ابو الحمزه
05-25-2009, 11:40 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الشيخ محمد المهدي
يتحدث عن صفحة من حياة
النشأة :
نشأت في منطقة الخراف ـ عزلة القابل ـ مديرية الشعر ـ ودرست الدراسة المعتادة عند سيدنا ضيف الله عباس ـ رحمه الله ـ ، وكنت أرعي الأغنام مثل غيري من أبناء المنطقة في جبال الصراط ، والدقيق ، ومساقي بيت الصايدي ، والمحاقرة ... وربما صعدنا إلى جبل عِزْ المطل على ممسى الظوهر من عزلة الوسط وعلى بعدان ، ثم كنت كغيري من حيث الجملة مفطوراً على الدين ولكن مع قلة علم إلا أن والدي وعمي وكثيراً من الأسرة كانوا يعملون في مدينة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مكان مجاور لمسجد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكان عندهم شيء من التمسك بالسنة تأثراً بما يسمعونه هناك من الخطب والدروس .. وكان لهم الأثر الطيب علينا في المحافظة على الصلاة بالذات .
ثم هيأ الله لي السفر إلى أرض الحرمين بنية العمل في نفس المكان الذي كان يعمل فيه والدي العزيز جوار المسجد النبوي .. لهذا بدأ التأثر بسماع العلماء وبدأت أحضر بعض الدروس المقامة هناك ، وحلقات القرآن .
بداية الانطلاق في طلب العلم :
كان طلبي للعلم على مرحلتين :
المرحلة الأولى في المملكة العربية السعودية :
هيأ الله لي الأسباب أن أسافر إلى بلد الحرمين وكان عمري آنذاك حوالي ( 15 ) عاما لغرض طلب الرزق بالذات إلى المدينة النبوية ـ على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم ـ فجلست فترة في السفرة الأولى ولم أجد هناك عملاً حتى في المكان الذي كان يعمل فيه أقاربي لسبب الازدحام بالعاملين ، فانتقلت إلى الرياض ولم أحصل على عمل هناك ، ثم قفلت عائداً الديار اليمانية ، وجلست فترة ما شاء الله من الزمان ثم رجعت إلى المدينة وفي هذه المرة يسر الله لي العمل في هذا المكان نفسه ـ جوار المسجد النبوي ومع أقاربي ـ وكان هذا الدكان بينه وبين المسجد النبوي ثلاثة دكاكين لاغير في شارع العينية ، وهذا المكان كن نبيع فيه مشروبات وبعض الحلوى وأنواع المأكولات . فكنت أهتبل بعض الفرص لحضور بعض الحلقات القرآنية : بعد صلاة الفجر ، وأترخص من العمل بعد صلاة العشاء ، وكانت هذه الحلقة لفضيلة الشيخ الشامي / أبي جميل ـ رحمه الله تعالى ـ فأقبلت على قراءة القرآن ، وتعلُّم التجويد ، وحفظت ما يقرب من ثلاثة أجزاء . وكان يرتاد هذا المكان بعض طلبة العلم اليمنيين فكنت أتعجب أن ثمة يمنيين يتفرغون لطلب العلم ، والمعروف أن اليمنيين إنما يذهبون هناك إلا لطلب الرزق .
فعندما سألتهم عن سبب تركهم للعمل وإقبالهم على العلم حدثوني عن العلم وفضله ، وأهدوا لي بعض الكتيبات كأصول الدين الإسلامي وغيره من المختصرات حتى رغبت بتركي للعمل ، وأفبلت على طلب العلم ، وحاولت أن التحق بدار الحديث وكان لا يلتحق بها إلا من يحمل شهادة ابتدائية فجعلوني في شعبة تمهيدية فترة قصيرة ولم أكن أبالي في هذه الرسميات أو بالشهادات . وإنما كنت أريد أن احفظ ما يسر الله لي من العلوم الشرعية . ثم يسر الله لي إخوة من خيرة الشباب في أرض الحجاز ؛ بعضهم كان يدرس في الجامعة الإسلامية ، وبعضهم كان يدرس في المسجد النبوي فالتحقت بهم ثم جلست معهم ما شاء الله .. نتردد على المشايخ في المسجد النبوي و نحضر حلقة الشيخ/ عبد القادر شيبة الحمد ـ رحمه الله ـ ، وحلقة الشيخ / أبى بكر الجزائري ـ حفظه الله ـ ، وحلقة الشيخ / عطية سالم ـ رحمه الله ـ وحلقة الشيخ / عمر فلاته ـ رحمه الله ـ ، وكنا نجلس مع الشيخ المحدث / حماد بن محمد الأنصاري ـ رحمه الله ـ وأحياناً حلقة للشيخ / عبدا لعزيز بن باز ـ رحمه الله ـ وكان هذا في بداية عام (1393هـ ) وأذكر أننا صلينا صلاة الغائب على الشيخ / محمد الأمين الشنقيطي في ذلك الوقت في مسجد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنه مات في نهاية الحج من نفس العام في مكة .
ثم بعد ذلك نصحني هؤلاء الأخوة أن أترك الدراسة في هذه الشُّعبة من دار الحديث التمهيدية وأن أنتقل إلى أرض القصيم ولا أنسى أن جهيمان ين سيف العتيبي ـ رحمه الله ـ كان من الناس الذين يفتحون بيوتهم لطلبة العلم ، ويحسنون إليهم ، ويعينونهم على طلب العلم ... وإن كان في الأخير قد حصل منه ومن بعض إخوانه بعض التصرفات التي نختلف معهم فيها لكن هذه حقيقة في الرجل قد طُمِسَت بقصد أو بدون قصد . والحق أن نعترف بأن الرجل كان محسناً ، وبأنه اخطأ بما حصل منه ومن بعض الشباب كونهم لم يقبلوا نصائح العلماء المتتالية عليهم ، وكل من عاش في المدينة من طلبة العلم في ذلك العقد من الزمن يعترف بأثره على طلبة العلم فنسأل الله أن يعفو عنه فيما حصل .
ثم انتقلت إلى بريدة وهناك بدأت أدرس عند مشايخ متعددين بداية من عام ( 1393هـ ) ولفترة خمس سنوات وكان لي خلالها سفرتان إلى اليمن قصيرتان كنت أحمل فيهما كتبي وأراجع فيها حتى أعود .
وكان خلال هذه الفترة يزورنا فضيلة الشيخ العلامة المحدث / محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ إلى المدينة النبوية وحججنا معه مرة ثم عدنا إلى المدينة برفقته . وكان يزورنا إلى البيت الذي نسكن فيه فنستفيد من توجيهاته المباركة ، وأيضاً كنا نزوره إلى البيت الذي يسكن فيه في المدينة أثناء زيارته لها فيستقبلنا ـ رحمه الله ـ بدون حرج .
ولا أخفي ما كنت أحس به من شوق ورغبه في الطلب وكنت أطمح إلى أن أبلغ من العلم مبلغاً كبيراً ، حتى بعد أن تزوجت ما كنت أذكر أن لي في اليمن حاجة إذ أن زواجي كان مبكراً وكنت قد جاوزت العقد الأول من العمر بسنتين ، بل ما كنت أعرف ما هي حاجتي من الزوجة حتى رجعت بعد سنوات .
المنهج الذي كنا ندرسه في بريدة :
الحق أن مشايخنا في القصيم الذين كنا ندرس عندهم لم يكن عندهم اهتمام زائد في علوم الآلة آنذاك مع وجود الدروس المقامة فيها بشكل لابأس به .
فهم قوم يميلون إلى الفقه والإيمان والزهد والرقائق ..يميلون إليها كما يميل غيرهم إلى تخصصاتهم في علوم الآلة .
لهذا كانت الدراسة هناك في علم التوحيد مثل : الأصول الثلاثة ، وكتاب التوحيد ..للشيخ / محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ ، والعقيدة الواسطية ، والتدمرية ..لشيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ، ونونية ابن القيم الجوزية ـرحمه الله ـ .
وفي الفقه كنا ندرس الدراري المضية لشيخ الإسلام /محمد بن علي الشوكاني ـ رحمه الله ـ، وفي فقه الحنابلة كعمدة الأحكام للمقدسي ، وزاد المستقنع لابن قدامة ، والسلسبيل لشيخنا صالح البليهي ـ رحمه الله ـ وغيرها.
وفي الحديث ومصطلحه كنا ندرس فتح المغيث للسخاوي ، وشرح ألفية العراقي ، وتدريب الراوي للسيوطي .
وفي النحو درسنا شرح الأجرومية ، والكواكب الدرية ، وشرح ابن عقيل ، وبعض الأبواب من الشذور .
أما بالنسبة للمتون :
فكنت أجتهد في حفظها كأي طالب علم مبتدئ ومما كنت أحفظه : متن الرحبية وملحة الإعراب وحاولت حفظ ألفية ابن مالك في النحو ، و من متن الأخضري في البلاغة ولم أنته من حفظه ، وكذا ألفية العراقي ،وألفية السيوطي في علم الحديث ، ولمعة الاعتقاد ،والواسطية ،ومن النونية لابن القيم ،وبهجة القلوب ،وهداية المريد في التوحيد ،ومعظم الخريدة البهية ،وجوهرة التوحيد في عقيدة الأشاعرة ، والدرر البهية للشوكاني ،ومن الزبد لابن رسلان في الفقه .. وغيرها من المتون مع شروحها فبعضها انتهيت منها وبعضها لم أنته منها .
قصتي مع والدي :
والحمد لله كان لأسرتي دور كبير في طريقي لطلب العلم ، ودفعي لذلك ..فلهم أثر طيب أنا مدين لهم به ـ حتى يومنا هذا ـ وبالذات والدي العزيز ـ أحسن الله خاتمته ـ وجزاه الله عني خير الجزاء .
ولي مع والدي العزيز طريفة وقعت لي معه حينما شغله الناس بالأخبار عني بأنني قد تركت العمل ، وانتقلت إلى طلب العلم .
والسبب أن والدي أرسلني للعمل في المدينة بعد أن عاد إلى اليمن ، وكان قد اطمأن عليّ بأني قد وفِّقْتُ للعمل هناك لأن في هذا المكان دخلاً مادياً للعاملين لا بأس به ، وكان قد اعتاد مني مبلغاً من المال شهرياً ، حتى فوجئ عن طريق زملائي من أصحاب البلاد العاملين في المدينة ؛ بأني قد تركت العمل ، وذهبت مع ( المطاوعة!! ) على حد قولهم ( أي طلاب العلم ) ، فما كان من الوالد إلا أن يتحمل هذا الكلام ويسرُّه في نفسه حتى شاء الله له أن يدخل لأداء فريضة الحج . وقال له الناس : إن لم يرجع للعمل رده معك إلى البلاد.
فدخل عازماً على أن يخرجني معه ، فلما وصل إلى المدينة استضافه بعض الإخوة الذين كنت معهم أياماً قبل الحج في بيت كان يُسمى : ( بيت الإخوان ـ من الأُخوَّة ـ ) ، ثم أخذوه معهم لأداء مناسك الحج ولم يتركوه حتى عاد إلى المدينة برفقتهم ، وكان قد لمس منهم الخدمة والإحسان والإكرام ، ومنحوه بعض الهدايا الكريمة .. مما جعله يحبهم ، ويغير رأيه في شأني .
ثم زارني بعد وصوله إلى البيت الذي كنت أسكن فيه ، ودخل غرفتي الخاصة بي ، وجعل ينظر إلى المكتبة التي كانت معي داخل الغرفة فظن أني قد حفظت كل هذه الكتب . فودَّعني وقفل عائداً إلى البلاد بدوني .
ولما وصل إلى البلاد استغرب منه الناس وسألوه عني ، فكان يقول لهم : كيف أخرجه وقد وجدت عنده كذا وكذا من الكتب وهو يحفظها كلها . فإذا به يرسل أحد إخوتي ليطلب العلم معي في المدينة .
وكان بعد ذلك لم يطلب مني لا درهماً ولا ديناراً ، ولم يعاتبني ، وكان رغم حاجته يعيش صابراً ومقتنعاً ـ أرجو الله أن يجزيه عني خير الجزاء ـ .
وهذا يدل على حُسن أثر الرفقة الصالحة ، والقدوة الحسنة ، وتوفيق الله تعالى لطالب العلم .
المشايخ الذين درسنا عليهم :
1. الشيخ / حماد الأنصاري ..درست عليه في كتاب التوحيد لابن خزيمة ، وفي شرح الترمذي المسمى بتحفة الأحوذي ( وهذا كان في المدينة المنورة ) .
2. والشيخ / صالح البليهي ..في كتابه السلسبيل لمعرفة الدليل ، والدراري المضية للإمام الشوكاني ،وشرح زاد المستقنع في الفقه الحنبلي .
3. والشيخ / صالح بن أحمد الخريصي .. في النحو.
وهذا الرجل عرفت فيه الإيمان والتقى ..كان رئيس المحاكم الشرعية في القصيم ، وكان يحفظ القرآن عن ظهر قلب ..كثير التلاوة للقرآن الكريم على كل حال من أحواله ، وكانت تمر به آية السجدة وهو يمشي في الشارع فيمد عباءته ويسجد السجدة ثم يمشي ، وكان إذا خطب الجمعة لا يكاد يكمل الخطبة إلا وتنفجر عيناه من البكاء ، وكان يأخذ مرتبه في آخر الشهر ويوزعه على تلاميذه ولا يأكل منه شيئاً .
4. والشيخ / السكيتي ..في بلوغ المرام .
5. والشيخ / محمد العليط .. في العقيدة .
6. والشيخ / محمد المنصور .. في سبل السلام .
7. والشيخ / محمد بن صالح المطوع .. في الرقائق .
8. والشيخ / علي بن سنان ـ من حزم العدين ـ في الأجرومية وقطر الندى وألفية ابن مالك مع شرح ابن عقيل .
9. والشيخ / عمر فلاته .. وكان ـ رحمه الله ـ أعجوبة في الحفظ أستطيع أن أقول أن فيه شبهاً من الشناقطة ، كنت أحظر له في بداية الطلب لعلي أسمع منه شيئاً في الفقه أو الحديث .. فأجده يدرس الأجرومية في النحو فلا أدري ما يقول ، حتى بدأت أستوعب هذه المادة شيئاً فشيئاً ثم كانت من أحب المواد إليّ بعد ذلك .
المجتمع العجيب في القصيم :
أهل القصيم مجتمع عجيب ..لهم قلوب تقية ، وأرواح طاهرة ..كم أنا معجب منهم بخصال عظيمة قلما نجدها في مجتمع آخر ، تجد فيهم الاستقامة ، وحب الدين ، والغيرة على الحرمات ، والتعظيم لكتاب الله تعالى وشعائر الإسلام ..في كل حياتهم السلوكية .. فإذا دخلت الأسواق ترى من الذي يبيع العطور أو الذي يبيع السلع ..يحفظ القرآن ويقرأه ويردده من حفظه عن ظهر قلب ..فضلاً عن طلبة العلم والعلماء .
وإذا دخلت الدور الأول من المسجد في غير أوقات الصلاة وأَسْرجتَ الكهرباء ترى في الزوايا هناك من يقرأ القرآن ، ومنهم من يصلي ، ومنهم من يبكي .. وربما ترى الرجل يمشي في الشارع وهو يقرأ القرآن فإذا مر بآية سجدة بسط غترته وسجد في الشارع .
هي منطقة أهلها بحق ملتزمون ومؤمنون ..لم أرى مجتمعاً مثلهم في الزهد والعبادة ..والخشوع والرغبة ..حبب الله لهم الآخرة كما أحب أهل الدنيا دنياهم .
زملاء عرفتهم في المملكة :
ليس كل من أذكرهم هنا قد زاملتهم في الطلب بكل ما تعنيه الكلمة ، ولكن معنى ذلك أن منهم من عرفتهم وكنت أسكن معهم ..ومنهم الشيخ / مقبل الوادعي ـ رحمه الله ـ كان يسكن في بيت قريب من البيت الذي كنا نسكن فيه وكنا نلتقي معه كثيراً إلا أنه كان يدرس في الجامعة وكنا ندرس في المسجد النبوي .
والشيخ / حزام البهلولي ـ رحمه الله ـ وهذا من الإخوة العباد فإنه كان كثير الصيام والقيام والبكاء والتضرع ..جلست معه كثيراً في المدينة وزاملته في الدراسة ، ثم التحق بالجامعة الإسلامية وتخرج منها ثم سافر إلى اليمن والتحق بعد ذلك بجماعة الإخوان المسلمين في اليمن .ثم قتل ـ رحمه الله ـ أيام مواجهته للجبهة الشيوعية في جبل شمير بناحية مقبنة من محافظة تعز ورثيته يومها بقصيدة منها :
أكملت دمعي منذ حل بلائي
وسكبت من بعد الدموع دمائي
إلى أن قلت :
ما كان مشغولاً بنيل شهادة
أو جمع مال أو برفع بناء
بل كان يرجو من الإله شهادة
كي يبلغن منازل الشهداء
ولقد عرفت الآن أني غافل
في خطبتي وقراءتي ودعاء
لو كنت صدق في الدعاء لجاءني
ما جاءه في هذه البلواء
كم من دكاترة رأينا إنما
الجل منهم عابد الأهواء
لا يقبلون الحق أنا جاءهم
لغرورهم بوريقة زرقاء
وممن عرفتهم في تلك الفترة الشيخ / عباس النهاري .وهذا رجل فاضل يعمل الآن في التجمع اليمني للإصلاح وأقول فيه كما قلت في البهلولي .
والأخ الدكتور / أمين علي مقبل .. وهذا الأخ من قرية المحشاية من البحريين في محافظة إب ، وهذا زميلي في القصيم مدة طويلة ثم سافرت إلى اليمن وانقطعت عنه ، أما هو فاستمر في طلب العلم والتحق بالجامعة حتى نال درجة الماجستير ثم الدكتوراه ..وهو الآن يعمل مدرساً في جامعة الإيمان ـ صنعاء ـ .
والشيخ الدكتور / صالح الوعيل ..والشيخ الدكتور / عبده عبد الله الحميدي ..والأخ الأستاذ / طه مربوش ..والشيخ ناجي محسن البعداني ..والشيخ / حسان الشامي ..وهؤلاء عرفتهم في المدينة وغيرهم كثير .
المرحلة الثانية في طلب العلم : في اليمن :
شاء الله أن أعود إلى ديارنا اليمنية في عام ( 1398هـ) لأسباب كانت عائقاً لي من الاستمرار في طلب العلم ، ثم رأيت في هذه الفترة أن أطلب العلم في اليمن ولا سيما علوم الآلة لما كان فيها من اهتمام بالغ عند علماء الشافعية والزيدية في اليمن والحق أنهم مصيبون في هذا لولا التفنن الزائد في دقائق المسائل الخلافية في النحو واللغة ، وربما كان التعمق على حساب القصور في العقيدة ، ولكن في العقيدة هم في غاية الضعف ، ومن الزيدية من يصارح في تعطيل الصفات بدون شبهة إذ التأويل هو الأصل عندهم ؛ فرحلت إلى مسجد الهادي في صعده ، ومازلت أذكر أن بعض الطلبة في مسجد الهادي بدأ يناقشني في مسألة " خلق القرآن " ويقسم بالله أن القرآن مخلوق من المخلوقات .. ولم أجد نفسي إلا مضطراً أن أترك المسجد تركاً للمراء معهم ورغبة في الطلب ، ثم ذهبت إلى منطقة ضحيان في صعدة وهي منطقة يتواجد فيها الشيعة الزيدية . ثم عدت إلى الجامع الكبير في صنعاء فمضيت فيه فترة فلم أجد الجو مناسباً لما فيه من الفضول عند بعض الطلبة من المناقشات ، ثم ذهبت إلى مدينة جبلة فوجدت فيها من المشايخ الشيخ / حميد عقيل والشيخ / علي يحيى شمسان ، والشيخ / محمد بن علي الرحبي ـ رحمه الله ـ ، والشيخ عبد المجيد المصنف ، والشيخ العنيين ..فكنت معجباً بقوتهم في علوم الآلة بالذات اللغة العربية والأصول .ولكن لم تتح لي الفرصة بأن أبق أكثر .
وكنت أتلقى العلم أيضاً على الشيخ / عبده عبد الله الإبي .. في المدينة القديمة في إب .ٍ
ثقافة الدعوة والحركة :
وبعد هذه الفترة بدأت أشعر بالانغماس في الكتب الحركية ، وأقبلت عليها إقبالاً كبيراً ..مثل كتب الدعاة المعروفين والمشهورين ومنهم : سيد قطب ، وأبو الأعلى المودودي ..وغيرهم من كتاب الإخوان المسلمون ، وما كتبه غيرهم فيهم مدحاً أو نقداً ، وأقبلت على المجلات والصحف المحلية والعالمية .. هي كانت رغبة خرجت فيها بفائدة من حيث التعرُّف على الواقع من جماعات ومؤسسات ودول ، وأحداث ومواقف ..، وبنفس الوقت أعتبر تلك الرغبة أنها أخذت عليّ جزءاً من العمر كنت أحوج ما أكون فيه إلى تحصيل أكبر قدر من العلوم وترسيخها . ولكن شاء الله ذلك .
ولست ممن ينكر متابعة المستجدات والأحداث ومطالعة الكتب الثقافية المعاصرة ..ولكن أدعو إلى التوسط في متابعتها ، وأن تأخذ القضية حجمها بلا إفراط ولا تفريط ، فمن العيب أن لا يدري الإنسان ما يدور حوله من قريب أو بعيد مع توفر هذه الوسائل المقروءة والمسموعة ، كما أنه من الجهل أن يترك الإنسان ما هو أولى من العلوم الضرورية في دينه وأحكام شريعته وآدابها .. ، حتى يحصن نفسه من الانخراط وراء تلك الدعايات المشبوهة الذي يثيرها أعداء الإسلام من الخارج أو الداخل كالروافض وأصحاب الأفكار المنحرفة باختلاف توجهاتهم .
ولا أنسى أنني في هذه الفترة ، وخلال هذه المتابعة والقراءة كنت أستغرب مما كان يطرحه الإخوان في كتبهم من التعصب والغلو في تمجيد الجماعة كما لاحظته من كتاب " المدخل إلى دعوة الإخوان " للشيخ / سعيد حواء ـ رحمه الله ـ ، وبالمقابل الغلو في نقد الآخر والتجني عليه في مسائل لا تكون ذريعة للنيل من أصحابها وهذا ما لاحظته في كتاب " الدعوة الإسلامية .. فريضة شرعية وضرورة بشرية " لكاتبه بالاسم المستعار : صادق أمين ، وقيل أنه : للشيخ / عبد الله عزام ـ رحمه الله ـ ومثلها أيضاً : آفاق رسالة التعاليم ، وجولات الفقه الكبير والأكبر كلاهما للشيخ / سعيد حواء .فالذي يطلع على هذه الكتب يجد أن التعصب قد بلغ ذروته في صفوف الإخوان ، حتى تولدت لدى بعضهم القناعة بأنهم الجماعة والحركة الوحيدة التي يجب اتباعها ..
والغرض من الإشارة لهذه الظاهرة المرضية والخطيرة : إنما هو لعدم الموافقة لهم بتلك الرؤية ، ولما عانينا من تضييق وتشنيع ..من قبل بعض الأفراد الذين آمنوا بهذه الرؤية حينما لم نسبح في فلكهم ، وقمنا ببعض الأنشطة المتواضعة المستقلة عنهم ..وكأننا شققنا عصا الجماعة ، وانتزعنا أيدينا من الطاعة ، وجئنا بفتنة جديدة ..، وليفهم أبناء الدعوة أن التعصب والغلو في تمجيد الذات أو الغلو في نقد الآخر بجور وظلم ..لا يمكن أن يكون للدعوة فيه مصلحة .
وليعلم الإخوان أن ما يرددونه من اتهام الآخر بأنه قد حجر الحق معه دون غيره .. أنهم قد أصيبوا بهذا الأمر ولم يسلموا منه ، وعانينا منه الكثير والكثير
الشيخ محمد المهدي
يتحدث عن صفحة من حياة
النشأة :
نشأت في منطقة الخراف ـ عزلة القابل ـ مديرية الشعر ـ ودرست الدراسة المعتادة عند سيدنا ضيف الله عباس ـ رحمه الله ـ ، وكنت أرعي الأغنام مثل غيري من أبناء المنطقة في جبال الصراط ، والدقيق ، ومساقي بيت الصايدي ، والمحاقرة ... وربما صعدنا إلى جبل عِزْ المطل على ممسى الظوهر من عزلة الوسط وعلى بعدان ، ثم كنت كغيري من حيث الجملة مفطوراً على الدين ولكن مع قلة علم إلا أن والدي وعمي وكثيراً من الأسرة كانوا يعملون في مدينة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مكان مجاور لمسجد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكان عندهم شيء من التمسك بالسنة تأثراً بما يسمعونه هناك من الخطب والدروس .. وكان لهم الأثر الطيب علينا في المحافظة على الصلاة بالذات .
ثم هيأ الله لي السفر إلى أرض الحرمين بنية العمل في نفس المكان الذي كان يعمل فيه والدي العزيز جوار المسجد النبوي .. لهذا بدأ التأثر بسماع العلماء وبدأت أحضر بعض الدروس المقامة هناك ، وحلقات القرآن .
بداية الانطلاق في طلب العلم :
كان طلبي للعلم على مرحلتين :
المرحلة الأولى في المملكة العربية السعودية :
هيأ الله لي الأسباب أن أسافر إلى بلد الحرمين وكان عمري آنذاك حوالي ( 15 ) عاما لغرض طلب الرزق بالذات إلى المدينة النبوية ـ على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم ـ فجلست فترة في السفرة الأولى ولم أجد هناك عملاً حتى في المكان الذي كان يعمل فيه أقاربي لسبب الازدحام بالعاملين ، فانتقلت إلى الرياض ولم أحصل على عمل هناك ، ثم قفلت عائداً الديار اليمانية ، وجلست فترة ما شاء الله من الزمان ثم رجعت إلى المدينة وفي هذه المرة يسر الله لي العمل في هذا المكان نفسه ـ جوار المسجد النبوي ومع أقاربي ـ وكان هذا الدكان بينه وبين المسجد النبوي ثلاثة دكاكين لاغير في شارع العينية ، وهذا المكان كن نبيع فيه مشروبات وبعض الحلوى وأنواع المأكولات . فكنت أهتبل بعض الفرص لحضور بعض الحلقات القرآنية : بعد صلاة الفجر ، وأترخص من العمل بعد صلاة العشاء ، وكانت هذه الحلقة لفضيلة الشيخ الشامي / أبي جميل ـ رحمه الله تعالى ـ فأقبلت على قراءة القرآن ، وتعلُّم التجويد ، وحفظت ما يقرب من ثلاثة أجزاء . وكان يرتاد هذا المكان بعض طلبة العلم اليمنيين فكنت أتعجب أن ثمة يمنيين يتفرغون لطلب العلم ، والمعروف أن اليمنيين إنما يذهبون هناك إلا لطلب الرزق .
فعندما سألتهم عن سبب تركهم للعمل وإقبالهم على العلم حدثوني عن العلم وفضله ، وأهدوا لي بعض الكتيبات كأصول الدين الإسلامي وغيره من المختصرات حتى رغبت بتركي للعمل ، وأفبلت على طلب العلم ، وحاولت أن التحق بدار الحديث وكان لا يلتحق بها إلا من يحمل شهادة ابتدائية فجعلوني في شعبة تمهيدية فترة قصيرة ولم أكن أبالي في هذه الرسميات أو بالشهادات . وإنما كنت أريد أن احفظ ما يسر الله لي من العلوم الشرعية . ثم يسر الله لي إخوة من خيرة الشباب في أرض الحجاز ؛ بعضهم كان يدرس في الجامعة الإسلامية ، وبعضهم كان يدرس في المسجد النبوي فالتحقت بهم ثم جلست معهم ما شاء الله .. نتردد على المشايخ في المسجد النبوي و نحضر حلقة الشيخ/ عبد القادر شيبة الحمد ـ رحمه الله ـ ، وحلقة الشيخ / أبى بكر الجزائري ـ حفظه الله ـ ، وحلقة الشيخ / عطية سالم ـ رحمه الله ـ وحلقة الشيخ / عمر فلاته ـ رحمه الله ـ ، وكنا نجلس مع الشيخ المحدث / حماد بن محمد الأنصاري ـ رحمه الله ـ وأحياناً حلقة للشيخ / عبدا لعزيز بن باز ـ رحمه الله ـ وكان هذا في بداية عام (1393هـ ) وأذكر أننا صلينا صلاة الغائب على الشيخ / محمد الأمين الشنقيطي في ذلك الوقت في مسجد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنه مات في نهاية الحج من نفس العام في مكة .
ثم بعد ذلك نصحني هؤلاء الأخوة أن أترك الدراسة في هذه الشُّعبة من دار الحديث التمهيدية وأن أنتقل إلى أرض القصيم ولا أنسى أن جهيمان ين سيف العتيبي ـ رحمه الله ـ كان من الناس الذين يفتحون بيوتهم لطلبة العلم ، ويحسنون إليهم ، ويعينونهم على طلب العلم ... وإن كان في الأخير قد حصل منه ومن بعض إخوانه بعض التصرفات التي نختلف معهم فيها لكن هذه حقيقة في الرجل قد طُمِسَت بقصد أو بدون قصد . والحق أن نعترف بأن الرجل كان محسناً ، وبأنه اخطأ بما حصل منه ومن بعض الشباب كونهم لم يقبلوا نصائح العلماء المتتالية عليهم ، وكل من عاش في المدينة من طلبة العلم في ذلك العقد من الزمن يعترف بأثره على طلبة العلم فنسأل الله أن يعفو عنه فيما حصل .
ثم انتقلت إلى بريدة وهناك بدأت أدرس عند مشايخ متعددين بداية من عام ( 1393هـ ) ولفترة خمس سنوات وكان لي خلالها سفرتان إلى اليمن قصيرتان كنت أحمل فيهما كتبي وأراجع فيها حتى أعود .
وكان خلال هذه الفترة يزورنا فضيلة الشيخ العلامة المحدث / محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ إلى المدينة النبوية وحججنا معه مرة ثم عدنا إلى المدينة برفقته . وكان يزورنا إلى البيت الذي نسكن فيه فنستفيد من توجيهاته المباركة ، وأيضاً كنا نزوره إلى البيت الذي يسكن فيه في المدينة أثناء زيارته لها فيستقبلنا ـ رحمه الله ـ بدون حرج .
ولا أخفي ما كنت أحس به من شوق ورغبه في الطلب وكنت أطمح إلى أن أبلغ من العلم مبلغاً كبيراً ، حتى بعد أن تزوجت ما كنت أذكر أن لي في اليمن حاجة إذ أن زواجي كان مبكراً وكنت قد جاوزت العقد الأول من العمر بسنتين ، بل ما كنت أعرف ما هي حاجتي من الزوجة حتى رجعت بعد سنوات .
المنهج الذي كنا ندرسه في بريدة :
الحق أن مشايخنا في القصيم الذين كنا ندرس عندهم لم يكن عندهم اهتمام زائد في علوم الآلة آنذاك مع وجود الدروس المقامة فيها بشكل لابأس به .
فهم قوم يميلون إلى الفقه والإيمان والزهد والرقائق ..يميلون إليها كما يميل غيرهم إلى تخصصاتهم في علوم الآلة .
لهذا كانت الدراسة هناك في علم التوحيد مثل : الأصول الثلاثة ، وكتاب التوحيد ..للشيخ / محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ ، والعقيدة الواسطية ، والتدمرية ..لشيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ، ونونية ابن القيم الجوزية ـرحمه الله ـ .
وفي الفقه كنا ندرس الدراري المضية لشيخ الإسلام /محمد بن علي الشوكاني ـ رحمه الله ـ، وفي فقه الحنابلة كعمدة الأحكام للمقدسي ، وزاد المستقنع لابن قدامة ، والسلسبيل لشيخنا صالح البليهي ـ رحمه الله ـ وغيرها.
وفي الحديث ومصطلحه كنا ندرس فتح المغيث للسخاوي ، وشرح ألفية العراقي ، وتدريب الراوي للسيوطي .
وفي النحو درسنا شرح الأجرومية ، والكواكب الدرية ، وشرح ابن عقيل ، وبعض الأبواب من الشذور .
أما بالنسبة للمتون :
فكنت أجتهد في حفظها كأي طالب علم مبتدئ ومما كنت أحفظه : متن الرحبية وملحة الإعراب وحاولت حفظ ألفية ابن مالك في النحو ، و من متن الأخضري في البلاغة ولم أنته من حفظه ، وكذا ألفية العراقي ،وألفية السيوطي في علم الحديث ، ولمعة الاعتقاد ،والواسطية ،ومن النونية لابن القيم ،وبهجة القلوب ،وهداية المريد في التوحيد ،ومعظم الخريدة البهية ،وجوهرة التوحيد في عقيدة الأشاعرة ، والدرر البهية للشوكاني ،ومن الزبد لابن رسلان في الفقه .. وغيرها من المتون مع شروحها فبعضها انتهيت منها وبعضها لم أنته منها .
قصتي مع والدي :
والحمد لله كان لأسرتي دور كبير في طريقي لطلب العلم ، ودفعي لذلك ..فلهم أثر طيب أنا مدين لهم به ـ حتى يومنا هذا ـ وبالذات والدي العزيز ـ أحسن الله خاتمته ـ وجزاه الله عني خير الجزاء .
ولي مع والدي العزيز طريفة وقعت لي معه حينما شغله الناس بالأخبار عني بأنني قد تركت العمل ، وانتقلت إلى طلب العلم .
والسبب أن والدي أرسلني للعمل في المدينة بعد أن عاد إلى اليمن ، وكان قد اطمأن عليّ بأني قد وفِّقْتُ للعمل هناك لأن في هذا المكان دخلاً مادياً للعاملين لا بأس به ، وكان قد اعتاد مني مبلغاً من المال شهرياً ، حتى فوجئ عن طريق زملائي من أصحاب البلاد العاملين في المدينة ؛ بأني قد تركت العمل ، وذهبت مع ( المطاوعة!! ) على حد قولهم ( أي طلاب العلم ) ، فما كان من الوالد إلا أن يتحمل هذا الكلام ويسرُّه في نفسه حتى شاء الله له أن يدخل لأداء فريضة الحج . وقال له الناس : إن لم يرجع للعمل رده معك إلى البلاد.
فدخل عازماً على أن يخرجني معه ، فلما وصل إلى المدينة استضافه بعض الإخوة الذين كنت معهم أياماً قبل الحج في بيت كان يُسمى : ( بيت الإخوان ـ من الأُخوَّة ـ ) ، ثم أخذوه معهم لأداء مناسك الحج ولم يتركوه حتى عاد إلى المدينة برفقتهم ، وكان قد لمس منهم الخدمة والإحسان والإكرام ، ومنحوه بعض الهدايا الكريمة .. مما جعله يحبهم ، ويغير رأيه في شأني .
ثم زارني بعد وصوله إلى البيت الذي كنت أسكن فيه ، ودخل غرفتي الخاصة بي ، وجعل ينظر إلى المكتبة التي كانت معي داخل الغرفة فظن أني قد حفظت كل هذه الكتب . فودَّعني وقفل عائداً إلى البلاد بدوني .
ولما وصل إلى البلاد استغرب منه الناس وسألوه عني ، فكان يقول لهم : كيف أخرجه وقد وجدت عنده كذا وكذا من الكتب وهو يحفظها كلها . فإذا به يرسل أحد إخوتي ليطلب العلم معي في المدينة .
وكان بعد ذلك لم يطلب مني لا درهماً ولا ديناراً ، ولم يعاتبني ، وكان رغم حاجته يعيش صابراً ومقتنعاً ـ أرجو الله أن يجزيه عني خير الجزاء ـ .
وهذا يدل على حُسن أثر الرفقة الصالحة ، والقدوة الحسنة ، وتوفيق الله تعالى لطالب العلم .
المشايخ الذين درسنا عليهم :
1. الشيخ / حماد الأنصاري ..درست عليه في كتاب التوحيد لابن خزيمة ، وفي شرح الترمذي المسمى بتحفة الأحوذي ( وهذا كان في المدينة المنورة ) .
2. والشيخ / صالح البليهي ..في كتابه السلسبيل لمعرفة الدليل ، والدراري المضية للإمام الشوكاني ،وشرح زاد المستقنع في الفقه الحنبلي .
3. والشيخ / صالح بن أحمد الخريصي .. في النحو.
وهذا الرجل عرفت فيه الإيمان والتقى ..كان رئيس المحاكم الشرعية في القصيم ، وكان يحفظ القرآن عن ظهر قلب ..كثير التلاوة للقرآن الكريم على كل حال من أحواله ، وكانت تمر به آية السجدة وهو يمشي في الشارع فيمد عباءته ويسجد السجدة ثم يمشي ، وكان إذا خطب الجمعة لا يكاد يكمل الخطبة إلا وتنفجر عيناه من البكاء ، وكان يأخذ مرتبه في آخر الشهر ويوزعه على تلاميذه ولا يأكل منه شيئاً .
4. والشيخ / السكيتي ..في بلوغ المرام .
5. والشيخ / محمد العليط .. في العقيدة .
6. والشيخ / محمد المنصور .. في سبل السلام .
7. والشيخ / محمد بن صالح المطوع .. في الرقائق .
8. والشيخ / علي بن سنان ـ من حزم العدين ـ في الأجرومية وقطر الندى وألفية ابن مالك مع شرح ابن عقيل .
9. والشيخ / عمر فلاته .. وكان ـ رحمه الله ـ أعجوبة في الحفظ أستطيع أن أقول أن فيه شبهاً من الشناقطة ، كنت أحظر له في بداية الطلب لعلي أسمع منه شيئاً في الفقه أو الحديث .. فأجده يدرس الأجرومية في النحو فلا أدري ما يقول ، حتى بدأت أستوعب هذه المادة شيئاً فشيئاً ثم كانت من أحب المواد إليّ بعد ذلك .
المجتمع العجيب في القصيم :
أهل القصيم مجتمع عجيب ..لهم قلوب تقية ، وأرواح طاهرة ..كم أنا معجب منهم بخصال عظيمة قلما نجدها في مجتمع آخر ، تجد فيهم الاستقامة ، وحب الدين ، والغيرة على الحرمات ، والتعظيم لكتاب الله تعالى وشعائر الإسلام ..في كل حياتهم السلوكية .. فإذا دخلت الأسواق ترى من الذي يبيع العطور أو الذي يبيع السلع ..يحفظ القرآن ويقرأه ويردده من حفظه عن ظهر قلب ..فضلاً عن طلبة العلم والعلماء .
وإذا دخلت الدور الأول من المسجد في غير أوقات الصلاة وأَسْرجتَ الكهرباء ترى في الزوايا هناك من يقرأ القرآن ، ومنهم من يصلي ، ومنهم من يبكي .. وربما ترى الرجل يمشي في الشارع وهو يقرأ القرآن فإذا مر بآية سجدة بسط غترته وسجد في الشارع .
هي منطقة أهلها بحق ملتزمون ومؤمنون ..لم أرى مجتمعاً مثلهم في الزهد والعبادة ..والخشوع والرغبة ..حبب الله لهم الآخرة كما أحب أهل الدنيا دنياهم .
زملاء عرفتهم في المملكة :
ليس كل من أذكرهم هنا قد زاملتهم في الطلب بكل ما تعنيه الكلمة ، ولكن معنى ذلك أن منهم من عرفتهم وكنت أسكن معهم ..ومنهم الشيخ / مقبل الوادعي ـ رحمه الله ـ كان يسكن في بيت قريب من البيت الذي كنا نسكن فيه وكنا نلتقي معه كثيراً إلا أنه كان يدرس في الجامعة وكنا ندرس في المسجد النبوي .
والشيخ / حزام البهلولي ـ رحمه الله ـ وهذا من الإخوة العباد فإنه كان كثير الصيام والقيام والبكاء والتضرع ..جلست معه كثيراً في المدينة وزاملته في الدراسة ، ثم التحق بالجامعة الإسلامية وتخرج منها ثم سافر إلى اليمن والتحق بعد ذلك بجماعة الإخوان المسلمين في اليمن .ثم قتل ـ رحمه الله ـ أيام مواجهته للجبهة الشيوعية في جبل شمير بناحية مقبنة من محافظة تعز ورثيته يومها بقصيدة منها :
أكملت دمعي منذ حل بلائي
وسكبت من بعد الدموع دمائي
إلى أن قلت :
ما كان مشغولاً بنيل شهادة
أو جمع مال أو برفع بناء
بل كان يرجو من الإله شهادة
كي يبلغن منازل الشهداء
ولقد عرفت الآن أني غافل
في خطبتي وقراءتي ودعاء
لو كنت صدق في الدعاء لجاءني
ما جاءه في هذه البلواء
كم من دكاترة رأينا إنما
الجل منهم عابد الأهواء
لا يقبلون الحق أنا جاءهم
لغرورهم بوريقة زرقاء
وممن عرفتهم في تلك الفترة الشيخ / عباس النهاري .وهذا رجل فاضل يعمل الآن في التجمع اليمني للإصلاح وأقول فيه كما قلت في البهلولي .
والأخ الدكتور / أمين علي مقبل .. وهذا الأخ من قرية المحشاية من البحريين في محافظة إب ، وهذا زميلي في القصيم مدة طويلة ثم سافرت إلى اليمن وانقطعت عنه ، أما هو فاستمر في طلب العلم والتحق بالجامعة حتى نال درجة الماجستير ثم الدكتوراه ..وهو الآن يعمل مدرساً في جامعة الإيمان ـ صنعاء ـ .
والشيخ الدكتور / صالح الوعيل ..والشيخ الدكتور / عبده عبد الله الحميدي ..والأخ الأستاذ / طه مربوش ..والشيخ ناجي محسن البعداني ..والشيخ / حسان الشامي ..وهؤلاء عرفتهم في المدينة وغيرهم كثير .
المرحلة الثانية في طلب العلم : في اليمن :
شاء الله أن أعود إلى ديارنا اليمنية في عام ( 1398هـ) لأسباب كانت عائقاً لي من الاستمرار في طلب العلم ، ثم رأيت في هذه الفترة أن أطلب العلم في اليمن ولا سيما علوم الآلة لما كان فيها من اهتمام بالغ عند علماء الشافعية والزيدية في اليمن والحق أنهم مصيبون في هذا لولا التفنن الزائد في دقائق المسائل الخلافية في النحو واللغة ، وربما كان التعمق على حساب القصور في العقيدة ، ولكن في العقيدة هم في غاية الضعف ، ومن الزيدية من يصارح في تعطيل الصفات بدون شبهة إذ التأويل هو الأصل عندهم ؛ فرحلت إلى مسجد الهادي في صعده ، ومازلت أذكر أن بعض الطلبة في مسجد الهادي بدأ يناقشني في مسألة " خلق القرآن " ويقسم بالله أن القرآن مخلوق من المخلوقات .. ولم أجد نفسي إلا مضطراً أن أترك المسجد تركاً للمراء معهم ورغبة في الطلب ، ثم ذهبت إلى منطقة ضحيان في صعدة وهي منطقة يتواجد فيها الشيعة الزيدية . ثم عدت إلى الجامع الكبير في صنعاء فمضيت فيه فترة فلم أجد الجو مناسباً لما فيه من الفضول عند بعض الطلبة من المناقشات ، ثم ذهبت إلى مدينة جبلة فوجدت فيها من المشايخ الشيخ / حميد عقيل والشيخ / علي يحيى شمسان ، والشيخ / محمد بن علي الرحبي ـ رحمه الله ـ ، والشيخ عبد المجيد المصنف ، والشيخ العنيين ..فكنت معجباً بقوتهم في علوم الآلة بالذات اللغة العربية والأصول .ولكن لم تتح لي الفرصة بأن أبق أكثر .
وكنت أتلقى العلم أيضاً على الشيخ / عبده عبد الله الإبي .. في المدينة القديمة في إب .ٍ
ثقافة الدعوة والحركة :
وبعد هذه الفترة بدأت أشعر بالانغماس في الكتب الحركية ، وأقبلت عليها إقبالاً كبيراً ..مثل كتب الدعاة المعروفين والمشهورين ومنهم : سيد قطب ، وأبو الأعلى المودودي ..وغيرهم من كتاب الإخوان المسلمون ، وما كتبه غيرهم فيهم مدحاً أو نقداً ، وأقبلت على المجلات والصحف المحلية والعالمية .. هي كانت رغبة خرجت فيها بفائدة من حيث التعرُّف على الواقع من جماعات ومؤسسات ودول ، وأحداث ومواقف ..، وبنفس الوقت أعتبر تلك الرغبة أنها أخذت عليّ جزءاً من العمر كنت أحوج ما أكون فيه إلى تحصيل أكبر قدر من العلوم وترسيخها . ولكن شاء الله ذلك .
ولست ممن ينكر متابعة المستجدات والأحداث ومطالعة الكتب الثقافية المعاصرة ..ولكن أدعو إلى التوسط في متابعتها ، وأن تأخذ القضية حجمها بلا إفراط ولا تفريط ، فمن العيب أن لا يدري الإنسان ما يدور حوله من قريب أو بعيد مع توفر هذه الوسائل المقروءة والمسموعة ، كما أنه من الجهل أن يترك الإنسان ما هو أولى من العلوم الضرورية في دينه وأحكام شريعته وآدابها .. ، حتى يحصن نفسه من الانخراط وراء تلك الدعايات المشبوهة الذي يثيرها أعداء الإسلام من الخارج أو الداخل كالروافض وأصحاب الأفكار المنحرفة باختلاف توجهاتهم .
ولا أنسى أنني في هذه الفترة ، وخلال هذه المتابعة والقراءة كنت أستغرب مما كان يطرحه الإخوان في كتبهم من التعصب والغلو في تمجيد الجماعة كما لاحظته من كتاب " المدخل إلى دعوة الإخوان " للشيخ / سعيد حواء ـ رحمه الله ـ ، وبالمقابل الغلو في نقد الآخر والتجني عليه في مسائل لا تكون ذريعة للنيل من أصحابها وهذا ما لاحظته في كتاب " الدعوة الإسلامية .. فريضة شرعية وضرورة بشرية " لكاتبه بالاسم المستعار : صادق أمين ، وقيل أنه : للشيخ / عبد الله عزام ـ رحمه الله ـ ومثلها أيضاً : آفاق رسالة التعاليم ، وجولات الفقه الكبير والأكبر كلاهما للشيخ / سعيد حواء .فالذي يطلع على هذه الكتب يجد أن التعصب قد بلغ ذروته في صفوف الإخوان ، حتى تولدت لدى بعضهم القناعة بأنهم الجماعة والحركة الوحيدة التي يجب اتباعها ..
والغرض من الإشارة لهذه الظاهرة المرضية والخطيرة : إنما هو لعدم الموافقة لهم بتلك الرؤية ، ولما عانينا من تضييق وتشنيع ..من قبل بعض الأفراد الذين آمنوا بهذه الرؤية حينما لم نسبح في فلكهم ، وقمنا ببعض الأنشطة المتواضعة المستقلة عنهم ..وكأننا شققنا عصا الجماعة ، وانتزعنا أيدينا من الطاعة ، وجئنا بفتنة جديدة ..، وليفهم أبناء الدعوة أن التعصب والغلو في تمجيد الذات أو الغلو في نقد الآخر بجور وظلم ..لا يمكن أن يكون للدعوة فيه مصلحة .
وليعلم الإخوان أن ما يرددونه من اتهام الآخر بأنه قد حجر الحق معه دون غيره .. أنهم قد أصيبوا بهذا الأمر ولم يسلموا منه ، وعانينا منه الكثير والكثير