محمد رشيد
08-24-2009, 12:50 AM
في أول ما عرفت سيد قطب رحمه الله عرفته من سفره العظيم المشهور « في ظلال القرآن » ذلك السفر الذي حرمت منه سنوات وكان أمامي متيسر التناول، فإذا بي أقع على مرشدي إلى كتاب الله، الذي علم نفسي وروحي كيف يكون العمل مع كتاب الله تعالى وبه، فطوّق الله به جميلا ودينا في عنقي لمؤلفه الذي طوّق عنقه بحبال الشرف والعزة والشهادة.
عشت مع الظلال أكثر مما عشت مع غيره من مصنفات الداعية الربانيّ، واطلعت اطلاعات متعددة في كتابه الثمين « معالم في الطريق » وكان يروقني العنوان إلى حد بعيد، فهو يناسب شخصيتي الصورية؛ حيث أتصور المعاني الذهنية مجسدة في صور حية مصمتة أو ضبابية بحسب قوة المعنى، متحركة أو ساكنة بحسب تركيب المعنى وبساطته.. فكنت أتصور (المعالم التي في الطريق) إنها إشارات ويافطات، أو مشاهد من هضاب وجبال.. ولكنها على كل حال معالم ترشد السائر في الطريق.. ثم علمت أن أغلب محتويات الكتاب هي في أصلها من الظلال، وحينما تعايشت مع الظلال ربما وجدت أن بعض محاور كتاب المعالم قد أحسن قطب في تفصيلها بصورة أشفى في الظلال، بل إن هذا طبيعي حيث إن المعالم لم يؤلف ككتاب وإنما هو مذكرة إرشاد كتبها قطب في السجن إلى أعضاء جماعة الإخوان ثم أوصى الهضيبي بجعلها كتابا، فكان استدراك قطب على نصيحة الهضيبي أنه ما قصد منها أن تكون كتابا وإنما مذكرة إلى الإخوان، فكان رد الهضيبي أنه لا مانع من تعميم الفائدة.. فكان من المتوقع أن تكون تلك المواضع ذات تفصيل في الظلال.
ورغم ذلك فأذكر حينما ذهبت وأنا بالقاهرة إلى مكتبة الشروق لشراء نسخة من كتاب المعالم، حيث سألت عن الكتاب رجلا كبيرا في السن نوعا ويعمل بالمكتبة، فصاح فيّ الرجل فجأة قائلا: " إنت عاوز تودينا في داهية!! الكتاب ممنوع!" ..ثم أجد الجميع ـ مؤيدين ومعارضين ـ حينما يتناولون دعوة سيد قطب وقضية إعدامه فإنهم يتناولون رئيسيا كتاب المعالم.. ما الأمر؟! أليس المعالم أغلبه من الظلال ـ وبخاصة مقدمة سورة الأنعالم ـ ؟! أليس الظلال يحوي تفصيلات أعمق وأبين؟!
من هنا أدركت (الفكرة) التي أنتجت ذلك؟
إن الذي أدى إلى ذلك هو أن تحولت الجزئيات إلى كليات.. افهم ذلك أيها الداعية.
إن مادة المعالم هي بذاتها بصورة أعمق في الظلال.. ولكنها موزعة في الظلال بتوزيع آي القرآن.. ثم هي جزء من مادة ضخمة أخرى هي سائر مادة الظلال، وهذا ما يجعل المادة الدعوية هنا غير مركزة، ولا يجمعها إلا من تتبعها من كتاب الظلال كله، ثم تأثيرها بعد إنما هو كجزئيات ضمن كلية كبرى.. بينما الوضعاختلف في كتاب المعالم؛ فقد تم انتزاع تلك الجزئيات، وشكل منها كلية كبرى مستقلة هي كتاب (( معالم في الطريق)) وبالتالي انتشرت الإرشادات الموزعة في الظلال مرة أخرى ولكن في صورة كلية فكرية واحدة بين دفتي كتاب واحد .. بعد أن حدث ما يمكن أن أسميه (سرتجة) للتكتيكات.
وهذا المفهوم أراه من الضروري أن يفهمه الدعاة في الدعوة إلى بعض جزئيات ما يدعون إليه.. إنها سياسة (السرتجة) .. سياسة جعل المضامين قضايا مستقلة .. فإنه كما نقوم بفك الكليات إلى جزئيات تيسيرا للإفهام.. فإنني أدعو إلى تحويل الجزئيات إلى كليات من خلال خطط دعوية وذلك ضمانا لتحقيق التبليغ والبيان.
كثيرا جدا ما وقفت على انتقادات لبعض الدعاة حول عدم بيانهم لأمر دعوي ما، فتأتي الردود بالنفي، وأنه ـ أي الداعية ـ قد نبه من خلال الكتاب الفلاني في الفصل كذا في معرض الحديث عن كذا، أو أنه تعرض له مرورا أثناء فتوى حول كذا .. نعم، إن هذا قد يبرئ الداعية من أن يكون معتنقا لضد هذا الأمر، ولكنه لا يبرئه من التقصير بالبيان، لأن وظيفة (الدعوة) المناط فيها هو (البيان) لا مجرد (الأداء) .. فالأداء ربما يبين ما عليه المرء، ولكنه قد يقصر عن بيانه للغير، فواجب الداعية هو اتخاذ التقنيات والسبل المناسبة للبيان، ففي مواضع وجوب الإسماع، لا يكفيه أن يهمس بين ظهراني من وجب عليه تبليغهم، فهمسه كفيل ببيان ما هو عليه، ولكنه لا يكفل التبليغ لغيره. فتلك مواضع لابد من تحليلها واليقظة إليها في ظل ممارساتنا الدعوية المعاصرة؛ حيث اشتبهت تلك المحال.
والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
عشت مع الظلال أكثر مما عشت مع غيره من مصنفات الداعية الربانيّ، واطلعت اطلاعات متعددة في كتابه الثمين « معالم في الطريق » وكان يروقني العنوان إلى حد بعيد، فهو يناسب شخصيتي الصورية؛ حيث أتصور المعاني الذهنية مجسدة في صور حية مصمتة أو ضبابية بحسب قوة المعنى، متحركة أو ساكنة بحسب تركيب المعنى وبساطته.. فكنت أتصور (المعالم التي في الطريق) إنها إشارات ويافطات، أو مشاهد من هضاب وجبال.. ولكنها على كل حال معالم ترشد السائر في الطريق.. ثم علمت أن أغلب محتويات الكتاب هي في أصلها من الظلال، وحينما تعايشت مع الظلال ربما وجدت أن بعض محاور كتاب المعالم قد أحسن قطب في تفصيلها بصورة أشفى في الظلال، بل إن هذا طبيعي حيث إن المعالم لم يؤلف ككتاب وإنما هو مذكرة إرشاد كتبها قطب في السجن إلى أعضاء جماعة الإخوان ثم أوصى الهضيبي بجعلها كتابا، فكان استدراك قطب على نصيحة الهضيبي أنه ما قصد منها أن تكون كتابا وإنما مذكرة إلى الإخوان، فكان رد الهضيبي أنه لا مانع من تعميم الفائدة.. فكان من المتوقع أن تكون تلك المواضع ذات تفصيل في الظلال.
ورغم ذلك فأذكر حينما ذهبت وأنا بالقاهرة إلى مكتبة الشروق لشراء نسخة من كتاب المعالم، حيث سألت عن الكتاب رجلا كبيرا في السن نوعا ويعمل بالمكتبة، فصاح فيّ الرجل فجأة قائلا: " إنت عاوز تودينا في داهية!! الكتاب ممنوع!" ..ثم أجد الجميع ـ مؤيدين ومعارضين ـ حينما يتناولون دعوة سيد قطب وقضية إعدامه فإنهم يتناولون رئيسيا كتاب المعالم.. ما الأمر؟! أليس المعالم أغلبه من الظلال ـ وبخاصة مقدمة سورة الأنعالم ـ ؟! أليس الظلال يحوي تفصيلات أعمق وأبين؟!
من هنا أدركت (الفكرة) التي أنتجت ذلك؟
إن الذي أدى إلى ذلك هو أن تحولت الجزئيات إلى كليات.. افهم ذلك أيها الداعية.
إن مادة المعالم هي بذاتها بصورة أعمق في الظلال.. ولكنها موزعة في الظلال بتوزيع آي القرآن.. ثم هي جزء من مادة ضخمة أخرى هي سائر مادة الظلال، وهذا ما يجعل المادة الدعوية هنا غير مركزة، ولا يجمعها إلا من تتبعها من كتاب الظلال كله، ثم تأثيرها بعد إنما هو كجزئيات ضمن كلية كبرى.. بينما الوضعاختلف في كتاب المعالم؛ فقد تم انتزاع تلك الجزئيات، وشكل منها كلية كبرى مستقلة هي كتاب (( معالم في الطريق)) وبالتالي انتشرت الإرشادات الموزعة في الظلال مرة أخرى ولكن في صورة كلية فكرية واحدة بين دفتي كتاب واحد .. بعد أن حدث ما يمكن أن أسميه (سرتجة) للتكتيكات.
وهذا المفهوم أراه من الضروري أن يفهمه الدعاة في الدعوة إلى بعض جزئيات ما يدعون إليه.. إنها سياسة (السرتجة) .. سياسة جعل المضامين قضايا مستقلة .. فإنه كما نقوم بفك الكليات إلى جزئيات تيسيرا للإفهام.. فإنني أدعو إلى تحويل الجزئيات إلى كليات من خلال خطط دعوية وذلك ضمانا لتحقيق التبليغ والبيان.
كثيرا جدا ما وقفت على انتقادات لبعض الدعاة حول عدم بيانهم لأمر دعوي ما، فتأتي الردود بالنفي، وأنه ـ أي الداعية ـ قد نبه من خلال الكتاب الفلاني في الفصل كذا في معرض الحديث عن كذا، أو أنه تعرض له مرورا أثناء فتوى حول كذا .. نعم، إن هذا قد يبرئ الداعية من أن يكون معتنقا لضد هذا الأمر، ولكنه لا يبرئه من التقصير بالبيان، لأن وظيفة (الدعوة) المناط فيها هو (البيان) لا مجرد (الأداء) .. فالأداء ربما يبين ما عليه المرء، ولكنه قد يقصر عن بيانه للغير، فواجب الداعية هو اتخاذ التقنيات والسبل المناسبة للبيان، ففي مواضع وجوب الإسماع، لا يكفيه أن يهمس بين ظهراني من وجب عليه تبليغهم، فهمسه كفيل ببيان ما هو عليه، ولكنه لا يكفل التبليغ لغيره. فتلك مواضع لابد من تحليلها واليقظة إليها في ظل ممارساتنا الدعوية المعاصرة؛ حيث اشتبهت تلك المحال.
والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.