أبو خالد
05-25-2009, 04:33 PM
سيرة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله وادخله فسيح جناته
الفصل الأول اسمه ونسبه :
أ :- اسمه ونسبه
هو الإمام الصالح الورع الزاهد أحد الثلة المتقدمين بالعلم الشرعي ، ومرجع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، في الفتوى والعلم ، وبقية السلف الصالح في لزوم الحق والهدي المستقيم ، واتباع السنة الغراء : عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله آل باز ، وآل باز - أسرة عريقة في العلم والتجارة والزراعة معروفة بالفضل والأخلاق قال الشيخ / سليمان بن حمدان - رحمه الله - في كتابه حول تراجم الحنابلة : أن أصلهم من المدينة النبوية ، وأن أحد أجدادهم انتقل منها إلى الدرعية ، ثم انتقلوا منها إلى حوطة بني تميم .
ب : - مولده
ولد في الرياض عاصمة نجد يوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة عام ألف وثلاثمائة وثلاثين من الهجرة النبوية ، وترعرع فيها وشب وكبر ، ولم يخرج منها إلا ناويا للحج والعمرة .
ج : - نشأته
نشأ سماحة الشيخ عبد العزيز في بيئة عطرة بأنفاس العلم والهدى والصلاح ، بعيدة كل البعد عن مظاهر الدنيا ومفاتنها ، وحضاراتها المزيفة ، إذ الرياض كانت في ذلك الوقت بلدة علم وهدى فيها كبار العلماء ، وأئمة الدين ، من أئمة هذه الدعوة المباركة التي قامت على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأعني بها دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وفي بيئة غلب عليها الأمن والاستقرار وراحة البال ، بعد أن استعاد الملك عبد العزيز - رحمه الله - الرياض ووطد فيها الحكم العادل المبني على الشرعة الإسلامية السمحة بعد أن كانت الرياض تعيش في فوضى لا نهاية لها ، واضطراب بين حكامها ومحكوميها .
ففي هذه البيئة العلمية نشأ سماحته - حفظه الله - ولا شك ولا ريب أن القرآن العظيم كان ولا يزال - ولله الحمد والمنة - هو النور الذي يضيء حياته ، وهو عنوان الفوز والفلاح فبالقرآن الكريم بدأ الشيخ دراسته - كما هي عادة علماء السلف - رحمهم الله - إذ يجعلون القرآن الكريم أول المصادر العلمية - فيحفظونه ويتدبرونه أشد التدبر ، ويعون أحكامه وتفاسيره ، ومن ثمَّ ينطلقون إلى العلوم الشرعية الأخرى ، فحفظ الشيخ القرآن الكريم عن ظهر قلب قبل أن يبدأ مرحلة البلوغ ، فوعاه وحفظه تمام الحفظ ، وأتقن سوره وآياته أشد الإتقان ، ثم بعد حفظه لكتاب الله ، ابتدأ سماحته في طلب العلم على يد العلماء بجد وجلد وطول نفس وصبر .
وإن الجدير بالذكر والتنويه في أمر نشأته ، أن لوالدته - رحمها الله - أثرا بالغا ، ودورا بارزا في اتجاهه للعلم الشرعي وطلبه والمثابرة عليه ، فكانت تحثه وتشد من أزره ، وتحضه على الاستمرار في طلب العلم والسعي وراءه بكل جد واجتهاد كما ذكر ذلك سماحته في محاضرته النافعة - رحلتي مع الكتاب - وهي رحلة ممتعة ذكر فيها الشيخ في نهاية المحاضرة ، وبالخصوص في باب الأسئلة بعض الجوانب المضيئة من حياته - فاستمع إلى تلك المحاضرة غير مأمور - .
ولقد كان سماحة الشيخ / عبد العزيز - حفظه الله - مبصرا في أول حياته ، وشاء الله لحكمة بالغة أرادها أن يضعف بصره في عام 1346 هـ إثر مرض أصيب به في عينيه ثم ذهب جميع بصره في عام 1350 هـ ، وعمره قريب من العشرين عاما؛ ولكن ذلك لم يثنه عن طلب العلم ، أو يقلل من همته وعزيمته بل استمر في طلب العلم جادا مجدا في ذلك ، ملازما لصفوة فاضلة من العلماء الربانيين ، والفقهاء الصالحين ، فاستفاد منهم أشد الاستفادة ، وأثّروا عليه في بداية حياته العلمية ، بالرأي السديد ، والعلم النافع ، والحرص على معالي الأمور ، والنشأة الفاضلة ، والأخلاق الكريمة ، والتربية الحميدة ، مما كان له أعظم الأثر ، وأكبر النفع في استمراره .
على تلك النشأة الصالحة ، التي تغمرها العاطفة الدينية الجياشة ، وتوثق عراها حسن المعتقد ، وسلامة الفطرة ، وحسن الخلق ، والبعد عن سيئ العقائد والأخلاق المرذولة ومما ينبغي أن يعلم أن سماحة الشيخ عبد العزيز - حفظه الله- قد استفاد من فقده لبصره فوائد عدة نذكر على سبيل المثال منها لا الحصر أربعة أمور : -
الأمر الأول : حسن الثواب ، وعظيم الأجر من الله سبحانه وتعالى ، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه في حديث قدسي أن الله تعالى يقول : إذا ابتليت عبدي بفقد حبيبتيه عوضتهما الجنة البخاري ( 5653 ) .
الأمر الثاني : قوة الذاكرة ، والذكاء المفرط : فالشيخ - رعاه الله - حافظ العصر في علم الحديث فإذا سألته عن حديث من الكتب الستة ، أو غيرها كمسند الإمام أحمد والكتب الأخرى تجده في غالب أمره مستحضرا للحديث سندا ومتنا ، ومن تكلم فيه ، ورجاله وشرحه .
الأمر الثالث : إغفال مباهج الحياة ، وفتنة الدنيا وزينتها ، فالشيخ - أعانه الله - متزهد فيها أشد الزهد ، وتورع عنها ، ووجه قلبه إلى الدار الآخرة ، وإلى التواضع والتذلل لله سبحانه وتعالى .
الأمر الرابع : استفاد من مركب النقص بالعينين ، إذ ألح على نفسه وحطمها بالجد والمثابرة حتى أصبح من العلماء الكبار ، المشار إليهم بسعة العلم ، وإدراك الفهم ، وقوة الاستدلال وقد أبدله الله عن نور عينيه نورا في القلب ، وحبا للعلم ، وسلوكا للسنة ، وسيرا على المحجة ، وذكاء في الفؤاد .
د : - مكانة أسرته العلمية
وأما مكانة أسرة آل باز العلمية فهي أسرة معروفة بالعلم والفضل ، والزهد والورع ويغلب على بعض أفرادها العناية بالتجارة ، وعلى بعضها العناية بالزراعة ، وعلى كثير من فضلائها - كما أسلفنا القول - العلم والفضل والزهد والورع ، ولعل من أبرز علماء هذه الأسرة الشيخ عبد المحسن بن أحمد بن عبد الله بن باز - رحمه الله - المتوفى سنة 1342 هـ ، وهاك قطوفا يسيرة من ترجمته :
فقد ولد في بلدة الحلوة ، ولما بلغ سن الشباب شرع في طلب العلم فقرأ في تلك البلدة على قاضيها الشيخ ناصر بن عيد - رحمه الله - وكانت له دراية تامة في الفقه ، واطلاع واسع على العلوم الشرعية ، ومحبة لطلبة العلم والاعتناء بهم ، مع حسن الأخلاق ، وكريم الشمائل ، وطيب التعليم والتدريس ، وقرأ أيضا على عالم نجد في زمانه فضيلة الشيخ / حمد بن عتيق - رحمه الله - وهو أحد كبار العلماء المعروفين بالعلم والفضل والنشاط في الدعوة إلى الله ، وحسن التأليف والتصنيف في نصرة الدعوة السلفية دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وهو أحد أئمة الدعوة المعروفين بقوة الاعتقاد وسلامته ، فأخذ عنه الشيخ عبد المحسن الاعتقاد والفقه ، وقرأ عليه في الحديث وعلومه ورجاله ، كما قرأ على غيرهما من علماء عصره ، وفقهاء زمانه ، فبرع - رحمه الله - في العلوم الشرعية لا سيما في علم الحديث ورجاله ، وفي الفقه فإنه أصبح ذا اطلاع واسع فيه .
مما حدا بالملك عبد العزيز - رحمه الله - أن يوليه قضاء الحلوة ، بعد أن عرف فيه العلم والفضل ، وحسن الأخلاق ، والقدرة المؤهلة على القضاء بالحكمة والحزم والموعظة الحسنة ، وذلك في عام 1340 هـ ، إلا أنه لم يستمر في قضائه سوى سنتين ، بعد أن كف بصره ، وأصابه ارتعاش في بدنه وجسمه .
وفي عام 1342 هـ توفي - رحمه الله - في بلدته الحلوة وهي مقر عمله القضائي .
ومن العلماء البارزين من تلك الأسرة ، الشيخ مبارك بن عبد المحسن بن باز المكنى " بأبي حسين " فقد ولد الشيخ مبارك في بلدة الحلوة التابعة لحوطة بني تميم في عام 1303 هـ ونشأ فيها ، وقرأ على طلبة العلم فيها بعض العلوم الشرعية كالتوحيد والتفسير والفقه والحديث ، ثم ارتحل بعد ذلك إلى الرياض لمواصلة طلب العلم ، فقرأ على علماء الرياض آنذاك أمثال الشيخ / عبد الله بن عبد اللطيف - رحمه الله - قرأ عليه في التوحيد وكتب العقائد ، وكما قرأ على الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن - رحمه الله - الحديث وعلومه وقرأ على الشيخ حسن بن حسين - رحمه الله - الفقه ، وعلى الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف قرأ التوحيد والفقه ، كما قرأ على الشيخ / محمد بن محمود الحسني - رحمه الله - الفقه ، وعلى الشيخ / عبد الله بن جلعود - رحمه الله - قرأ الفرائض وأتقنها ، وقرأ على الشيخ الفلكي حمد بن فارس - رحمه الله - النحو والفلك . وقد جد واجتهد ، وثابر على التلقي عن هؤلاء العلماء حتى صار من كبار حملة العلم المعروفين بالعلم والفضل وحسن السيرة ، وكان والده الشيخ / عبد المحسن - رحمه الله - هو قاضي بلدة الحلوة فقرأ عليه في بعض العلوم الشرعية في أول طلبه للعلم ، ثم لما توفي والده ، تولى القضاء بعده ، ثم نقل بعد ذلك إلى قضاء عدة بلدان منها بيشة والأرطاوية ورنية .
ولما تولى الملك عبد العزيز - رحمه الله - على الحجاز عينه قاضيا في الطائف ، والشيخ مبارك - رحمه الله - يعتبر أحد العلماء الذين بعثهم الملك عبد العزيز - رحمه الله - إلى مكة لكي يناظروا علمائها ويناقشوهم في مسائل تتعلق بالتوحيد والعقيدة الصحيحة ، وقد أبلى الشيخ مبارك - رحمهم الله - في ذلك بلاء حسنا وكانت له اليد الطولى في تبيين بعض المسائل وإيضاحها ، وظهر الحق إلى جانب علماء الدعوة - رحمهم الله - .
والجدير بالذكر هاهنا أن أخر عمل للشيخ مبارك - رحمه الله - هو قضاء مقاطعة الشعيب ، وبالخصوص في عاصمة تلك المقاطعة ، وهي حريملاء ، وكان ذلك في عام 1356 هـ ، ولم يستمر فيها طويلا بل إنه طلب الإعفاء من القضاء فأعفي ، وتفرغ للطاعة والعبادة والتدريس في بلدة الحلوة حتى وافاه أجله فيها - رحمه الله - .
قلت : - وقصارى القول أن الطابع الغالب على هذه الأسرة ، هو طابع الجد في ممارسة الخير ، سعيا في نشدان الكسب الحلال ، والمذاكرة الحيّة في مسائل الدين ، مع الالتزام بالفضائل والأخلاق الحميدة - رحم الله أموالهم وبارك في أحيائهم ، وجعل معهم العلماء الصالحين - آمين .
هـ :ـ أبناء الشيخ
وللشيخ رحمة الله عليه - أبناء أربعة ، وكذلك من البنات أربع ، فيكون مجموعهم ثمانية - أدام عليهم النعم؛ ومنعهم من شرور النقم - .
الإنجاز في ترجمة الإمام عبد العزيز بن باز
ترقبوا الجزء الثاني من سيرته رحمه الله
لا تــــــنـــــــســــــــــــــــونــــــــــا مـــــــن دعـــــاكــــــم الــــصـــــالــــــــــــح
الفصل الأول اسمه ونسبه :
أ :- اسمه ونسبه
هو الإمام الصالح الورع الزاهد أحد الثلة المتقدمين بالعلم الشرعي ، ومرجع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، في الفتوى والعلم ، وبقية السلف الصالح في لزوم الحق والهدي المستقيم ، واتباع السنة الغراء : عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله آل باز ، وآل باز - أسرة عريقة في العلم والتجارة والزراعة معروفة بالفضل والأخلاق قال الشيخ / سليمان بن حمدان - رحمه الله - في كتابه حول تراجم الحنابلة : أن أصلهم من المدينة النبوية ، وأن أحد أجدادهم انتقل منها إلى الدرعية ، ثم انتقلوا منها إلى حوطة بني تميم .
ب : - مولده
ولد في الرياض عاصمة نجد يوم الثاني عشر من شهر ذي الحجة عام ألف وثلاثمائة وثلاثين من الهجرة النبوية ، وترعرع فيها وشب وكبر ، ولم يخرج منها إلا ناويا للحج والعمرة .
ج : - نشأته
نشأ سماحة الشيخ عبد العزيز في بيئة عطرة بأنفاس العلم والهدى والصلاح ، بعيدة كل البعد عن مظاهر الدنيا ومفاتنها ، وحضاراتها المزيفة ، إذ الرياض كانت في ذلك الوقت بلدة علم وهدى فيها كبار العلماء ، وأئمة الدين ، من أئمة هذه الدعوة المباركة التي قامت على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأعني بها دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وفي بيئة غلب عليها الأمن والاستقرار وراحة البال ، بعد أن استعاد الملك عبد العزيز - رحمه الله - الرياض ووطد فيها الحكم العادل المبني على الشرعة الإسلامية السمحة بعد أن كانت الرياض تعيش في فوضى لا نهاية لها ، واضطراب بين حكامها ومحكوميها .
ففي هذه البيئة العلمية نشأ سماحته - حفظه الله - ولا شك ولا ريب أن القرآن العظيم كان ولا يزال - ولله الحمد والمنة - هو النور الذي يضيء حياته ، وهو عنوان الفوز والفلاح فبالقرآن الكريم بدأ الشيخ دراسته - كما هي عادة علماء السلف - رحمهم الله - إذ يجعلون القرآن الكريم أول المصادر العلمية - فيحفظونه ويتدبرونه أشد التدبر ، ويعون أحكامه وتفاسيره ، ومن ثمَّ ينطلقون إلى العلوم الشرعية الأخرى ، فحفظ الشيخ القرآن الكريم عن ظهر قلب قبل أن يبدأ مرحلة البلوغ ، فوعاه وحفظه تمام الحفظ ، وأتقن سوره وآياته أشد الإتقان ، ثم بعد حفظه لكتاب الله ، ابتدأ سماحته في طلب العلم على يد العلماء بجد وجلد وطول نفس وصبر .
وإن الجدير بالذكر والتنويه في أمر نشأته ، أن لوالدته - رحمها الله - أثرا بالغا ، ودورا بارزا في اتجاهه للعلم الشرعي وطلبه والمثابرة عليه ، فكانت تحثه وتشد من أزره ، وتحضه على الاستمرار في طلب العلم والسعي وراءه بكل جد واجتهاد كما ذكر ذلك سماحته في محاضرته النافعة - رحلتي مع الكتاب - وهي رحلة ممتعة ذكر فيها الشيخ في نهاية المحاضرة ، وبالخصوص في باب الأسئلة بعض الجوانب المضيئة من حياته - فاستمع إلى تلك المحاضرة غير مأمور - .
ولقد كان سماحة الشيخ / عبد العزيز - حفظه الله - مبصرا في أول حياته ، وشاء الله لحكمة بالغة أرادها أن يضعف بصره في عام 1346 هـ إثر مرض أصيب به في عينيه ثم ذهب جميع بصره في عام 1350 هـ ، وعمره قريب من العشرين عاما؛ ولكن ذلك لم يثنه عن طلب العلم ، أو يقلل من همته وعزيمته بل استمر في طلب العلم جادا مجدا في ذلك ، ملازما لصفوة فاضلة من العلماء الربانيين ، والفقهاء الصالحين ، فاستفاد منهم أشد الاستفادة ، وأثّروا عليه في بداية حياته العلمية ، بالرأي السديد ، والعلم النافع ، والحرص على معالي الأمور ، والنشأة الفاضلة ، والأخلاق الكريمة ، والتربية الحميدة ، مما كان له أعظم الأثر ، وأكبر النفع في استمراره .
على تلك النشأة الصالحة ، التي تغمرها العاطفة الدينية الجياشة ، وتوثق عراها حسن المعتقد ، وسلامة الفطرة ، وحسن الخلق ، والبعد عن سيئ العقائد والأخلاق المرذولة ومما ينبغي أن يعلم أن سماحة الشيخ عبد العزيز - حفظه الله- قد استفاد من فقده لبصره فوائد عدة نذكر على سبيل المثال منها لا الحصر أربعة أمور : -
الأمر الأول : حسن الثواب ، وعظيم الأجر من الله سبحانه وتعالى ، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه في حديث قدسي أن الله تعالى يقول : إذا ابتليت عبدي بفقد حبيبتيه عوضتهما الجنة البخاري ( 5653 ) .
الأمر الثاني : قوة الذاكرة ، والذكاء المفرط : فالشيخ - رعاه الله - حافظ العصر في علم الحديث فإذا سألته عن حديث من الكتب الستة ، أو غيرها كمسند الإمام أحمد والكتب الأخرى تجده في غالب أمره مستحضرا للحديث سندا ومتنا ، ومن تكلم فيه ، ورجاله وشرحه .
الأمر الثالث : إغفال مباهج الحياة ، وفتنة الدنيا وزينتها ، فالشيخ - أعانه الله - متزهد فيها أشد الزهد ، وتورع عنها ، ووجه قلبه إلى الدار الآخرة ، وإلى التواضع والتذلل لله سبحانه وتعالى .
الأمر الرابع : استفاد من مركب النقص بالعينين ، إذ ألح على نفسه وحطمها بالجد والمثابرة حتى أصبح من العلماء الكبار ، المشار إليهم بسعة العلم ، وإدراك الفهم ، وقوة الاستدلال وقد أبدله الله عن نور عينيه نورا في القلب ، وحبا للعلم ، وسلوكا للسنة ، وسيرا على المحجة ، وذكاء في الفؤاد .
د : - مكانة أسرته العلمية
وأما مكانة أسرة آل باز العلمية فهي أسرة معروفة بالعلم والفضل ، والزهد والورع ويغلب على بعض أفرادها العناية بالتجارة ، وعلى بعضها العناية بالزراعة ، وعلى كثير من فضلائها - كما أسلفنا القول - العلم والفضل والزهد والورع ، ولعل من أبرز علماء هذه الأسرة الشيخ عبد المحسن بن أحمد بن عبد الله بن باز - رحمه الله - المتوفى سنة 1342 هـ ، وهاك قطوفا يسيرة من ترجمته :
فقد ولد في بلدة الحلوة ، ولما بلغ سن الشباب شرع في طلب العلم فقرأ في تلك البلدة على قاضيها الشيخ ناصر بن عيد - رحمه الله - وكانت له دراية تامة في الفقه ، واطلاع واسع على العلوم الشرعية ، ومحبة لطلبة العلم والاعتناء بهم ، مع حسن الأخلاق ، وكريم الشمائل ، وطيب التعليم والتدريس ، وقرأ أيضا على عالم نجد في زمانه فضيلة الشيخ / حمد بن عتيق - رحمه الله - وهو أحد كبار العلماء المعروفين بالعلم والفضل والنشاط في الدعوة إلى الله ، وحسن التأليف والتصنيف في نصرة الدعوة السلفية دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - وهو أحد أئمة الدعوة المعروفين بقوة الاعتقاد وسلامته ، فأخذ عنه الشيخ عبد المحسن الاعتقاد والفقه ، وقرأ عليه في الحديث وعلومه ورجاله ، كما قرأ على غيرهما من علماء عصره ، وفقهاء زمانه ، فبرع - رحمه الله - في العلوم الشرعية لا سيما في علم الحديث ورجاله ، وفي الفقه فإنه أصبح ذا اطلاع واسع فيه .
مما حدا بالملك عبد العزيز - رحمه الله - أن يوليه قضاء الحلوة ، بعد أن عرف فيه العلم والفضل ، وحسن الأخلاق ، والقدرة المؤهلة على القضاء بالحكمة والحزم والموعظة الحسنة ، وذلك في عام 1340 هـ ، إلا أنه لم يستمر في قضائه سوى سنتين ، بعد أن كف بصره ، وأصابه ارتعاش في بدنه وجسمه .
وفي عام 1342 هـ توفي - رحمه الله - في بلدته الحلوة وهي مقر عمله القضائي .
ومن العلماء البارزين من تلك الأسرة ، الشيخ مبارك بن عبد المحسن بن باز المكنى " بأبي حسين " فقد ولد الشيخ مبارك في بلدة الحلوة التابعة لحوطة بني تميم في عام 1303 هـ ونشأ فيها ، وقرأ على طلبة العلم فيها بعض العلوم الشرعية كالتوحيد والتفسير والفقه والحديث ، ثم ارتحل بعد ذلك إلى الرياض لمواصلة طلب العلم ، فقرأ على علماء الرياض آنذاك أمثال الشيخ / عبد الله بن عبد اللطيف - رحمه الله - قرأ عليه في التوحيد وكتب العقائد ، وكما قرأ على الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن - رحمه الله - الحديث وعلومه وقرأ على الشيخ حسن بن حسين - رحمه الله - الفقه ، وعلى الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف قرأ التوحيد والفقه ، كما قرأ على الشيخ / محمد بن محمود الحسني - رحمه الله - الفقه ، وعلى الشيخ / عبد الله بن جلعود - رحمه الله - قرأ الفرائض وأتقنها ، وقرأ على الشيخ الفلكي حمد بن فارس - رحمه الله - النحو والفلك . وقد جد واجتهد ، وثابر على التلقي عن هؤلاء العلماء حتى صار من كبار حملة العلم المعروفين بالعلم والفضل وحسن السيرة ، وكان والده الشيخ / عبد المحسن - رحمه الله - هو قاضي بلدة الحلوة فقرأ عليه في بعض العلوم الشرعية في أول طلبه للعلم ، ثم لما توفي والده ، تولى القضاء بعده ، ثم نقل بعد ذلك إلى قضاء عدة بلدان منها بيشة والأرطاوية ورنية .
ولما تولى الملك عبد العزيز - رحمه الله - على الحجاز عينه قاضيا في الطائف ، والشيخ مبارك - رحمه الله - يعتبر أحد العلماء الذين بعثهم الملك عبد العزيز - رحمه الله - إلى مكة لكي يناظروا علمائها ويناقشوهم في مسائل تتعلق بالتوحيد والعقيدة الصحيحة ، وقد أبلى الشيخ مبارك - رحمهم الله - في ذلك بلاء حسنا وكانت له اليد الطولى في تبيين بعض المسائل وإيضاحها ، وظهر الحق إلى جانب علماء الدعوة - رحمهم الله - .
والجدير بالذكر هاهنا أن أخر عمل للشيخ مبارك - رحمه الله - هو قضاء مقاطعة الشعيب ، وبالخصوص في عاصمة تلك المقاطعة ، وهي حريملاء ، وكان ذلك في عام 1356 هـ ، ولم يستمر فيها طويلا بل إنه طلب الإعفاء من القضاء فأعفي ، وتفرغ للطاعة والعبادة والتدريس في بلدة الحلوة حتى وافاه أجله فيها - رحمه الله - .
قلت : - وقصارى القول أن الطابع الغالب على هذه الأسرة ، هو طابع الجد في ممارسة الخير ، سعيا في نشدان الكسب الحلال ، والمذاكرة الحيّة في مسائل الدين ، مع الالتزام بالفضائل والأخلاق الحميدة - رحم الله أموالهم وبارك في أحيائهم ، وجعل معهم العلماء الصالحين - آمين .
هـ :ـ أبناء الشيخ
وللشيخ رحمة الله عليه - أبناء أربعة ، وكذلك من البنات أربع ، فيكون مجموعهم ثمانية - أدام عليهم النعم؛ ومنعهم من شرور النقم - .
الإنجاز في ترجمة الإمام عبد العزيز بن باز
ترقبوا الجزء الثاني من سيرته رحمه الله
لا تــــــنـــــــســــــــــــــــونــــــــــا مـــــــن دعـــــاكــــــم الــــصـــــالــــــــــــح