أبومالك عدنان المقطري
03-15-2010, 07:41 AM
منهج العلامة الوادعي ـ رحمه الله ـ في مخالفة الغلاة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد : فإن شيخنا العلامة , المحدث الفهامة , الإمام الألمعي مقبل بن هادي الوادعي ـ رحمه الله ـ من العلماء الأجلاء والمشايخ النجباء , الذين نفع الله بهم العباد , وأروى بهم البلاد .ولقد ترك للأمة تراثاً كبيراً , وخيراً كثيراً .
وإن مما يخفى على بعض الناس ماكان يتحلى به ـ رحمه الله ـ من الأخلاق العالية , والآداب الراقية , فهو الأب المربي , والعالم بما قال ربي .في كتابه الكريم ومحكم آيات التنزيل :{وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }الشعراء:215 , وقال تعا لى : { َاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ }الحجر:88 .
وكان شديد البغض والكراهية , لمنهج الغلو والشدة ممن ينتسب للسلفية .ولقد انتسب قوم لشيخنا الوادعي ـ رحمه الله ـ وهم من طلابه وتلاميذه , وممن تربى على يده , ودرس في داره ومركزه .
ولكن للأسف كانوا بئس الطلاب , وشر الأحباب , ومن أسوء الأصحاب . فأسأوا إليه ,وماأحسنوا عليه .شوهوا صورة الشيخ الجميلة ,ومنزلته الجليلة , بسوء أعمالهم ,وحماقة تصرفاتهم , فشادوا الدين , ونفروا المؤمنين ,وأبعدوا الراغبين , وكرهوا المحبين .
بتأصيلهم قواعد دخيلة ,وأصول عليلة . للشيخ الكريم نسبوها ولطريقته أثبتوها , والمنصف المدقق , الورع المحقق .في منهجيته ,وسيره وطريقته , يوقن بجلاء أن هؤلاء دخلاء . وأن الشيخ من منهجيتهم ومانسبوه إليه براء .وهذا ماأسعى لإثباته من محاضراته وكتاباته , ومن واقع عشناه , ومنهج تلقيناه .على يديه وتحت ركبتيه .أذكره وأرويه , بلفظه ومايحويه .بإسناد عال , يرد زيف كل غال , ومفتري كذاب خالف الحق والصواب .وعاند أولي الألباب ,وسلك طرق الشك والارتياب . وكتبه /محب الشيخ وتلميذه أبو مالك عدنان بن عبده بن أحمد المقطري .
15 ربيع الأول 1431 هـ اليمن ـ تعز
(1)تحذير شيخنا ـ رحمه الله ـ من الغلو وبغضه لذلك
لقد كان الشيخ يدعو في محاضراته وكتبه إلى ترك الغلو , محذراً من إثمه وخطره , منبهاًعلى عواقبه وضرره .ففي كتابه رياض الجنة في الرد على أعداء السنة ) (ص:290ـ293) قال ـ رحمه الله ـ والله ورسوله قد نهيا عن الغلو , فقال تعالى مبينا ضلال النصارى بسبب الغلو : { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ{72} لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{73} أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{74} مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ{75} قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَاللّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{76} قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ{77} المائدة .
وقال تعالى: { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً{171}} النساء .وقال تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ{30} اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ{31} }التوبة .
وقال تعالى :{ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ{79} وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ{80} آل عمران .
وقال تعالى في الرد على قريش : { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ{18}يونس
وقال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً{88} لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً{89} تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً{90} أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً{91} وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً{92} إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً{93}مريم .
والآيات في القرآن الكريم التي تنهى عن الغلو وتشنيع على أهله كثيرة جداً, وأما الأحاديث فتقتصر على مايلي :
1ـ عن عمر ـ رضي الله عنه ـ ،قال : سمعت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : " لا تطروني ، كما أطرت النصارى ابن مريم ، فإنما أنا عبد الله ، ورسوله "رواه البخاري (ج 7ص300) , وأحمد (ج123,24 , 47, 55) .
2 ـ عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غداة العقبة وهو على ناقته :"القط لي حصى ) . فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف , فجعل ينفضهن في كفه ويقول :"أمثال هؤلاء فارموا ".ثم قال :"ياأيها الناس ,إياكم والغلو في الدين ,فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ".رواه النسائي (ج5ص 218 ) , وابن ماجة واللفظ له ( ج 2ص 1008) ,وأحمد (1ص 215 ) ,وابن حبان كما في موارد الظمآن (ص 249), والحاكم (ج1 ص 466) , وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين , ولم يخرجاه وأقره الذهبي , فإذا كان هذا في الحصى فكيف بغيره ممن يستغيث برسول الله وغيره من الأولياء , ويصرف له من العبادة مالايجوز إلا لله .
3 ـ عن مطرف قال : قال أبي : انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : فقلنا : أنت سيدنا ، فقال : " السيد الله ـ تبارك وتعالى ـ " قلنا : وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا ، فقال : " قولوا بقولكم ، أو بعض قولكم ، ولا يستجرينكم الشيطان "رواه أبوداود , قال أبو الطيب في عون المعبود(ج4 ص 402 ): وحديث عبدالله بن الشخير إسناده صحيح , وأخرجه أحمد .
قلت ـ شيخنا ـ :هو في المسند (ج 4 ص 25 ) .
4ـ عن أنس ، : أن رجلا قال : يا محمد يا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا فقال : " يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستجرينكم الشيطان أو الشياطين ـ قال : ـ إحدى الكلمتين ـ أنا محمد بن عبد الله , عبدالله ورسوله , ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ـ عزوجل ـ " رواه أحمد (ج3 ص 249 ) , ورجاله رجال الصحيح .
والأحاديث كثيرة جداً, وفيما ذكرنا من الآيات والأحاديث مقنع لمن كان يريد الحق وينقاد له , أما من يتبع هواه وما عليه الآباء والأجداد , وما عليه الأكثرية , فإنك لو أتيته بكل آية لما أذعن لها , بل يتلقاها بالعناد والمكابرة كما هو شأن المقلدة . ...) ازهـ .
فالغلو في الدين تحت أي مسمى كان , ولوكانت أشرف المسميات ,كالسلفية والسنة والحق كل هذا وغيره مما بين الشيخ ـ رحمه الله ـ حرمته , وذكر بالنهي عنه , وكان ـ رحمه الله ـ شديد البغض للغلو قي الدين , وقد حاور أهله ,ورد على حزبه. ونقض أساسهم ,وكشف زيفهم . وحذر من شبههم الخادعة , بالأدلة والبراهين القاطعة .
وهذا ماسنأتي إليه بالتفصيل , ونعرج عليه بالدليل . فيما يتيع من الحلقات , والأعداد النيرات بتوفيق رب الأرض والسموات .
(2(الدعوة إلى الرفق معالآخرين
إن الدعوة إلى الله ـ عزوجل ـ مبناهاعلى الرفق ,وأساسها اللين . وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على فضيلة الرفق , والحث علىالتخلق به :
ففي كتاب الله ـ عزوجل ـ :
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَلَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُعَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَفَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ }آلعمران159
فامتن الله ـ عزوجل ـ على نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن جعله رفيقاًليناً حليماً . ـ صلى الله عليه وسلم ـ
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذروابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (فبما رحمة من الله ) , يقول : أيوالله طهره منالفظاظة والغلظة وجعله قريبا رحيما رؤوفا بالمؤمنين .
وأخرج ابن أبي حاتم عنالحسن أنه سئل عن هذه الآية فقال : هذا خلق محمد ـ صلى الله عليه و سلم ـ نعته الله .
قال ابن كثير (1/ 429):(ثم قال تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَالْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} والفظ الغليظ، والمراد به ههنا غليظ الكلاملقوله بعد ذلك {غَلِيظَ الْقَلْبِ} أي لو كنت سيء الكلام، قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفاً لقلوبهم، كما قالعبد الله بن عمرو: "إني أرى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمةإنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفوويصفح"
وفي السنة النبوية :
عن عائشة زوج النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ : أن رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ قال :يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفقويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه ) رواه البخاري (6927), ومسلم ( 2593)
2 ـ عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنهاركبت بعيرا فكانت فيهصعوبة فجعلت تردده : فقال لها رسول الله صلى الله عليه و سلم عليك بالرفق ثم ذكربمثله: عن النبي صلى الله عليه و سلم قال إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولاينزع من شيء إلا شانه ) رواه مسلم (2594 ) ,وأبوداود (2478)
قال الإمام النووي ـرحمه الله ـ : (وفي هذه الأحاديث فضل الرفق والحث على التخلق وذم العنف والرفق سببكل خير , ومعنى يعطي على الرفق أي يثيب عليه مالا يثيب على غيره . وقال القاضي :معناه يتأتى به من الأغراض ويسهل من المطالب مالا يتأتى بغيره ) .
وبعد :فلقدكان شيخنا ـ رحمه الله تعالى ـ من أعظم الناس مناداة بالرفق , ونُصح الدعاة علىالتخلق به ,ونهيهم عن الغلظة والفظاظة .
قال ـ رحمه الله ـ (إجابة السائلص:522):(فلابد من الدعوة بحكمة وموعظة حسنة ,وأن تعرف من تواجه , أنت تواجه أخاكالمسلم لاتستحل ماله , ولادمه , ولاعرضه ,فإن قبل منك اليوم وإلا سيقبل منك غداً ,أو بعد غد) .
وكأني به ـ رحمه الله ـ يوجه هذه الكلمات , ويخاطب بهذه العبارات .أولئك الذين جعلوا مواجهة المسلمين بالغلظة والشدة منهجاً يسيرون عليه ,وطريقاًلايستطيعون العيش من دونه .لايرعون للحكمة في دعوتهم ,ولايعطونها في إرشادهم أي رفق ,أو لين جانب . كأن الغلظة وحي كلفوا بتبليغه, أو نوراً يستضيئون به في طريق دعوتهمنسأل الله العافية
ويقول الشيخ ـ رحمه الله ـ (إجابة السائل ص:521):(فلابد أنتصبر على العامي ,ولابد أن تصبر على طلب العلم ,ولابد أن تصبر أيضاً على أبيك وأمك ,وعلى أخيك ,وأختك ,وعلى مجتمعك .
ماتكون فظاً غليظاً ولاتنتصر لنفسك ,وربماتكون الخصومة شهوة نفس فينبغي أن تبتعد عن شهوة النفس ,وعن حظوظها والله المستعان ) من إضاءة هذه الكلمات الصبر على المجتمع بمافيه من كبير وصغير , وقريب وبعيد , وموافق ومخالف .
ثم يذكر الشيخ ـ رحمه الله ـ بالبعد عن منهج الغلظة ,وسبيلالفظاظة والذي سلكه غلاة التجريح وكأن الغلظة وحيا كلفوا بتبليغه, أو نورأ يستضيئونبه في طريق دعوتهم نسأل الله العافية .
وكم هو خبير ـ رحمه الله ـ بدخائل هذاالمنهج ودغائله , فغالباً ماتحكم كثيراً من هؤلاء حظوظ النفس ,والانتصار لها بحجةالدفاع عن السنة ,وباسم علم الجرح والتعديل ,والذي اتخذوه شماعة للطعن في الأبرياء ,فتستحل الأعراض , وتستباح الحرمات ,وتنتهك الحدود وكل ذلك تعلقا بهذه الحجة ـزعموا ـ .
وفي شهادة عدد من العلماء المعاصرين كالشيخ العباد وغيره ,ممن شهد ,وعايش بعض الفتن التي يشعلها هؤلاء خير دليل في تعضيد كلام شيخنا وتأكيده .حيثقالوا : (هي حظوظ نفس ) .
وقال ـ رحمه الله ـ(إجابة السائل ص:521) :(ونحن فيمجتمع لانستطيع أن ندعوه إلا بالرفق واللين لماذا ؟ لأنه ليس بأيدينا سلطة ,ثم بعدذلك المجتمع هو رأس مالنا فلاينبغي أن ننفر المجتمع ...) .
وياليت أن غلاةالتجريح أخذوا بهذه الوصية , وقبلوا الهدية .إذاً لكفيت الأمة شراً كثيراً ,وخطراًمستطيراً .
وكثيراً ماكان يكرر ـ رحمه الله ـ هذه الكلمة في دروسه ومحاضراته :(المجتمع رأس مالنا ) . فأين الحفاظ على رأس المال , والذي قدمه الغلاة لأعداءالسنة بطبق من ذهب .بسوء الأخلاق ,والتنفير والشقاق .والفوضة في الدعوة ,والبعد عنأخلاق القدوة , ومن هم خير إسوة.
فأصبحت السلفية حديث المجالس والاجتماعات ,وعناوين الجرائد والمجلات ,وزد على هذا الإذاعات والقنوات .
ففي كل محفل وجدالمغرضون مايتحدثون به على هذه الدعوة المباركة .وماذاك إلا بالفوضى المنسوبةللسلفية زوراً وبهتاناً.فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وقال شيحنا ـ رحمه الله ـ (قمع المعاند ص: 423):وقد سئل عن بعض أهل البدع (فعليكم أن تقفوا في وجوه هؤلاءالمبتدعة ,وأن تحذروا الناس منهم , والوقوف بحسب الاستطاعة لاأقول تدخلون معهم فيمساجدهم ولا في المساجد التي يأتون إليها وتتضاربون فإن هذا مماتقر به أعينالشيوعيين.)
وانتقل بعض سفهاء الغلاة وجهلاءهم من طور الجرح والتجريح إلىالمضاربة والملاكمة والتشريح . مع الخصوم , في المساجد وغيرها وكم شاهدنا في واقعنامن هذا السفه , فمن أجل ورقة في لائحة المسجد وقع الضرب واللكم والركل ووصلتالمضاربة من داخل المسجد إلى خارجه .
حتى أن عامياً سأل ماهذا ؟ قالوا : السلفيون والإخوان تضاربوا .فقال : دعوني مع راغب علامة (فنان ماجن ) خير لي .اللهمإنا نستغفرك من هذا .
وقام أحدهم ممن عاد من أحد المراكز ليلقي كلمة في بعضالمساجد ,فلم يعطه الإمام مكبر الصوت , فأراد أخذه بالقوة ,ومن ثم انهال سباًوشتماً على الإمام وضج المسجد بالفتنة نسأل الله العافية .
فأين الصبر ,وأيننصائح هذا العالم الذي يزعم هؤلاء أنهم على منواله ,والذي أصبح تعييرهم لمن خالفهمبأنه خالف دعوة الشيخ مقبل وفارق منواله .فهل مايقومون به من هذه الفتن هو عين دعوةالشيخ رحمه الله ـ أم ماذا ؟ .
قال ـ رحمه الله ـ (قمع المعاند ص: 423):(والقنوتـ يعني قنوت الفجر ـ لاينبغي أن يكون سبباً للخصام والنزاع ,فإن هذا مماتقر به أعينأعداء الإسلام ,فالشيوعيون يحبون أن يتخاصم أصحاب المساجد ,فأصحاب السنة إناستطاعوا أن يصلوا بالناس فعلوا ,وإن استطاعوا أن يبنوا لهم مسجداً فعلوا ,وإناستطاعوا أن يذهبوا إلى مساجد سنة فعلوا , وإذالم يستطيعوا فليصلوا مع المسلمين ,والصلاة صحيحة أقنت أم لم يقنت ...) .
فالحفاظ على جمال الإسلام والسنة وعدمتشويهها عند الأعداء والخصوم من أعظم ماكان يوصي به , ويحذر الدعاة ألا ينجروا إلىخطط الأعداء والذين حالهم كماقيل :( اقتلوني ومالكاً واقتلوا ملكاً معي ) .
فهلمن يعي من أصحاب الفوضى مثل هذا ؟ وللأسف فكم من فتن هنا وهناك من أجل أن الإمامالفلاني يقنت ,أو غيرها من القضايا الفقهية التي هي مابين راجح ومرجوح .
وكتبه أبومالك عدنان المقطري
اليمن ـ تعز 16/ربيع الأول /1431هـ . .
يتبع إن شاء الله
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد : فإن شيخنا العلامة , المحدث الفهامة , الإمام الألمعي مقبل بن هادي الوادعي ـ رحمه الله ـ من العلماء الأجلاء والمشايخ النجباء , الذين نفع الله بهم العباد , وأروى بهم البلاد .ولقد ترك للأمة تراثاً كبيراً , وخيراً كثيراً .
وإن مما يخفى على بعض الناس ماكان يتحلى به ـ رحمه الله ـ من الأخلاق العالية , والآداب الراقية , فهو الأب المربي , والعالم بما قال ربي .في كتابه الكريم ومحكم آيات التنزيل :{وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }الشعراء:215 , وقال تعا لى : { َاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ }الحجر:88 .
وكان شديد البغض والكراهية , لمنهج الغلو والشدة ممن ينتسب للسلفية .ولقد انتسب قوم لشيخنا الوادعي ـ رحمه الله ـ وهم من طلابه وتلاميذه , وممن تربى على يده , ودرس في داره ومركزه .
ولكن للأسف كانوا بئس الطلاب , وشر الأحباب , ومن أسوء الأصحاب . فأسأوا إليه ,وماأحسنوا عليه .شوهوا صورة الشيخ الجميلة ,ومنزلته الجليلة , بسوء أعمالهم ,وحماقة تصرفاتهم , فشادوا الدين , ونفروا المؤمنين ,وأبعدوا الراغبين , وكرهوا المحبين .
بتأصيلهم قواعد دخيلة ,وأصول عليلة . للشيخ الكريم نسبوها ولطريقته أثبتوها , والمنصف المدقق , الورع المحقق .في منهجيته ,وسيره وطريقته , يوقن بجلاء أن هؤلاء دخلاء . وأن الشيخ من منهجيتهم ومانسبوه إليه براء .وهذا ماأسعى لإثباته من محاضراته وكتاباته , ومن واقع عشناه , ومنهج تلقيناه .على يديه وتحت ركبتيه .أذكره وأرويه , بلفظه ومايحويه .بإسناد عال , يرد زيف كل غال , ومفتري كذاب خالف الحق والصواب .وعاند أولي الألباب ,وسلك طرق الشك والارتياب . وكتبه /محب الشيخ وتلميذه أبو مالك عدنان بن عبده بن أحمد المقطري .
15 ربيع الأول 1431 هـ اليمن ـ تعز
(1)تحذير شيخنا ـ رحمه الله ـ من الغلو وبغضه لذلك
لقد كان الشيخ يدعو في محاضراته وكتبه إلى ترك الغلو , محذراً من إثمه وخطره , منبهاًعلى عواقبه وضرره .ففي كتابه رياض الجنة في الرد على أعداء السنة ) (ص:290ـ293) قال ـ رحمه الله ـ والله ورسوله قد نهيا عن الغلو , فقال تعالى مبينا ضلال النصارى بسبب الغلو : { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ{72} لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{73} أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{74} مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ{75} قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَاللّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{76} قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ{77} المائدة .
وقال تعالى: { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً{171}} النساء .وقال تعالى : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ{30} اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ{31} }التوبة .
وقال تعالى :{ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ{79} وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ{80} آل عمران .
وقال تعالى في الرد على قريش : { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ{18}يونس
وقال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً{88} لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً{89} تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً{90} أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً{91} وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً{92} إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً{93}مريم .
والآيات في القرآن الكريم التي تنهى عن الغلو وتشنيع على أهله كثيرة جداً, وأما الأحاديث فتقتصر على مايلي :
1ـ عن عمر ـ رضي الله عنه ـ ،قال : سمعت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : " لا تطروني ، كما أطرت النصارى ابن مريم ، فإنما أنا عبد الله ، ورسوله "رواه البخاري (ج 7ص300) , وأحمد (ج123,24 , 47, 55) .
2 ـ عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ غداة العقبة وهو على ناقته :"القط لي حصى ) . فلقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف , فجعل ينفضهن في كفه ويقول :"أمثال هؤلاء فارموا ".ثم قال :"ياأيها الناس ,إياكم والغلو في الدين ,فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ".رواه النسائي (ج5ص 218 ) , وابن ماجة واللفظ له ( ج 2ص 1008) ,وأحمد (1ص 215 ) ,وابن حبان كما في موارد الظمآن (ص 249), والحاكم (ج1 ص 466) , وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين , ولم يخرجاه وأقره الذهبي , فإذا كان هذا في الحصى فكيف بغيره ممن يستغيث برسول الله وغيره من الأولياء , ويصرف له من العبادة مالايجوز إلا لله .
3 ـ عن مطرف قال : قال أبي : انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : فقلنا : أنت سيدنا ، فقال : " السيد الله ـ تبارك وتعالى ـ " قلنا : وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا ، فقال : " قولوا بقولكم ، أو بعض قولكم ، ولا يستجرينكم الشيطان "رواه أبوداود , قال أبو الطيب في عون المعبود(ج4 ص 402 ): وحديث عبدالله بن الشخير إسناده صحيح , وأخرجه أحمد .
قلت ـ شيخنا ـ :هو في المسند (ج 4 ص 25 ) .
4ـ عن أنس ، : أن رجلا قال : يا محمد يا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا فقال : " يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستجرينكم الشيطان أو الشياطين ـ قال : ـ إحدى الكلمتين ـ أنا محمد بن عبد الله , عبدالله ورسوله , ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ـ عزوجل ـ " رواه أحمد (ج3 ص 249 ) , ورجاله رجال الصحيح .
والأحاديث كثيرة جداً, وفيما ذكرنا من الآيات والأحاديث مقنع لمن كان يريد الحق وينقاد له , أما من يتبع هواه وما عليه الآباء والأجداد , وما عليه الأكثرية , فإنك لو أتيته بكل آية لما أذعن لها , بل يتلقاها بالعناد والمكابرة كما هو شأن المقلدة . ...) ازهـ .
فالغلو في الدين تحت أي مسمى كان , ولوكانت أشرف المسميات ,كالسلفية والسنة والحق كل هذا وغيره مما بين الشيخ ـ رحمه الله ـ حرمته , وذكر بالنهي عنه , وكان ـ رحمه الله ـ شديد البغض للغلو قي الدين , وقد حاور أهله ,ورد على حزبه. ونقض أساسهم ,وكشف زيفهم . وحذر من شبههم الخادعة , بالأدلة والبراهين القاطعة .
وهذا ماسنأتي إليه بالتفصيل , ونعرج عليه بالدليل . فيما يتيع من الحلقات , والأعداد النيرات بتوفيق رب الأرض والسموات .
(2(الدعوة إلى الرفق معالآخرين
إن الدعوة إلى الله ـ عزوجل ـ مبناهاعلى الرفق ,وأساسها اللين . وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على فضيلة الرفق , والحث علىالتخلق به :
ففي كتاب الله ـ عزوجل ـ :
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَلَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُعَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَفَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ }آلعمران159
فامتن الله ـ عزوجل ـ على نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن جعله رفيقاًليناً حليماً . ـ صلى الله عليه وسلم ـ
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذروابن أبي حاتم عن قتادة في قوله (فبما رحمة من الله ) , يقول : أيوالله طهره منالفظاظة والغلظة وجعله قريبا رحيما رؤوفا بالمؤمنين .
وأخرج ابن أبي حاتم عنالحسن أنه سئل عن هذه الآية فقال : هذا خلق محمد ـ صلى الله عليه و سلم ـ نعته الله .
قال ابن كثير (1/ 429):(ثم قال تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَالْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} والفظ الغليظ، والمراد به ههنا غليظ الكلاملقوله بعد ذلك {غَلِيظَ الْقَلْبِ} أي لو كنت سيء الكلام، قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفاً لقلوبهم، كما قالعبد الله بن عمرو: "إني أرى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمةإنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفوويصفح"
وفي السنة النبوية :
عن عائشة زوج النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ : أن رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ قال :يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفقويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه ) رواه البخاري (6927), ومسلم ( 2593)
2 ـ عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنهاركبت بعيرا فكانت فيهصعوبة فجعلت تردده : فقال لها رسول الله صلى الله عليه و سلم عليك بالرفق ثم ذكربمثله: عن النبي صلى الله عليه و سلم قال إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولاينزع من شيء إلا شانه ) رواه مسلم (2594 ) ,وأبوداود (2478)
قال الإمام النووي ـرحمه الله ـ : (وفي هذه الأحاديث فضل الرفق والحث على التخلق وذم العنف والرفق سببكل خير , ومعنى يعطي على الرفق أي يثيب عليه مالا يثيب على غيره . وقال القاضي :معناه يتأتى به من الأغراض ويسهل من المطالب مالا يتأتى بغيره ) .
وبعد :فلقدكان شيخنا ـ رحمه الله تعالى ـ من أعظم الناس مناداة بالرفق , ونُصح الدعاة علىالتخلق به ,ونهيهم عن الغلظة والفظاظة .
قال ـ رحمه الله ـ (إجابة السائلص:522):(فلابد من الدعوة بحكمة وموعظة حسنة ,وأن تعرف من تواجه , أنت تواجه أخاكالمسلم لاتستحل ماله , ولادمه , ولاعرضه ,فإن قبل منك اليوم وإلا سيقبل منك غداً ,أو بعد غد) .
وكأني به ـ رحمه الله ـ يوجه هذه الكلمات , ويخاطب بهذه العبارات .أولئك الذين جعلوا مواجهة المسلمين بالغلظة والشدة منهجاً يسيرون عليه ,وطريقاًلايستطيعون العيش من دونه .لايرعون للحكمة في دعوتهم ,ولايعطونها في إرشادهم أي رفق ,أو لين جانب . كأن الغلظة وحي كلفوا بتبليغه, أو نوراً يستضيئون به في طريق دعوتهمنسأل الله العافية
ويقول الشيخ ـ رحمه الله ـ (إجابة السائل ص:521):(فلابد أنتصبر على العامي ,ولابد أن تصبر على طلب العلم ,ولابد أن تصبر أيضاً على أبيك وأمك ,وعلى أخيك ,وأختك ,وعلى مجتمعك .
ماتكون فظاً غليظاً ولاتنتصر لنفسك ,وربماتكون الخصومة شهوة نفس فينبغي أن تبتعد عن شهوة النفس ,وعن حظوظها والله المستعان ) من إضاءة هذه الكلمات الصبر على المجتمع بمافيه من كبير وصغير , وقريب وبعيد , وموافق ومخالف .
ثم يذكر الشيخ ـ رحمه الله ـ بالبعد عن منهج الغلظة ,وسبيلالفظاظة والذي سلكه غلاة التجريح وكأن الغلظة وحيا كلفوا بتبليغه, أو نورأ يستضيئونبه في طريق دعوتهم نسأل الله العافية .
وكم هو خبير ـ رحمه الله ـ بدخائل هذاالمنهج ودغائله , فغالباً ماتحكم كثيراً من هؤلاء حظوظ النفس ,والانتصار لها بحجةالدفاع عن السنة ,وباسم علم الجرح والتعديل ,والذي اتخذوه شماعة للطعن في الأبرياء ,فتستحل الأعراض , وتستباح الحرمات ,وتنتهك الحدود وكل ذلك تعلقا بهذه الحجة ـزعموا ـ .
وفي شهادة عدد من العلماء المعاصرين كالشيخ العباد وغيره ,ممن شهد ,وعايش بعض الفتن التي يشعلها هؤلاء خير دليل في تعضيد كلام شيخنا وتأكيده .حيثقالوا : (هي حظوظ نفس ) .
وقال ـ رحمه الله ـ(إجابة السائل ص:521) :(ونحن فيمجتمع لانستطيع أن ندعوه إلا بالرفق واللين لماذا ؟ لأنه ليس بأيدينا سلطة ,ثم بعدذلك المجتمع هو رأس مالنا فلاينبغي أن ننفر المجتمع ...) .
وياليت أن غلاةالتجريح أخذوا بهذه الوصية , وقبلوا الهدية .إذاً لكفيت الأمة شراً كثيراً ,وخطراًمستطيراً .
وكثيراً ماكان يكرر ـ رحمه الله ـ هذه الكلمة في دروسه ومحاضراته :(المجتمع رأس مالنا ) . فأين الحفاظ على رأس المال , والذي قدمه الغلاة لأعداءالسنة بطبق من ذهب .بسوء الأخلاق ,والتنفير والشقاق .والفوضة في الدعوة ,والبعد عنأخلاق القدوة , ومن هم خير إسوة.
فأصبحت السلفية حديث المجالس والاجتماعات ,وعناوين الجرائد والمجلات ,وزد على هذا الإذاعات والقنوات .
ففي كل محفل وجدالمغرضون مايتحدثون به على هذه الدعوة المباركة .وماذاك إلا بالفوضى المنسوبةللسلفية زوراً وبهتاناً.فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وقال شيحنا ـ رحمه الله ـ (قمع المعاند ص: 423):وقد سئل عن بعض أهل البدع (فعليكم أن تقفوا في وجوه هؤلاءالمبتدعة ,وأن تحذروا الناس منهم , والوقوف بحسب الاستطاعة لاأقول تدخلون معهم فيمساجدهم ولا في المساجد التي يأتون إليها وتتضاربون فإن هذا مماتقر به أعينالشيوعيين.)
وانتقل بعض سفهاء الغلاة وجهلاءهم من طور الجرح والتجريح إلىالمضاربة والملاكمة والتشريح . مع الخصوم , في المساجد وغيرها وكم شاهدنا في واقعنامن هذا السفه , فمن أجل ورقة في لائحة المسجد وقع الضرب واللكم والركل ووصلتالمضاربة من داخل المسجد إلى خارجه .
حتى أن عامياً سأل ماهذا ؟ قالوا : السلفيون والإخوان تضاربوا .فقال : دعوني مع راغب علامة (فنان ماجن ) خير لي .اللهمإنا نستغفرك من هذا .
وقام أحدهم ممن عاد من أحد المراكز ليلقي كلمة في بعضالمساجد ,فلم يعطه الإمام مكبر الصوت , فأراد أخذه بالقوة ,ومن ثم انهال سباًوشتماً على الإمام وضج المسجد بالفتنة نسأل الله العافية .
فأين الصبر ,وأيننصائح هذا العالم الذي يزعم هؤلاء أنهم على منواله ,والذي أصبح تعييرهم لمن خالفهمبأنه خالف دعوة الشيخ مقبل وفارق منواله .فهل مايقومون به من هذه الفتن هو عين دعوةالشيخ رحمه الله ـ أم ماذا ؟ .
قال ـ رحمه الله ـ (قمع المعاند ص: 423):(والقنوتـ يعني قنوت الفجر ـ لاينبغي أن يكون سبباً للخصام والنزاع ,فإن هذا مماتقر به أعينأعداء الإسلام ,فالشيوعيون يحبون أن يتخاصم أصحاب المساجد ,فأصحاب السنة إناستطاعوا أن يصلوا بالناس فعلوا ,وإن استطاعوا أن يبنوا لهم مسجداً فعلوا ,وإناستطاعوا أن يذهبوا إلى مساجد سنة فعلوا , وإذالم يستطيعوا فليصلوا مع المسلمين ,والصلاة صحيحة أقنت أم لم يقنت ...) .
فالحفاظ على جمال الإسلام والسنة وعدمتشويهها عند الأعداء والخصوم من أعظم ماكان يوصي به , ويحذر الدعاة ألا ينجروا إلىخطط الأعداء والذين حالهم كماقيل :( اقتلوني ومالكاً واقتلوا ملكاً معي ) .
فهلمن يعي من أصحاب الفوضى مثل هذا ؟ وللأسف فكم من فتن هنا وهناك من أجل أن الإمامالفلاني يقنت ,أو غيرها من القضايا الفقهية التي هي مابين راجح ومرجوح .
وكتبه أبومالك عدنان المقطري
اليمن ـ تعز 16/ربيع الأول /1431هـ . .
يتبع إن شاء الله