عبد المجيد محمود الهتاري
01-20-2012, 06:08 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم
وبعد
فقد وصلني سؤال عبر الفيس بوك برسالة خاصة هذا نصه :
ماردكم على من يحاول ان يفرق بين اليات الديمقراطية من نظام يتضمن استقلاليه السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعة والقضائية وبين النظام الديمقراطي كأيدلوجية متكاملة زاعمين ان هذا الفصل ممكن الحدوث ؟
سؤال نطرحه معكم ونود ايضا مناقشته مع الشباب المنسوب للتيار السلفي
بارك الله فيكم
الجواب
السلام عليكم يا شباب الفيس بوك ورحمة الله وبركاته وبعد :
لا بد من الحوار معكم بشرط التكلم بعلم ومنهجية وتأصيل وليس بالعواطف والآراء والأهواء فأنا لست ديمقراطيا أحترم الرأي الآخر كيفما كان وإنما أنا طالب علم احترم الرأي المبني على الاستدلال الصحيح سواء أصاب الحق أو أخطأه
فأقول نعم من الناس من يقول إن الديمقراطية لها جانبان فلسفة ونظرية وهذه كفر، وآلية إدارية للتطبيق والممارسة وهذه موضع اجتهاد
ويجاب عن هذا التفريق بما يلي :
أولا : في هذا الكلام رائحة لفكرة كلامية منطقية قديمة كانت سببا في فساد تصور كثير من أبناء الإسلام وعلمائه ممن اغتروا بهذه الخدعة وهي التفريق بين الجانب العقدي أو النظري للشيء وبين قالبه العملي
وكذلك التفريق في الاعتقاد بين الذات والصفات
وكذلك التفريق بين الإيمان والعمل حيث تم الفصل بينهما فترتب على ذلك خلاف كبير في الأمة كان من نتائجه ظهور الفكر الإرجائي .
والتفريق بين مفهوم لا إله إلا الله وبين العمل لتحقيق ذلك المعنى في الواقع فإنه من المعلوم أن التأله لا يمكن أن ينفك عن جانبه العملي فالإله هو المألوه بالعمل نفسه ، وهذا التفريق جعل بعض الناس يظن أن معنى لا إله إلا الله يمكن أن يتحقق في الشخص بدون جانبه العملي بل بالنطق فقط .
وهذا التفريق بين هذه الأمور فكرة لا حقيقة لها في الواقع فكل عقيدة أو فكرة إنما تبرز وتتمثل في جانبها الخارجي وحين تبدو للناس في الواقع إنما يظهرها جانبها العملي .
فمثلا الكفر له فلسفة وأيدلوجية ولكن حقيقته الخارجية إنما تتمثل في قوالبه العملية وبدون ذلك لا يظهر للناس منه شيئ فمن فرق بينه وبين جوانبه العملية فإنه مبطل ولا شك ، فلا فرق في التصور الاعتقادي بين الشرك وبين العمل به فمن أجازه نظرا فقد أشرك ومن طبقه عملا فقد أشرك وقد أنكر علماء الدعوة السلفية على من أراد أن يفرق بين تلك الأعمال وبين اعتقاد الشرك فردوا عليهم باستحالة أن تصدر تلك الأعمال على وجه التقرب من دون أن تكون شركا ومن دون أن يكون صاحبها غير قاصد للشرك .
فهل يستطيع أحد بهذا التفريق الذهني المجرد الذي لا حقيقة له في الواقع أن يجرد هذه الأمور من مفاسدها التي تترتب على وجودها في الخارج ؟ بمجرد ذلك التفريق الذهني غير الواقعي؟ فإنه من المعلوم أن المقصود الشرعي هو المنع منها لوجود مفاسدها الذاتية وإن كانت أحكامها تتنوع وتختلف لاعتبارات ذهنية وحكمية تتعلق بهذا التفريق لكن مفاسدها الخارجية متحققة بالفعل كيفما كان الحكم على فاعل هذه الأشياء من حيث الاعتبارات الذهنية الأخرى .
وليت شعري لو أن حركة إسلامية نادت بالاشتراكية وطبقتها في ميادين الحياة العملية خصوصا في الجوانب المالية فأممت المزارع والمصانع والممتلكات وغير ذلك زاعمة التفريق بين النظرية والآلية وأن النظرية والفلسفة كفر وأما الآلية فموضع اجتهاد فهل سيكون أيضا لهذا القول وجه صحيح وتصبح الاشتراكية كآلية موضع اجتهاد فعلا وهل يعقل في الخارج الفصل بين النظرية الاشتراكية وتطبيقاتها الواقعية .
ولو أن حركة إسلامية أخرى تبنت العلمانية في جوانب الحياة المختلفة وزعمت التفريق بين العلمانية كنظرية وفلسفة وبين العلمانية كآلية وتطبيق فالأولى كفر وحرام والثانية موضع اجتهاد هل كان سيمكنها ذلك ؟ وهل كان سيسلم لها أهل الإسلام وأهل العلم منهم على وجه الخصوص ؟ ألا فليُعلم أن الديمقراطية هي أم العلمانية بل لا ديمقراطية بلا علمانية .
ولو أن حركة إسلامية أخرى تبنت الدعوة إلى القومية العربية مفرقة بين القومية كنظرية وفلسفة وبين القومية كآلية وتطبيق فالأولى كفر وحرام والثانية موضع اجتهاد هل كان يمكنها ذلك بدون أن تخالف دين الإسلام ، ولو أن حركة إسلامية أخرى تبنت النظام الرأسمالي مفرقة بين النظام الرأسمالي كفلسفة ونظرية وبين النظام الرأسمالي كآلية وتطبيق قائلة الأولى كفر وحرام والثانية موضع اجتهاد ، ولو أن حركة إسلامية أخرى تبنت الشيوعية العامة في كل جوانب الحياة إلا أنها تفرق بين الشيوعية كنظرية وفلسفة فتجعلها كفرا وبين الشيوعية كآلية لنظام اجتماعي شامل فتراه موضع اجتهاد هل كان يمكنها هذا التفريق .؟؟؟؟ .
فإن التزم التفريق بين هذه الأمور المذكورة كلها وجعلها كلها من جهة الآلية موضع اجتهاد تبين بعده عن الدين والمنهج العلمي وإن زعم التفريق بين الديمقراطية وبين هذه الأشياء فقط فيجعل للديمقراطية خصوصية من بين هذه النظم المستوردة كلها وأن هناك فارقا فيها يميزها عن غيرها فليبينه لنا مأجورا مشكورا وإلا فما الذي جعل الديمقراطية وحدها عرضة لهذا التلاعب والتفريق والتمزيق وقد ذكرنا فيما سبق كل تلك المفاسد وهي متعلقة أساسا بالجانب الآلي والتطبيقي لأن هذا الجانب هو الذي ظهر لنا فحكمنا عليه من خلال ظاهره وأما الجانب الفلسفي الاعتقادي فمحله القلوب والتي إن لم يبرز ما فيها إلى الواقع فلن يعلم ما فيها إلا باريها .
والحقيقة أنه ما من ملة ولا دين إلا ويمكن حينئذ التفريق بين نظريته وفلسفته من جهة وبين آليته ووسيلة تطبيقه من جهة أخرى فسنسمع بعد ذلك التفريق بين اليهودية والنصرانية كنظرية وفلسفة وبينهما كآلية ومظاهر وليت شعري حينئذ ما الحكمة الشرعية في النهي الثابت القطعي عن التشبه بالكفار وأنه على وجه الإجمال يمكن أن يكون كفرا ويمكن أن يكون دون ذلك وهو إنما يقع في المظاهر لا في الفلسفة والنظرية .
والخلاصة هل المواصفات والشروط في مجموعة أنظمة ورجال العمل السياسي خاضعة للشرع أم للشعب ففي المنهج السياسي الإسلامي الشرع هو الحكم وفي المنهج الديمقراطي الشعب هو الحكم ثم من أعطاه هذا الحق هل هو ذاتي بحكم أنه صاحب السيادة أم الشرع أعطاه هذا الحق فالمنهج الديمقراطي يقول هو صاحب السيادة والمنهج الإسلامي يقول السيادة لله فإن ادعى مدع أن الشرع أعطى الشعب هذه السيادة المطلقة فأين قال ذلك وكيف ؟ وكان يغني عن هذا كله أن يقال يجب ضبط الاختيار الشعبي بالضوابط الشرعية من خلال لجنة من أهل العلم والاختصاص تطبق الشروط الشرعية على الناجحين ولا يجوز اعتماد مجرد الحصول على أغلبية الأصوات وحينئذ ستنتهي الديمقراطية عند هذه اللجنة .
ثم ما المقصود بالآلية التي هي محل اجتهاد فإن الناظر في الديمقراطية وآليتها يجد المخالفات الشرعية التي يتركز عليها الخلاف هي في الآلية أما الاعتقاد والتصور فما ظهر منه فهو محمي بالديمقراطية نفسها بحجة حرية الرأي وما خفي فليس علينا منه شيء وإنما يتحمله صاحبه والإسلام لا يحاسب إلا على ما ظهر فمثلا :
1 ـ من الآليات المخالفة للشرع مخالفة قطعية آلية الأحزاب فإنه لا ديمقراطية بدون أحزاب ولا أحزاب بدون أيدلوجيات وهذا معلوم من الدين بالضرورة النهي عنه وتحريمه .
2 ـ ومن الآليات المعبرة عن الديمقراطية الانتخابات الحرة والنزيهة وهي حين تكون بين الجماعات الإسلامية وبين الأحزاب العلمانية على حد سواء يحتكم فيها إلى نتائج الصناديق والجميع راض بذلك كيفما كانت ممنوعة قطعا ومحرمة تحريم القطعيات .
3 ـ ومن الآليات المعبرة عن الديمقراطية الصحافة الحرة التي تعبر عن الآراء المختلفة الثقافية والدينية والسياسية ويحصل بذلك فوضى لا زمام لها ولا خطام بلا ضابط ولا منهجية علمية وذلك محرم تحريما قطعيا بل القرآن الكريم يجعل القول عليه بلا علم أعظم الذنوب وما الشرك إلا فرع من فروع القول على الله بلا علم .
4 ـ ومن الآليات المجالس النيابية التي تشرع وتحلل وتحرم بالأغلبية بدون مراعاة للشرع وهذا في العقيدة الإسلامية يسمى طاغوت يجب الكفر به قبل النطق بالتوحيد .
5 ـ ومن الآليات المعبرة عن الديمقراطية التمتع بالحرية الشخصية بحيث تعطيك الديمقراطية الحق في اعتناق أي دين تريده ولو كان الإلحاد أو تتهود أو تتنصر وتصير مجوسيا أو بوذيا ومن المعلوم أن هذا معلوم التحريم والمنع على سبيل القطع ، وتعطيك كذلك حرية العلاقة والصداقة فليس عندها مانع أن يكون صديقك الذي توده وتحبه كافرا ملحدا أو يهوديا أو نصرانيا وهذا محرم في العقيدة الإسلامية بل هو من نواقضها فلا يبقى للعقيدة مع هذه الصداقة أو الحرية وجود وتعطيك كذلك حرية العلاقة مع المرأة الأجنبية وممارسة الحب معها برضاها ومعلوم تحريم هذا تحريما قطعيا في الإسلام .
6 ـ ومن الآلية المعبرة عن الديمقراطية في العملية السياسية التبادل السلمي للسلطة وهذا لا يجيزه الإسلام لو كان التبادل بين جهات إسلامية فكيف إذا كان بين جهات إسلامية وعلمانية ؟ .
7 ـ ومن الآليات المعبرة عن الديمقراطية أن تكون للأحزاب برامج سياسية وانتخابية تبنى تلك البرامج على نقاط وأعمال ذات طابع دنيوي بحت ولا يجوز أن يكون في طياتها ما يعتمد على عقيدة دينية تبنى عليها السياسة برمتها ومعلوم مخالفة هذا للإسلام مخالفة قطعية فإن العلماء متفقون على تعريف الإمامة السياسية بأنها إقامة الدين وسياسة الدنيا به فالإسلام يجعل العقيدة هي الأصل قال شيخ الإسلام ابن تيمية المقصود والواجب بالولايات إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينا ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا وإصلاح ما لا يقوم الين إلا به من أمر دنياهم .
وفي هذه البرامج يتم وضع قوانين منظمة لكيفية التعامل بين هذه الأحزاب يتم الموافقة فيها على أن الاختلاف لا يفسد للود قضية وعلى أن التكفير لأي حزب أو هيئة أو شخص أو برنامج سياسي ممنوع ويتم الاتفاق فيها على تحريم تبني أي نظام آخر غير النظام الجمهوري ويتم فيها تجويز استقطاب هذه الأحزاب لمن تريد من أبناء الإسلام ويتم فيها تجويز الإنفاق على هذه الأحزاب من بيت مال المسلمين فأين موضع الاجتهاد في هذه الآليات وأما إذا وضعت الضوابط والشروط وقيدت أيادي العلمانيين والمفسدين بها فهذه ليست ديمقراطية ولا تجد أحدا يقول أنها ديمقراطية بالمفهوم العالمي لها .
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم
وبعد
فقد وصلني سؤال عبر الفيس بوك برسالة خاصة هذا نصه :
ماردكم على من يحاول ان يفرق بين اليات الديمقراطية من نظام يتضمن استقلاليه السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعة والقضائية وبين النظام الديمقراطي كأيدلوجية متكاملة زاعمين ان هذا الفصل ممكن الحدوث ؟
سؤال نطرحه معكم ونود ايضا مناقشته مع الشباب المنسوب للتيار السلفي
بارك الله فيكم
الجواب
السلام عليكم يا شباب الفيس بوك ورحمة الله وبركاته وبعد :
لا بد من الحوار معكم بشرط التكلم بعلم ومنهجية وتأصيل وليس بالعواطف والآراء والأهواء فأنا لست ديمقراطيا أحترم الرأي الآخر كيفما كان وإنما أنا طالب علم احترم الرأي المبني على الاستدلال الصحيح سواء أصاب الحق أو أخطأه
فأقول نعم من الناس من يقول إن الديمقراطية لها جانبان فلسفة ونظرية وهذه كفر، وآلية إدارية للتطبيق والممارسة وهذه موضع اجتهاد
ويجاب عن هذا التفريق بما يلي :
أولا : في هذا الكلام رائحة لفكرة كلامية منطقية قديمة كانت سببا في فساد تصور كثير من أبناء الإسلام وعلمائه ممن اغتروا بهذه الخدعة وهي التفريق بين الجانب العقدي أو النظري للشيء وبين قالبه العملي
وكذلك التفريق في الاعتقاد بين الذات والصفات
وكذلك التفريق بين الإيمان والعمل حيث تم الفصل بينهما فترتب على ذلك خلاف كبير في الأمة كان من نتائجه ظهور الفكر الإرجائي .
والتفريق بين مفهوم لا إله إلا الله وبين العمل لتحقيق ذلك المعنى في الواقع فإنه من المعلوم أن التأله لا يمكن أن ينفك عن جانبه العملي فالإله هو المألوه بالعمل نفسه ، وهذا التفريق جعل بعض الناس يظن أن معنى لا إله إلا الله يمكن أن يتحقق في الشخص بدون جانبه العملي بل بالنطق فقط .
وهذا التفريق بين هذه الأمور فكرة لا حقيقة لها في الواقع فكل عقيدة أو فكرة إنما تبرز وتتمثل في جانبها الخارجي وحين تبدو للناس في الواقع إنما يظهرها جانبها العملي .
فمثلا الكفر له فلسفة وأيدلوجية ولكن حقيقته الخارجية إنما تتمثل في قوالبه العملية وبدون ذلك لا يظهر للناس منه شيئ فمن فرق بينه وبين جوانبه العملية فإنه مبطل ولا شك ، فلا فرق في التصور الاعتقادي بين الشرك وبين العمل به فمن أجازه نظرا فقد أشرك ومن طبقه عملا فقد أشرك وقد أنكر علماء الدعوة السلفية على من أراد أن يفرق بين تلك الأعمال وبين اعتقاد الشرك فردوا عليهم باستحالة أن تصدر تلك الأعمال على وجه التقرب من دون أن تكون شركا ومن دون أن يكون صاحبها غير قاصد للشرك .
فهل يستطيع أحد بهذا التفريق الذهني المجرد الذي لا حقيقة له في الواقع أن يجرد هذه الأمور من مفاسدها التي تترتب على وجودها في الخارج ؟ بمجرد ذلك التفريق الذهني غير الواقعي؟ فإنه من المعلوم أن المقصود الشرعي هو المنع منها لوجود مفاسدها الذاتية وإن كانت أحكامها تتنوع وتختلف لاعتبارات ذهنية وحكمية تتعلق بهذا التفريق لكن مفاسدها الخارجية متحققة بالفعل كيفما كان الحكم على فاعل هذه الأشياء من حيث الاعتبارات الذهنية الأخرى .
وليت شعري لو أن حركة إسلامية نادت بالاشتراكية وطبقتها في ميادين الحياة العملية خصوصا في الجوانب المالية فأممت المزارع والمصانع والممتلكات وغير ذلك زاعمة التفريق بين النظرية والآلية وأن النظرية والفلسفة كفر وأما الآلية فموضع اجتهاد فهل سيكون أيضا لهذا القول وجه صحيح وتصبح الاشتراكية كآلية موضع اجتهاد فعلا وهل يعقل في الخارج الفصل بين النظرية الاشتراكية وتطبيقاتها الواقعية .
ولو أن حركة إسلامية أخرى تبنت العلمانية في جوانب الحياة المختلفة وزعمت التفريق بين العلمانية كنظرية وفلسفة وبين العلمانية كآلية وتطبيق فالأولى كفر وحرام والثانية موضع اجتهاد هل كان سيمكنها ذلك ؟ وهل كان سيسلم لها أهل الإسلام وأهل العلم منهم على وجه الخصوص ؟ ألا فليُعلم أن الديمقراطية هي أم العلمانية بل لا ديمقراطية بلا علمانية .
ولو أن حركة إسلامية أخرى تبنت الدعوة إلى القومية العربية مفرقة بين القومية كنظرية وفلسفة وبين القومية كآلية وتطبيق فالأولى كفر وحرام والثانية موضع اجتهاد هل كان يمكنها ذلك بدون أن تخالف دين الإسلام ، ولو أن حركة إسلامية أخرى تبنت النظام الرأسمالي مفرقة بين النظام الرأسمالي كفلسفة ونظرية وبين النظام الرأسمالي كآلية وتطبيق قائلة الأولى كفر وحرام والثانية موضع اجتهاد ، ولو أن حركة إسلامية أخرى تبنت الشيوعية العامة في كل جوانب الحياة إلا أنها تفرق بين الشيوعية كنظرية وفلسفة فتجعلها كفرا وبين الشيوعية كآلية لنظام اجتماعي شامل فتراه موضع اجتهاد هل كان يمكنها هذا التفريق .؟؟؟؟ .
فإن التزم التفريق بين هذه الأمور المذكورة كلها وجعلها كلها من جهة الآلية موضع اجتهاد تبين بعده عن الدين والمنهج العلمي وإن زعم التفريق بين الديمقراطية وبين هذه الأشياء فقط فيجعل للديمقراطية خصوصية من بين هذه النظم المستوردة كلها وأن هناك فارقا فيها يميزها عن غيرها فليبينه لنا مأجورا مشكورا وإلا فما الذي جعل الديمقراطية وحدها عرضة لهذا التلاعب والتفريق والتمزيق وقد ذكرنا فيما سبق كل تلك المفاسد وهي متعلقة أساسا بالجانب الآلي والتطبيقي لأن هذا الجانب هو الذي ظهر لنا فحكمنا عليه من خلال ظاهره وأما الجانب الفلسفي الاعتقادي فمحله القلوب والتي إن لم يبرز ما فيها إلى الواقع فلن يعلم ما فيها إلا باريها .
والحقيقة أنه ما من ملة ولا دين إلا ويمكن حينئذ التفريق بين نظريته وفلسفته من جهة وبين آليته ووسيلة تطبيقه من جهة أخرى فسنسمع بعد ذلك التفريق بين اليهودية والنصرانية كنظرية وفلسفة وبينهما كآلية ومظاهر وليت شعري حينئذ ما الحكمة الشرعية في النهي الثابت القطعي عن التشبه بالكفار وأنه على وجه الإجمال يمكن أن يكون كفرا ويمكن أن يكون دون ذلك وهو إنما يقع في المظاهر لا في الفلسفة والنظرية .
والخلاصة هل المواصفات والشروط في مجموعة أنظمة ورجال العمل السياسي خاضعة للشرع أم للشعب ففي المنهج السياسي الإسلامي الشرع هو الحكم وفي المنهج الديمقراطي الشعب هو الحكم ثم من أعطاه هذا الحق هل هو ذاتي بحكم أنه صاحب السيادة أم الشرع أعطاه هذا الحق فالمنهج الديمقراطي يقول هو صاحب السيادة والمنهج الإسلامي يقول السيادة لله فإن ادعى مدع أن الشرع أعطى الشعب هذه السيادة المطلقة فأين قال ذلك وكيف ؟ وكان يغني عن هذا كله أن يقال يجب ضبط الاختيار الشعبي بالضوابط الشرعية من خلال لجنة من أهل العلم والاختصاص تطبق الشروط الشرعية على الناجحين ولا يجوز اعتماد مجرد الحصول على أغلبية الأصوات وحينئذ ستنتهي الديمقراطية عند هذه اللجنة .
ثم ما المقصود بالآلية التي هي محل اجتهاد فإن الناظر في الديمقراطية وآليتها يجد المخالفات الشرعية التي يتركز عليها الخلاف هي في الآلية أما الاعتقاد والتصور فما ظهر منه فهو محمي بالديمقراطية نفسها بحجة حرية الرأي وما خفي فليس علينا منه شيء وإنما يتحمله صاحبه والإسلام لا يحاسب إلا على ما ظهر فمثلا :
1 ـ من الآليات المخالفة للشرع مخالفة قطعية آلية الأحزاب فإنه لا ديمقراطية بدون أحزاب ولا أحزاب بدون أيدلوجيات وهذا معلوم من الدين بالضرورة النهي عنه وتحريمه .
2 ـ ومن الآليات المعبرة عن الديمقراطية الانتخابات الحرة والنزيهة وهي حين تكون بين الجماعات الإسلامية وبين الأحزاب العلمانية على حد سواء يحتكم فيها إلى نتائج الصناديق والجميع راض بذلك كيفما كانت ممنوعة قطعا ومحرمة تحريم القطعيات .
3 ـ ومن الآليات المعبرة عن الديمقراطية الصحافة الحرة التي تعبر عن الآراء المختلفة الثقافية والدينية والسياسية ويحصل بذلك فوضى لا زمام لها ولا خطام بلا ضابط ولا منهجية علمية وذلك محرم تحريما قطعيا بل القرآن الكريم يجعل القول عليه بلا علم أعظم الذنوب وما الشرك إلا فرع من فروع القول على الله بلا علم .
4 ـ ومن الآليات المجالس النيابية التي تشرع وتحلل وتحرم بالأغلبية بدون مراعاة للشرع وهذا في العقيدة الإسلامية يسمى طاغوت يجب الكفر به قبل النطق بالتوحيد .
5 ـ ومن الآليات المعبرة عن الديمقراطية التمتع بالحرية الشخصية بحيث تعطيك الديمقراطية الحق في اعتناق أي دين تريده ولو كان الإلحاد أو تتهود أو تتنصر وتصير مجوسيا أو بوذيا ومن المعلوم أن هذا معلوم التحريم والمنع على سبيل القطع ، وتعطيك كذلك حرية العلاقة والصداقة فليس عندها مانع أن يكون صديقك الذي توده وتحبه كافرا ملحدا أو يهوديا أو نصرانيا وهذا محرم في العقيدة الإسلامية بل هو من نواقضها فلا يبقى للعقيدة مع هذه الصداقة أو الحرية وجود وتعطيك كذلك حرية العلاقة مع المرأة الأجنبية وممارسة الحب معها برضاها ومعلوم تحريم هذا تحريما قطعيا في الإسلام .
6 ـ ومن الآلية المعبرة عن الديمقراطية في العملية السياسية التبادل السلمي للسلطة وهذا لا يجيزه الإسلام لو كان التبادل بين جهات إسلامية فكيف إذا كان بين جهات إسلامية وعلمانية ؟ .
7 ـ ومن الآليات المعبرة عن الديمقراطية أن تكون للأحزاب برامج سياسية وانتخابية تبنى تلك البرامج على نقاط وأعمال ذات طابع دنيوي بحت ولا يجوز أن يكون في طياتها ما يعتمد على عقيدة دينية تبنى عليها السياسة برمتها ومعلوم مخالفة هذا للإسلام مخالفة قطعية فإن العلماء متفقون على تعريف الإمامة السياسية بأنها إقامة الدين وسياسة الدنيا به فالإسلام يجعل العقيدة هي الأصل قال شيخ الإسلام ابن تيمية المقصود والواجب بالولايات إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينا ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا وإصلاح ما لا يقوم الين إلا به من أمر دنياهم .
وفي هذه البرامج يتم وضع قوانين منظمة لكيفية التعامل بين هذه الأحزاب يتم الموافقة فيها على أن الاختلاف لا يفسد للود قضية وعلى أن التكفير لأي حزب أو هيئة أو شخص أو برنامج سياسي ممنوع ويتم الاتفاق فيها على تحريم تبني أي نظام آخر غير النظام الجمهوري ويتم فيها تجويز استقطاب هذه الأحزاب لمن تريد من أبناء الإسلام ويتم فيها تجويز الإنفاق على هذه الأحزاب من بيت مال المسلمين فأين موضع الاجتهاد في هذه الآليات وأما إذا وضعت الضوابط والشروط وقيدت أيادي العلمانيين والمفسدين بها فهذه ليست ديمقراطية ولا تجد أحدا يقول أنها ديمقراطية بالمفهوم العالمي لها .