليه وسلم -- في غزاة حنين ، يوم توزيع الغنائم فقال - - صلى الله عليه وسلم -- " اقطعوا عني لسانه".
وهذه سنة الله ماضية في مواجهة من يمس الأخوة الإسلامية بسوء من القول .
ولهذا أنفذها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله
عنه-في الحطيئة: جرول بن أوس العبسي المتوفي سنة 45 هـ. لما أكثر من هجاء الزبرقان بن بدر التميمي - رضي الله عنه - فشكاه إلى عمر - رضي الله عنه - فسجنه عمر بالمدينة ، فاستعطفه بأبياته المشهورة ، فأخرجه ، ونهاه عن هجاء الناس ، فقال : إذاً تموت عيالي جوعاً ........ فاشترى عمر - رضي الله عنه - منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم .
فأوقع عمر - رضي الله عنه - بالحطيئة عقوبتين :
حبس الأبدان ، وحبس اللسان
ثم ترى هذه في تاريخ المسلمين الطويل ، يبذلون العطاء ، لقطع ألسنة اللسن ، وكف بذاءتهم عن اعراض المسلمين .
وإذا كانت هذه عوامل دفع للأذى ، وتطهير للساحة الإسلامية من البذاء ، فقد حفلت الشريعة بنصوص الوعيد لمن ظلم ، واعتدى ، تنذر بعمومها محترفي التصنيف ظلماً وعدواناً ، وظناً وبهتاناً ، وتحريشاً وإيذاءً .
فالظالم : قد ظلم نفسه ، وخسرها ، متبع لهواه ، قد بدل الحق إلى الباطل ، يحول القول إلى غيره ، مفتر ، كذاب ، حجته أبداً : الهوى ، متعد لحدود الله ، ولهذا استحق هذا الوصف البشع : " الظالم " كما قال الله تعالى : (( ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون )) [ البقرة : 229 ] .
* ومحاصرة للظلم وأهله ، فقد جاءت النصوص ناهية عن معاشرة الظالم ، والركون إليه ، وتوليه ، والقعود معه ، (( فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ))
[ الأنعام : 68 ] . والنهي عن السكن في مسكنه ، ويخاطب بغير التي هي أحسن ، وأن السبيل عليه : (( إنما السبيل على الذين يظلمون الناس )) [ الروم : 42 ] .
والظالم : لايفلح . وليس له من أنصار . والله لايحب الظالمين ولا يهديهم . وليس للظالم من ولي ولا نصير . ودائماً في ضلال مبين . وفي زيادة خسار وتباب . وعليه اللعنة . وللظالم سوء العاقبة ، وقطع دابره . والظالم وإن قوي فإن القوة لله جميعاً . ولاعدوان إلا على الظالمين .
وقد تنوعت عقوبات الظلمة والظالمين في هذه الدنيا :
بزجر من السماء . والأخذ بالصاعقة ، وبالطوفان . وتدمير بيوتهم ، وخوائها . وأخذ الظالم بعذاب بئيس ، وأن عقوبة جرمه تعم . وحاله شديدة في غمرات الموت. وللظالم من الوعيد يوم القيامة : الوعيد بالنار ، وبويل ، وبعذاب كبير ، وسيعض على يديه . وسيجد ماعمل حاضراً ولايظلم ربك أحداً .
* وتجريح الناس وتصنيفهم بغير حق ، شعبة من شعب الظلم ، فهو من كبائر الذنوب والمعاصي ، فاحذر سلوك جادةٍ يمسك منها عذاب .
وقد ثبت من حديث ابي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - - صلى الله عليه وسلم -- أنه قال :
(( لتؤدن الحقوق يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء )) .رواه أحمد ، ومسلم .
وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال :
(( سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - أي العمل أفضل ؟ قال إيمان بالله وجهاد في سبيله ، قلت : فأي الرقاب أفضل ؟ قال : أعلاها ثمناً ، وأنفسها عند أهلها ، قلت : فإن لم أفعل ؟ قال : تعين ضائعاً ، أو تصنع لأخرق )) .
قال : فإن لم أفعل ؟ قال :
تدع الناس من الشر ، فإنها صدقة تصدق بها على نفسك))
متفق عليه .
وثبت عن النبي - - صلى الله عليه وسلم -- أنه قال :
(( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده )) .
وثبت أيضاً أن النبي - - صلى الله عليه وسلم -- قال :
(( لاتحاسدوا ولاتناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا،ولا يبيع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخواناً المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله التقوى ههنا- ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه )) .
وثبت أيضاً من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - - صلى الله عليه وسلم -- قال :
(( أتدرون ما المفلس ؟ )) قالوا : المفلس فينا من لادرهم له ولا متاع . فقال : (( إن المفلس من أمتي ، من يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ ، ويأتي وقد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا. فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته . فإن فنيت حسناته ، قبل أن يقضى ماعليه ، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه . ثم طرح في النار )) رواه مسلم
وساق الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى- في "الإصابة "عن أم الغادية -رضي الله عنها- قالت:خرجت مع رهط من قومي إلى النبي - - صلى الله عليه وسلم -- فلما أردت الانصراف ، قلت : يا رسول الله أوصني ، قال :
(( إياك ومايسوء الأذن ))
وساق أيضاً من محاسن شعر أبي الأسود الدؤلي :
لاترسلن مقالة مشهورة
لاتستطيع إذا مضت إدراكها
لاتبدين نميمة نبئتها
وتحفظن من الذي أنباكها
والنصوص الواردة وفيها بيان أنواع العقوبات على هذا في الدارين ، أكثر من أن تحصر ، وربما يبتلى " الجراح " بمن يشينه بأسوأ مما رمي به غيره ، مع ما يلحقه من سوء الذكر حياً وميتاً ، فنعوذ بالله من سوء المنقلب .
فيا محترف الوقيعة في أعراض العلماء ، اعلم أنك بهذه المشاقة قد خرقت حرمة الاعتقاد الواجب في موالاة علماء الإسلام .
قال الطحاوي - رحمه الله تعالى - في بيان معتقد أهل السنة في ذلك :
(( وعلماء السلف من السابقين ، ومن بعدهم من التابعين - أهل الخير والأثر ، أهل الفقه والنظر - لايذكرون إلا بالجميل ، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير سبيل ))
قال شارحه - رحمه الله تعالى - :
" قال تعالى (( ومن يشاقق الرسول من بعد ماتبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ماتولى ونصله جهنم وساءت مصيراً )) [ النساء : 115 ] .
فيجب على كل مسلم بعد موالاة الله ، ورسوله ، موالاة المؤمنين ، كما نطق به القرآن ، خصوصاً الذين هم ورثة الأنبياء ، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم ، يهتدي بهم في ظلمات البر والبحر ، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ، ودرايتهم ، إذ كل أمة قبل مبعث محمد - - صلى الله عليه وسلم -- علماؤها
شرارها ، إلا المسلمين فإن علماءهم خيارهم ، فإنهم خلفاء الرسول من أمته ، والمحيون لما مات من سنته ، فبهم قام الكتاب ، وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا ، وكلهم متفقون اتفاقا يقينياً على وجوب اتباع الرسول - - صلى الله عليه وسلم -- ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه ، فلابد له في تركه من عذر - ثم ذكرها )) انتهى .
وإني أقول : إن تحرك هؤلاء الذين يجولون في أعراض العلماء اليوم سوف يجرون - غداً - شباب الأمة إلى مرحلتهم الثانية:-( وهي نتيجة حتمية لمنهجهم ، فلهم بالأمس أسلاف في حادثة الحرم " السوداء " عام 1400 هـ ... اختلفت الأساليب والغاية واحدة.) - الوقيعة في أعراض الولاة من أهل السنة ، وقد قيل : " الحركة ولود ، والسكون عاقر " . وهو أسوأ أثر يجره المنشقون وهذا خرق آخر لجانب الاعتقاد الواجب في موالاة ولي أمر المسلمين منهم . " وسوف يحصد الزوبعة من حرك الريح " .
قال الطحاوي - رحمه الله تعالى - :
((ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ندعوا عليهم، ولاننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من
طاعة الله - عز وجل - فريضة مالم يأمروا بمعصية .
وندعو لهم بالصلاح والمعافاة . ونتبع السنة والجماعة ، ونتجنب الشذوذ ، والخلاف ، والفرقة )) انتهى .
فاتق الله أيها الجراح ، واعلم أن احترافك التجريح بالتصنيف مختبر ينفذ منه الناس باليقين إلى وصف منك لدخائل نفسك ، وماتحمله من ميول ، ودوافع ، فتقيم الشاهد عليك من فلتات لسانك ، وإدانة المرء من فيه أقوى ، فأحكم - رحمك الله - الرقابة على اللسان لايوردك موارد الهلكة ، ولا تمش براحلة العمر - الوقت - وأنت تثقلها بهذه الظاهرة الفتاكة " ظاهرة الهدم والتدمير " فتحرق في غمرتها : الجهد ، والنشاط ، وبواكير الحياة ومقتبل العمر ، بل وربما خاتمته ، أعاذنا الله وإياك من سوء الخاتمة .
والزم - عافاك الله - تقوى الله ، ومراقبته ، والإنابة إليه، واستغفاره ، واحذر صنعة المفاليس هذه ، وتدبر هذه الآية :
(( ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً )) [ النساء : 40 ] .
وقوله تعالى : (( فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم )) [ المائدة : 39 ] .
فبادر - ياعبدالله - إلى التوبة ، وأداء الحقوق إلى أهلها ، والتحلل منهم ، فقد ثبت عن نبي الهدى - - صلى الله عليه وسلم -- أنه قال :
(( من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه ، أو ماله ، فليؤدها إليه ، قبل أن يأتي يوم القيامة لايقبل فيه دينار ولادرهم ............ )) الحديث . رواه البخاري .
ولعلي بهذا كما قال صخر :
لعمري لقد نبهت من كان نائماً
وأسمعت من كانت له أذنان
وكل عبد صالح يسمع الخير ، سماع استجابة ، وهذا شأن المؤمن أواهٌ منيب ، ومن لحقه الإدبار فأبى ، فإليه :
(( إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمعٍ من في القبور ))
[ فاطر : 22 ] .
وأنشد ابن الشجري :
إذا نهي السفيه جرى إليه
وخالف والسفيه إلى خلاف
وهذا يعاني : " أزمة في الضمير " و " ذبحة في الصدر " ، إذ تمكن منه الداء ، وللميؤس أحكام بينها الفقهاء ، نعوذ بالله من الشقاء .
وما بقي لمن أبى إلا الحجر على لسانه لصالح الديانة .
أما من كانت وقيعته ظلماً فيمن عظم شأنه في المسلمين بحق ، فينبغي تغليظ عقوبة الواقع ، إضافة إلى الحجر على لسانه ، ولهذا نظائر في الشريعة ، كوقوع الظلم في الأشهر الأربعة الحرم ، والرفث والفسوق والجدال في الحج ، وتغليظ الدية في النفس وفي الجراح في الشهر الحرام ، وفي البلد الحرام ، وفي ذوي الرحم ، كما هو مذهب الشافعي ، فهذه وأمثالها محرمات على كل مسلم في كل زمان ومكان ، لكن لما عظم الجرم بتعدد جهات الانتهاك ، عظم الإثم ، والجزاء .
ولمثل هؤلاء - كما قال عبد الله بن المبارك - رحمه الله تعالى - : ( تقشر العصي)
موضوع الحلقة القادمة(إلى من رُمي بالتصنيف ظُلْماً)
كلمة إلى الجراحين
هذه الحلقة الرابعة من كتاب{تصنيف الناس بين الظن واليقين}للعلامة بكر بن عبدالله أبوزيد.
قال رحمه الله:
هذه هي حقيقة هذه الظاهرة ، وآثارها ، ومستندها ، ودوافعها ، ومتولي كبرها ، وأسباب فشوها ، وتفنيدها .
حينئذ يأتي سؤال يفرض نفسه :
ما العمل لمواجهتها ، وكف بأسها عن المسلمين؟؟؟
فأقول :
العمل في أصول إلى ثلاث فئات :
إلى (( الجراح )) المتلبس بظاهرة التصنيف .
إلى الذي وجه إليه التصنيف .
أصول لهما، ولكل مسلم يريد الله والدار الآخرة.
فإلى بيانها :
إِلَى مُحْتَرِفِ التَّصْنِيفِ
قَدِّر لِرِجْلِكَ قَبْلَ الخَطْوِ مَوْضِعَهَا
فَمَنْ عَلاَ زَلَقاً عَنْ غِرَّةٍ زَلَجَا
كانت العرب في جاهليتها تعاقب الشاعر الهجاء بشد لسانه بنسعة - سير من جلد مفتول - أو يشترون منه لسانه بأن يفعلوا به خيراً ، فينطلق لسانه بشكرهم ، فكأنما ربط لسانه بنسعة .
قال عبد يغوث بن الحارث لما أسرته " تيمٌ " : يوم الكلاب الثاني :
أقول وقد شدوا لساني بنسعة
أمعشر تيم أطلقوا لسانيا
وقد أقرت الشريعة هذه العقوبة بالمعنى الثاني ، منذ أن أمر بها النبي - - صلى الله عليه وسلم -- في غزاة حنين ، يوم توزيع الغنائم فقال - - صلى الله عليه وسلم -- " اقطعوا عني لسانه".
وهذه سنة الله ماضية في مواجهة من يمس الأخوة الإسلامية بسوء من القول .
ولهذا أنفذها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله
عنه-في الحطيئة: جرول بن أوس العبسي المتوفي سنة 45 هـ. لما أكثر من هجاء الزبرقان بن بدر التميمي - رضي الله عنه - فشكاه إلى عمر - رضي الله عنه - فسجنه عمر بالمدينة ، فاستعطفه بأبياته المشهورة ، فأخرجه ، ونهاه عن هجاء الناس ، فقال : إذاً تموت عيالي جوعاً ........ فاشترى عمر - رضي الله عنه - منه أعراض المسلمين بثلاثة آلاف درهم .
فأوقع عمر - رضي الله عنه - بالحطيئة عقوبتين :
حبس الأبدان ، وحبس اللسان
ثم ترى هذه في تاريخ المسلمين الطويل ، يبذلون العطاء ، لقطع ألسنة اللسن ، وكف بذاءتهم عن اعراض المسلمين .
وإذا كانت هذه عوامل دفع للأذى ، وتطهير للساحة الإسلامية من البذاء ، فقد حفلت الشريعة بنصوص الوعيد لمن ظلم ، واعتدى ، تنذر بعمومها محترفي التصنيف ظلماً وعدواناً ، وظناً وبهتاناً ، وتحريشاً وإيذاءً .
فالظالم : قد ظلم نفسه ، وخسرها ، متبع لهواه ، قد بدل الحق إلى الباطل ، يحول القول إلى غيره ، مفتر ، كذاب ، حجته أبداً : الهوى ، متعد لحدود الله ، ولهذا استحق هذا الوصف البشع : " الظالم " كما قال الله تعالى : (( ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون )) [ البقرة : 229 ] .
* ومحاصرة للظلم وأهله ، فقد جاءت النصوص ناهية عن معاشرة الظالم ، والركون إليه ، وتوليه ، والقعود معه ، (( فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ))
[ الأنعام : 68 ] . والنهي عن السكن في مسكنه ، ويخاطب بغير التي هي أحسن ، وأن السبيل عليه : (( إنما السبيل على الذين يظلمون الناس )) [ الروم : 42 ] .
والظالم : لايفلح . وليس له من أنصار . والله لايحب الظالمين ولا يهديهم . وليس للظالم من ولي ولا نصير . ودائماً في ضلال مبين . وفي زيادة خسار وتباب . وعليه اللعنة . وللظالم سوء العاقبة ، وقطع دابره . والظالم وإن قوي فإن القوة لله جميعاً . ولاعدوان إلا على الظالمين .
وقد تنوعت عقوبات الظلمة والظالمين في هذه الدنيا :
بزجر من السماء . والأخذ بالصاعقة ، وبالطوفان . وتدمير بيوتهم ، وخوائها . وأخذ الظالم بعذاب بئيس ، وأن عقوبة جرمه تعم . وحاله شديدة في غمرات الموت. وللظالم من الوعيد يوم القيامة : الوعيد بالنار ، وبويل ، وبعذاب كبير ، وسيعض على يديه . وسيجد ماعمل حاضراً ولايظلم ربك أحداً .
* وتجريح الناس وتصنيفهم بغير حق ، شعبة من شعب الظلم ، فهو من كبائر الذنوب والمعاصي ، فاحذر سلوك جادةٍ يمسك منها عذاب .
وقد ثبت من حديث ابي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - - صلى الله عليه وسلم -- أنه قال :
(( لتؤدن الحقوق يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء )) .رواه أحمد ، ومسلم .
وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال :
(( سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - أي العمل أفضل ؟ قال إيمان بالله وجهاد في سبيله ، قلت : فأي الرقاب أفضل ؟ قال : أعلاها ثمناً ، وأنفسها عند أهلها ، قلت : فإن لم أفعل ؟ قال : تعين ضائعاً ، أو تصنع لأخرق )) .
قال : فإن لم أفعل ؟ قال :
تدع الناس من الشر ، فإنها صدقة تصدق بها على نفسك))
متفق عليه .
وثبت عن النبي - - صلى الله عليه وسلم -- أنه قال :
(( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده )) .
وثبت أيضاً أن النبي - - صلى الله عليه وسلم -- قال :
(( لاتحاسدوا ولاتناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا،ولا يبيع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخواناً المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله التقوى ههنا- ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه )) .
وثبت أيضاً من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - - صلى الله عليه وسلم -- قال :
(( أتدرون ما المفلس ؟ )) قالوا : المفلس فينا من لادرهم له ولا متاع . فقال : (( إن المفلس من أمتي ، من يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ ، ويأتي وقد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا. فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته . فإن فنيت حسناته ، قبل أن يقضى ماعليه ، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه . ثم طرح في النار )) رواه مسلم
وساق الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى- في "الإصابة "عن أم الغادية -رضي الله عنها- قالت:خرجت مع رهط من قومي إلى النبي - - صلى الله عليه وسلم -- فلما أردت الانصراف ، قلت : يا رسول الله أوصني ، قال :
(( إياك ومايسوء الأذن ))
وساق أيضاً من محاسن شعر أبي الأسود الدؤلي :
لاترسلن مقالة مشهورة
لاتستطيع إذا مضت إدراكها
لاتبدين نميمة نبئتها
وتحفظن من الذي أنباكها
والنصوص الواردة وفيها بيان أنواع العقوبات على هذا في الدارين ، أكثر من أن تحصر ، وربما يبتلى " الجراح " بمن يشينه بأسوأ مما رمي به غيره ، مع ما يلحقه من سوء الذكر حياً وميتاً ، فنعوذ بالله من سوء المنقلب .
فيا محترف الوقيعة في أعراض العلماء ، اعلم أنك بهذه المشاقة قد خرقت حرمة الاعتقاد الواجب في موالاة علماء الإسلام .
قال الطحاوي - رحمه الله تعالى - في بيان معتقد أهل السنة في ذلك :
(( وعلماء السلف من السابقين ، ومن بعدهم من التابعين - أهل الخير والأثر ، أهل الفقه والنظر - لايذكرون إلا بالجميل ، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير سبيل ))
قال شارحه - رحمه الله تعالى - :
" قال تعالى (( ومن يشاقق الرسول من بعد ماتبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ماتولى ونصله جهنم وساءت مصيراً )) [ النساء : 115 ] .
فيجب على كل مسلم بعد موالاة الله ، ورسوله ، موالاة المؤمنين ، كما نطق به القرآن ، خصوصاً الذين هم ورثة الأنبياء ، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم ، يهتدي بهم في ظلمات البر والبحر ، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ، ودرايتهم ، إذ كل أمة قبل مبعث محمد - - صلى الله عليه وسلم -- علماؤها
شرارها ، إلا المسلمين فإن علماءهم خيارهم ، فإنهم خلفاء الرسول من أمته ، والمحيون لما مات من سنته ، فبهم قام الكتاب ، وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا ، وكلهم متفقون اتفاقا يقينياً على وجوب اتباع الرسول - - صلى الله عليه وسلم -- ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه ، فلابد له في تركه من عذر - ثم ذكرها )) انتهى .
وإني أقول : إن تحرك هؤلاء الذين يجولون في أعراض العلماء اليوم سوف يجرون - غداً - شباب الأمة إلى مرحلتهم الثانية:-( وهي نتيجة حتمية لمنهجهم ، فلهم بالأمس أسلاف في حادثة الحرم " السوداء " عام 1400 هـ ... اختلفت الأساليب والغاية واحدة.) - الوقيعة في أعراض الولاة من أهل السنة ، وقد قيل : " الحركة ولود ، والسكون عاقر " . وهو أسوأ أثر يجره المنشقون وهذا خرق آخر لجانب الاعتقاد الواجب في موالاة ولي أمر المسلمين منهم . " وسوف يحصد الزوبعة من حرك الريح " .
قال الطحاوي - رحمه الله تعالى - :
((ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ندعوا عليهم، ولاننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من
طاعة الله - عز وجل - فريضة مالم يأمروا بمعصية .
وندعو لهم بالصلاح والمعافاة . ونتبع السنة والجماعة ، ونتجنب الشذوذ ، والخلاف ، والفرقة )) انتهى .
فاتق الله أيها الجراح ، واعلم أن احترافك التجريح بالتصنيف مختبر ينفذ منه الناس باليقين إلى وصف منك لدخائل نفسك ، وماتحمله من ميول ، ودوافع ، فتقيم الشاهد عليك من فلتات لسانك ، وإدانة المرء من فيه أقوى ، فأحكم - رحمك الله - الرقابة على اللسان لايوردك موارد الهلكة ، ولا تمش براحلة العمر - الوقت - وأنت تثقلها بهذه الظاهرة الفتاكة " ظاهرة الهدم والتدمير " فتحرق في غمرتها : الجهد ، والنشاط ، وبواكير الحياة ومقتبل العمر ، بل وربما خاتمته ، أعاذنا الله وإياك من سوء الخاتمة .
والزم - عافاك الله - تقوى الله ، ومراقبته ، والإنابة إليه، واستغفاره ، واحذر صنعة المفاليس هذه ، وتدبر هذه الآية :
(( ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً )) [ النساء : 40 ] .
وقوله تعالى : (( فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم )) [ المائدة : 39 ] .
فبادر - ياعبدالله - إلى التوبة ، وأداء الحقوق إلى أهلها ، والتحلل منهم ، فقد ثبت عن نبي الهدى - - صلى الله عليه وسلم -- أنه قال :
(( من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه ، أو ماله ، فليؤدها إليه ، قبل أن يأتي يوم القيامة لايقبل فيه دينار ولادرهم ............ )) الحديث . رواه البخاري .
ولعلي بهذا كما قال صخر :
لعمري لقد نبهت من كان نائماً
وأسمعت من كانت له أذنان
وكل عبد صالح يسمع الخير ، سماع استجابة ، وهذا شأن المؤمن أواهٌ منيب ، ومن لحقه الإدبار فأبى ، فإليه :
(( إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمعٍ من في القبور ))
[ فاطر : 22 ] .
وأنشد ابن الشجري :
إذا نهي السفيه جرى إليه
وخالف والسفيه إلى خلاف
وهذا يعاني : " أزمة في الضمير " و " ذبحة في الصدر " ، إذ تمكن منه الداء ، وللميؤس أحكام بينها الفقهاء ، نعوذ بالله من الشقاء .
وما بقي لمن أبى إلا الحجر على لسانه لصالح الديانة .
أما من كانت وقيعته ظلماً فيمن عظم شأنه في المسلمين بحق ، فينبغي تغليظ عقوبة الواقع ، إضافة إلى الحجر على لسانه ، ولهذا نظائر في الشريعة ، كوقوع الظلم في الأشهر الأربعة الحرم ، والرفث والفسوق والجدال في الحج ، وتغليظ الدية في النفس وفي الجراح في الشهر الحرام ، وفي البلد الحرام ، وفي ذوي الرحم ، كما هو مذهب الشافعي ، فهذه وأمثالها محرمات على كل مسلم في كل زمان ومكان ، لكن لما عظم الجرم بتعدد جهات الانتهاك ، عظم الإثم ، والجزاء .
ولمثل هؤلاء - كما قال عبد الله بن المبارك - رحمه الله تعالى - : ( تقشر العصي)
موضوع الحلقة القادمة(إلى من رُمي بالتصنيف ظُلْماً)