المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النظرية الصحيحة في تصديق خطاب الداعية


محمد رشيد
08-24-2009, 12:49 AM
كثيرة هي الكلمات التي نسمعها ونؤمن بها إجمالا أو بعناوينها، ونحن لا نتصور مفهومها أو نظريتها التي تدلل على مصداقيتها لتكون أمرا مصدقا بالفعل بالمنطق والمشاهدة، لا لأن من ثقافتنا الدينية أن نصدقه!

نسمع كثيرا جدا أدبية أن الداعية إذا لم يكن قائما على ما يدعو الناس إليه فإنه لن يكون لدعوته صدا عند الناس، ولن تؤثر دعوته، بل ستخرج حديثا بارد، ككثير من الخطباء الموظفين، الذين تعينهم جهات هي أصلا لا يعنيها أمر الدين، بل هي محاربة له ولأهله، ولكن بعض شعائر المسلمين هي عندها ضمن ثقافات الشعوب التي تحكمها، فلابد من توفير هذه الوظيفة، فيقومون بتعيين أناس آخرين هم كذلك لا يعنيهم أمر الدين، وإنما هم تخرجوا من كليات الدعوة أو الشريعة، ويريدون أن (يتوظفوا) بالمساجد ليأكلوا (لقمة العيش) من خلال مهام وظيفة الإمام والخطيب. فيأتي هذا الموظف بكلام هو جيد في ذاته وجميل، ومن شأنه أن يؤثر في المدعوّين، فيخطبهم الخطيب الجمعة، أو يلقي فيهم درسا بين صلاتي المغرب والعشاء، والناس جلوس مسترخون، أو.. نيام! فينتهي الدرس أو تنتهي الخطبة.. وينتهي كل شيء معها!

ما الأمر؟ ما النظرية؟.. جميعنا ربما يعرفها أو يرددها.. وهي أن الكلام لم يخرج من القلب المخلص، فلم يصادف قلبا يستقبل فيحدث فيه إخلاصا.. هذا كلام صحيح، ولكن، ما الأمر الأيضا؟.. أي ماذا وراء ذلك؟ ما النظرية ذاتها؟.. هذا هو ما أستعين الله تعالى ببيانه من خلال تلك الكلمات. وأن أرجو من أخي الداعية أن يرعني انتباهه لأن ما سيرود في هذا المقال من بيان ينبني عليه كثير من المفاهيم الرئيسية والتي يلزم حصولها تصحيح مفاهيم سابقة مغلوطة.

إن وقوع التأثر بالدعوة ليس مرتكزه ذات الكلام الصحيح في ذاته، وإنما هو يتركز على مرتكزين: الكلام، والقالب الشخصي الذي وضع فيه الكلام، أي الشخص الذي صدر منه هذا الكلام. فالمدعو لا يتأثر بالكلام بعينه مجردا، فربما قاله منافق معلوم النفاق، وربما قاله موظف يقوله ليتقاضى الراتب، والبتالي فإن أجهزة الاستقبال عند المدعوين لن تعمل في تلك اللحظات، ولن تستقبل تلك الإشارات الروتينية من الموظفين، طالما علم أصحابها أن من يخاطبهم لا يقولها يقولها عن تبن لها وقضية رسالة كما هم الدعاة الربانيون.. إذا فالشخص عليه مرتكز رئيس بالإضافة إلى طبيعة الكلام ذاته.

إذا أدركنا هذا فتبقى هنا شبهة يمكن أن يوردها علينا من يريدون التشكيك في دعوتنا، وفي كوادر دعوتنا، فيقولون: أنتم بذلك تعترفون أن الشخص هو الذي يحدد الكلام، إذا فاسم الشخص مسبقا هو الذي يحدد موقفكم من الكلما الذي سيقول، وهكذا تعرفون الحق بالرجال، ولا تعرفون الرجال بالحق كما تدّعون.

نقول لهم: ما أوردتموه تافه ساقط كحال كثير مما يورده أشباهكم من أعداء الدعوة المتصيّديم للدعاة.. ذلك أننا لم نقل إننا عرفنا أصل صحة الكلام وصدقه من معرفتنا بالداعية وصدق حاله؛ وإنما نقول: إن الكلام ذاته فيه (صفة) الحق، وهي نابعة من المعاني التي في قوالب الألفاظ، فـ (صفة الحق) في الكلام ذاته متحققة، وإنما (تصديق) هذا الخطاب الذي هو في ذاته بحيث يوقع التأثير في المدعوّين، فإنه (مرهون) بتصديق حال وواقع الداعية لكلامه الذي يدعو به.. فمناط التأثير في الناس هنا ليس هو الكلام بقوالبه اللفظية ومحتوياته المعنوية، وإنما هو شيء آخر منفصل، وهو تصديق عمل الداعية لما تدل عليه القوالب والمعاني، وهو شيء غير القوالب والمعاني وما تدل عليه من الحق بذاتها.. فتصديق الحق في خطاب الداعية هو مرهون بحال الداعية نفسه. تأمل هذا فهو مهم.

لو أردتم اختبار ذلك فافعلوا الآتي: انظروا إلى أدبيات كثير من الدعاة الذين كان لهم تأثير عظيم في الناس، هل تريدون الحقيقة؟ الحقيقة هي أن كلامهم عادي إلى حد كبير في أغلب الأحوال، والحقيقة كذلك هي أن كلامهم قاله غيرهم من معاصريهم أو ممن قبلهم أو بعدهم، ولكن حينما نسمع نحن قال (فلان بن فلان) فما الذي يحدث؟.. إن عقلك وقلبك في أجزاء ن الثانية يستحضران هذا الفلان، ويستحضران هذا صورته ومكانته الروحية، ومن هنا فإن أجهزة الاستقبال لديك تنتعش، وتصير متحسسة لتلقي الكلمات بتلذذ وتشهي! .. والحقيقة أنني لو أتيت بهذه الكلمات وكنت أنت لا تعرفها، فقلت لك: حضرت درسا في يوم الخميس الماضي لأحد الدعاة غير المشهوريم فقال كلمة أعجبتني، قال كذا وكذا.. فما سيكون رد فعلك أنت؟ ستقول في أغلب الأحوال ـ لو كانت الكلمة لها قوة في ذاتها نوعا ـ : نعم كلمات جميلة فعلا.. ثم لا تلقي بالا للكلمة وتنسى.. وربما تقول في ذهنك لو حاولت التعرف على هذا الداعية: من المحتمل أن يكون داعية مخلص ون المحتمل أن يكون جيدا لكنني أنا الذي لا أعرفه.. عجيب! إنها نفس الكلمة التي أثرت في نفسك وطربت لها روحك وانتعشت لها أجهزة استقبالك حين قيل لك قال فلان بن فلان ممن تعرفهم أنت وتقدرهم.

في عدة مرات كان بعض الإخوان ينقلون لي كلمة عن داعية أو شيخ هم يحبونه وله مكانة في قلوبهم.. فكنت أسمع منهم الانبهار بالخطاب أو المفهوم أو النصيحة أو الفكرة مما يأتي به هذا الداعية، فحين كنت أفصل الخطاب عن الداعية، كان يبدو عاديا، أو جيدا، أو ليس هو بتلك الصورة الهائلة التي وصف بها..

هل تدركون لماذا؟

لأن الواصف ـ في الحقيقة ـ ما وصف الخطاب مجردا؛ وإنما وصف الخطاب وهو يصدر من صاحب الخطاب.. انتبه لذلك فهو رئيس في فهم قضية الدعوة..

إنك إذا أردت أن تكون داعية، فإن آخر ما تفكر في إعداده هو الخطاب، وإنما عليك أنت أولا أن تتلبس مضمون هذا الخطاب، عليك أن تدفع تكاليف هذا الخطاب.

حينما ننظر إلى خطابات الإمام الداعية العظيم حسن البنا رحمه الله ورضي عنه، فإننا نشعر في أنفسنا بمهابة وبتحفز للخطاب، وتستقبل أجهزة الاستقباللدينا خطابه بنوع تبجيل وتفخيم.. والحقيقة أنك لو نظرت إلى كلامه وتصورت أنه يقوله شيخ موظف أو شيخ من أصحاب الدعوة الباردة ممن يؤثرون السلامة، فستجد الكلام عاديا جدا، ولن تجد له هذا التأثير.. ولكن (الفكرة) هنا أنه أول ما سمعت أذنك جملة (قال حسن البنا) فإن لأجهزة الاستقبال عندك تحفزت وتحسست، لأن تسمع كلام من؟ لأن تسمع كلان الرجل الذي قام ببيان الكيان الإسلامي في وسط يعج بالكفر والعلمانية والفجور وهو في عمر الثانية والعشرين، لأن تسمع كلام الرجل الذي دعا مصر كلها، فكان يستمعله الآلاف، ثم امتدت دعوته إلى العالم كله، لأن تستمتع إلى الرجل (البنا) الذي بنى كيانا آمن بقضيته الإسلامية زمانا وكافح لأجلها، وبذل فيها من النفس ما لم يضن به، وشهدت بذلك سجون الطواغيت، وذلك قبل أن تمد إدارة هذا الكيان الجسور مع المجرمين.

إن الكلمات فيها الرونق في نفسها، ولكن رونقها لا يظهر إلا إن تلبس قائلها بمضونها، فتأثيرها مرهون بقيام الداعية بتكاليفها. فافهم هذا أخي الداعية، واعلم أن آخر ما تعده للدعوة هو الكلمات.