محمد رشيد
08-23-2009, 11:38 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الرسالة التربوية التي أوصلها من خلال هذا المقال هو ما أكدت عليه سابقا من ضرورة قيام التفريق بين الأفكار والتوجهات على مضمون المحتوى، لا على العناوين التي ربما تستمر وتبقى مدة أطول من الزمان إذا ما قيست إلى المضامين التي تتضمنها تلك العناوين.
فهذا أصل عظيم في الحكم على التوجهات والأفكار ن حيث قربها وبعدها عن الإسلام. فذلك هو الرسالة والغرض من المقال، ولا يتوقف الأمر على ظاهر ما يحويه المقال من مقارنة ومفارقة.
كنت قد تناولت من قبل ـ في مقال حول عدم نسبة قطب إلى الإخوان المسلمين حقيقية والذي فضلت أن أدرجه ضمن الرسالة الخاصة حول الرجل ـ أنه يجب على الذين يرغبون أن يصيبوا في أحكامهم على جماعة الإخوان المسلمين ليحددوا وجهتهم أن ينظروا إلى المضامين لا إلى الأسماء والعناوين، فإن الحال السائد ـ للأسف الشديد ـ هو إناطة الأحكام بالأسماء، ومن ثم سحب الأحكام على طول خط الزمان.. فيبدو من يسحب الحكم وكأنه ينيط الأحكام بالأسماء!
وأكدت في المقال كذلك على ضرورة التفريق بين جماعة الإخوان المسلمين الأولى، وجماعة الإخوان الثانية أو المعاصرة.. هذا مع قطع النظر هل نتوافق مع الأولى أو لا نتوافق، وهلنتوافق مع الثانية أو لا نتوافق.. فالمهم في الأمر هم أن الأولى هي غير الثانية، حتى وإن كانت هذه جماعة الإخوان المسلمين، وكانت تلك جماعة الإخوان المسلمين.. فاشتركتا في الأسماء المجردة.. وإن اختلفتا في مضمون الدعوة والقيادة!
حقيقة ورغم عظيم امتناني بجماعة الإخوان المسلمين الأولى، ويقيني بكونها صاحبة فضل الصحوة الإسلامية المعاصرة، والأشد تاثيرا على المستوى الإسلامي العالمي ورغم كون دعوة محمد بن عبد الوهاب ـ رضي الله عنه ـ هي التي فتحت الباب.. فإنني لا أشعر بكبير قلق أو تخوف على الجماعة الأولى باشتراك الجماعة الثانية معها في العنوان؛ ذلك أن التباين الحاصل بين الجماعتين كفيل بفضح أي زور في الاشتراك بالعناوين.. وإليكم مقابلة صارحة صارخة بتلك القضية..
أرسل لي أحد إخواني مقالا لعبد المنعم أبي الفتوح ـ عضو مكتب الإرشاد بجماعة الاخوان المسلمين والأمين العام لاتحاد الاطباء العرب ومن أعلى الأصوات السياسية بجماعة الإخوان المعاصرة ـ من موقع Islamonline بعنوان (الإسلام والنظام الديمقراطي ) بتاريخ 27 ديسمير 2007 فقرأت المقال أو قمت بمسح مناطق منه، وتذكرت هنا كلاما لسيد قطب رحمه الله .. وفي الحقيقة لم أكن أحتاج هذا التذكر حتى أتحقق التباين بين الجماعتين، وإنما البارز في هذا الموضع هو أنه يبدو كالرد المباشر الصريح على عين ما أورده أبو الفتوح من قيادات الجماعة المعاصرة.. وأورد كلام أبي الفتوح ثم أورد (الرد!) عليه من سيد قطب رحمه الله، وذلك حتى نستوعب الحقيقة التي أريدها أن تصل، والتي مضمونها الحكم على المضامين المختلفة بحسب حال كل، وإن اتفقت في الأسماء والعناوين.
يقول عبد المنعم أبو الفتوح في عدة مواضع من المقال:
(إذن الديمقراطية نفسها هي مبدأ الشورى نفسه.. الشورى فريضة ملزمة، ولو أن المسلمين التزموا بها وحققوها في حياتهم على مدار التاريخ لتطور نظام الشورى ولأصبح له آليات تحدده وتوسع إطاره ومساحته ولأمكن للمسلمين أن يكتشفوا الديمقراطية قبل أن يكتشفها الغرب مع توافر ضمانات قيمية وأخلاقية تتصل بالإسلام تصونها وتحميها من أي تلاعب.)
(النظام الجمهوري مجرد إطار للنظام ولا يدخل في صميم الأفكار التي يقوم عليها هذا النظام وبالتالي فمن الطبيعي أن نستفيد من هذه الأنظمة التي توافرت عبر التاريخ البشري ووصلت إلينا على النحو الذي نعرفه اليوم، والإسلام يدعونا للاستفادة من التاريخ، ولو كان للإسلام نظام خاص ومحدد في الحكم والسلطة لكان ذلك حريا أن يظهر في المصادر الأساسية للتشريع الإسلامي (الكتاب والسنة) الذي دعا لأن يكون الحكم إسلاميا مطبقا لشريعة الإسلام، ولكنه لم يتطرق إلى شكل النظام..)
(في مرحلة الحكم الراشد تم تأسيس المسار الإسلامي لمسألة الحكم والسلطة وكان مسارا يؤسس لنظام العدل والحريات.. يؤسس لإسلام يتسع لاختيار البشر.. ذلك أن الإسلام لا يعرف سلطة (الحق الإلهي).. إسلام يقول إن البشر هم الذين يختارون وإن هذا الاختيار ملزم لهم وللحاكم.. وأتصور أنه لو استمرت مرحلة الحكم الراشد لكانت الإنسانية اكتشفت الديمقراطية قبل النهضة الأوروبية الحديثة كما ذكرت ولاكتشفت منظومة الحقوق -التي يفخر الغرب بإنجازها- قبل ذلك بقرون طويلة.)
(الشعب حر في اختيار النظام الذي يريده دون أن يكون ذلك على حساب عقيدته الإسلامية.)
(ومن هنا لا يمكن الدفاع عن هذه الديمقراطية فقط لأنها توفر فرصة الوصول إلى السلطة بل يجب الدفاع عنها وحمايتها بوصفها مبدأ جذريا وأساسيا بغض النظر عن كونه يوفر لها فرصة الوصول للسلطة أو لا.)
(بهذا المعنى لا حدود للحرية في الإسلام إلا ما يتنافى مع مبادئ الحرية نفسها ومع موجبات الحرية ذاتها.)
وهنا فقد رد الأستاذ سيد قطب رحمه الله على الدكتور عبد المنعم أبي الفتوح.. رد عليه قبل أن يكتب مقاله!!
رد الأستاذ سيد قطب ردا يعطي الطعنة النجلاء لأية تشككات في اتفاق الجماعة الثانية مع الأولى، أو كونها على طريقها ولو على سبيل الإجمال.. إنهما جماعتان يا إخواني.. وإليكم الدليل..
يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في معرض ظلاله على الآيات 33 ـ 39 من سورة الأنعام:
(وأذل من هذه المحاولة محاولة من يضعون على الإسلام أقنعة أخرى، ويصفونه بصفات من التي تروج عند الناس في فترة من الفترات.. كالاشتراكية.. والديمقراطية.. وما إليها.. ظانين أنهم إنما يخدمون الإسلام بهذه التقدمة الذليلة!.. إن «الاشتراكية» مذهب اجتماعي اقتصادي من صنع البشر؛ قابل للصواب والخطأ. وإن «الديمقراطية» نظام للحياة أو للحكم من صنع البشر كذلك، يحمل صنع البشر من القابلية للصواب والخطأ أيضاً . . والإسلام منهج حياة يشمل التصور الاعتقادي ، والنظام الاجتماعي الاقتصادي ، والنظام التنفيذي والتشكيلي . . وهو من صنع الله المبرأ من النقص والعيب . . فأين يقف من الإسلام من يريد أن يستشفع لمنهج الله - سبحانه - عند البشر بوصفه بصفة من أعمال البشر؟ بل أين يقف من الإسلام من يريد أن يستشفع لله - سبحانه - عند العبيد بقول من أقوال هؤلاء العبيد؟! . .
لقد كان كل شرك المشركين في الجاهلية العربية أنهم يستشفعون عند الله ببعض خلقه . . يتخذونهم أولياء :
{ والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى . . } فهذا هو الشرك! فما الوصف الذي يطلق إذن على الذين لا يستشفعون لأنفسهم عند الله بأولياء من عبيده ، ولكنهم - ويا للنكر والبشاعة! - يستشفعون لله - سبحانه - عند العبيد بمذهب أو منهج من مذاهب العبيد ومناهجهم؟!
إن الإسلام هو الإسلام . والاشتراكية هي الاشتراكية . والديمقراطية هي الديمقراطية . . ذلك منهج الله ولا عنوان له ولا صفة إلا العنوان الذي جعله الله له ، والصفة التي وصفه بها . . وهذه وتلك من مناهج البشر. ومن تجارب البشر . . وإذا اختاروها فليختاروها على هذا الأساس . . ولا ينبغي لصاحب الدعوة إلى دين الله ، أن يستجيب لإغراء الزي الرائج من أزياء الهوى البشري المتقلب . وهو يحسب أنه يحسن إلى دين الله!
على أننا نسأل هؤلاء الذين هان عليهم دينهم ، ولم يقدروا الله حق قدره.. إذا كنتم تقدمون الإسلام اليوم للناس باسم الاشتراكية ، وباسم الديمقراطية ، لأن هذين زيان من أزياء الاتجاهات المعاصرة . . فلقد كانت الرأسمالية في فترة من الفترات هي الزي المحبوب عند الناس وهم يخرجون بها من النظام الإقطاعي! كما كان الحكم المطلق في فترة من الفترات هو الزي المطلوب في فترة التجميع القومي للولايات المتناثرة كما في ألمانيا وإيطاليا أيام بسمرك وماتزيني مثلاً! وغدا من يدري ماذا يكون الزي الشائع من الأنظمة الاجتماعية الأرضية وأنظمة الحكم التي يضعها العبيد للعبيد ، فكيف يا ترى ستقولون غداً عن الإسلام؟ لتقدموه للناس في الثوب الذي يحبه الناس؟!
إن التوجيه القرآني في هذه الموجة التي نحن بصددها - وفي غيرها كذلك - يشمل هذا كله . . إنه يريد أن يستعلي صاحب الدعوة بدينه؛ فلا يستجيب لاقتراحات المقترحين؛ ولا يحاول تزيين هذا الدين بغير اسمه وعنوانه؛ ولا مخاطبة الناس به بغير منهجه ووسيلته . . إن الله غني عن العالمين . ومن لم يستجب لدينه عبودية له ، وانسلاخاً من العبودية لسواه ، فلا حاجة لهذا الدين به ، كما أنه لا حاجة لله - سبحانه - بأحد من الطائعين أو العصاة.) ا.هـ
لو قلنا إن سيد قطب يرد على عين أبي الفتوح ما أبعدنا، لقد رأيت يعيني ذهني ولبي كلمات سيد قطب وهو تتحقق في أمثال أبي الفتوح.. لذلك.. فإن القارئ الكريم يمكنه أن يقوم بـ (تجربة) رغم ما يبدو من كونها (لعبة) إلا أنها وسيلة كشف جادة وواقعية.. عليك أخي القارئ أن تنزع كلمة (الديمقراطية) من كلام أبي الفتوح، وتضع مكانه كلمة (الاشتراكية) ثم ارجع بالزمان للوراء 50 عاما ـ إلى عهد جمال عبد الناصر ـ لترى الكلام أو روحه على الاشتراكية.. نعم.. فقد كانت هي المذهب السائد الذي يحبه الناس.. وهؤلاء الداعون إلى الديمقراطية في زماننا لم يكونوا ليدعون إليها في عصر انتصار الاشتراكية..
إن أمر كثير من إخواننا في جماعة الإخوان ليترك الحليم حيرانا.. فقديما قرأت كتاب (اشتراكية الإسلام) للشيخ مصطفى السباعي رحمه الله، واليوم اقرأ لقادة الإخوان الكلام حول الديمقراطية.. واختفت ((تماما)) أية اصوات تنادي بالاشتراكية أو حتى تذكرها لفظا.. ما الأمر؟.. ألهذه الدرجة هان علينا ديننا؟!!
يعلم الله سبحانه أني أحب إخوانني العاملين في الحقل الإسلامي الدعوي عموما.. حتى وإن أخطأوا أو ضلوا الطريق.. هذا إن توفر الإخلاص وصدق التوجه لنصرة الدين.. لذا فأنا أسأل الله تعالى أن تصل كلمتي من القلب إلى قلوب إخواني، فتكون سببا ـ على الأقل ـ في إعادة النظر في المنهج المسلوك.
والحمد لله رب العالمين.
إن الرسالة التربوية التي أوصلها من خلال هذا المقال هو ما أكدت عليه سابقا من ضرورة قيام التفريق بين الأفكار والتوجهات على مضمون المحتوى، لا على العناوين التي ربما تستمر وتبقى مدة أطول من الزمان إذا ما قيست إلى المضامين التي تتضمنها تلك العناوين.
فهذا أصل عظيم في الحكم على التوجهات والأفكار ن حيث قربها وبعدها عن الإسلام. فذلك هو الرسالة والغرض من المقال، ولا يتوقف الأمر على ظاهر ما يحويه المقال من مقارنة ومفارقة.
كنت قد تناولت من قبل ـ في مقال حول عدم نسبة قطب إلى الإخوان المسلمين حقيقية والذي فضلت أن أدرجه ضمن الرسالة الخاصة حول الرجل ـ أنه يجب على الذين يرغبون أن يصيبوا في أحكامهم على جماعة الإخوان المسلمين ليحددوا وجهتهم أن ينظروا إلى المضامين لا إلى الأسماء والعناوين، فإن الحال السائد ـ للأسف الشديد ـ هو إناطة الأحكام بالأسماء، ومن ثم سحب الأحكام على طول خط الزمان.. فيبدو من يسحب الحكم وكأنه ينيط الأحكام بالأسماء!
وأكدت في المقال كذلك على ضرورة التفريق بين جماعة الإخوان المسلمين الأولى، وجماعة الإخوان الثانية أو المعاصرة.. هذا مع قطع النظر هل نتوافق مع الأولى أو لا نتوافق، وهلنتوافق مع الثانية أو لا نتوافق.. فالمهم في الأمر هم أن الأولى هي غير الثانية، حتى وإن كانت هذه جماعة الإخوان المسلمين، وكانت تلك جماعة الإخوان المسلمين.. فاشتركتا في الأسماء المجردة.. وإن اختلفتا في مضمون الدعوة والقيادة!
حقيقة ورغم عظيم امتناني بجماعة الإخوان المسلمين الأولى، ويقيني بكونها صاحبة فضل الصحوة الإسلامية المعاصرة، والأشد تاثيرا على المستوى الإسلامي العالمي ورغم كون دعوة محمد بن عبد الوهاب ـ رضي الله عنه ـ هي التي فتحت الباب.. فإنني لا أشعر بكبير قلق أو تخوف على الجماعة الأولى باشتراك الجماعة الثانية معها في العنوان؛ ذلك أن التباين الحاصل بين الجماعتين كفيل بفضح أي زور في الاشتراك بالعناوين.. وإليكم مقابلة صارحة صارخة بتلك القضية..
أرسل لي أحد إخواني مقالا لعبد المنعم أبي الفتوح ـ عضو مكتب الإرشاد بجماعة الاخوان المسلمين والأمين العام لاتحاد الاطباء العرب ومن أعلى الأصوات السياسية بجماعة الإخوان المعاصرة ـ من موقع Islamonline بعنوان (الإسلام والنظام الديمقراطي ) بتاريخ 27 ديسمير 2007 فقرأت المقال أو قمت بمسح مناطق منه، وتذكرت هنا كلاما لسيد قطب رحمه الله .. وفي الحقيقة لم أكن أحتاج هذا التذكر حتى أتحقق التباين بين الجماعتين، وإنما البارز في هذا الموضع هو أنه يبدو كالرد المباشر الصريح على عين ما أورده أبو الفتوح من قيادات الجماعة المعاصرة.. وأورد كلام أبي الفتوح ثم أورد (الرد!) عليه من سيد قطب رحمه الله، وذلك حتى نستوعب الحقيقة التي أريدها أن تصل، والتي مضمونها الحكم على المضامين المختلفة بحسب حال كل، وإن اتفقت في الأسماء والعناوين.
يقول عبد المنعم أبو الفتوح في عدة مواضع من المقال:
(إذن الديمقراطية نفسها هي مبدأ الشورى نفسه.. الشورى فريضة ملزمة، ولو أن المسلمين التزموا بها وحققوها في حياتهم على مدار التاريخ لتطور نظام الشورى ولأصبح له آليات تحدده وتوسع إطاره ومساحته ولأمكن للمسلمين أن يكتشفوا الديمقراطية قبل أن يكتشفها الغرب مع توافر ضمانات قيمية وأخلاقية تتصل بالإسلام تصونها وتحميها من أي تلاعب.)
(النظام الجمهوري مجرد إطار للنظام ولا يدخل في صميم الأفكار التي يقوم عليها هذا النظام وبالتالي فمن الطبيعي أن نستفيد من هذه الأنظمة التي توافرت عبر التاريخ البشري ووصلت إلينا على النحو الذي نعرفه اليوم، والإسلام يدعونا للاستفادة من التاريخ، ولو كان للإسلام نظام خاص ومحدد في الحكم والسلطة لكان ذلك حريا أن يظهر في المصادر الأساسية للتشريع الإسلامي (الكتاب والسنة) الذي دعا لأن يكون الحكم إسلاميا مطبقا لشريعة الإسلام، ولكنه لم يتطرق إلى شكل النظام..)
(في مرحلة الحكم الراشد تم تأسيس المسار الإسلامي لمسألة الحكم والسلطة وكان مسارا يؤسس لنظام العدل والحريات.. يؤسس لإسلام يتسع لاختيار البشر.. ذلك أن الإسلام لا يعرف سلطة (الحق الإلهي).. إسلام يقول إن البشر هم الذين يختارون وإن هذا الاختيار ملزم لهم وللحاكم.. وأتصور أنه لو استمرت مرحلة الحكم الراشد لكانت الإنسانية اكتشفت الديمقراطية قبل النهضة الأوروبية الحديثة كما ذكرت ولاكتشفت منظومة الحقوق -التي يفخر الغرب بإنجازها- قبل ذلك بقرون طويلة.)
(الشعب حر في اختيار النظام الذي يريده دون أن يكون ذلك على حساب عقيدته الإسلامية.)
(ومن هنا لا يمكن الدفاع عن هذه الديمقراطية فقط لأنها توفر فرصة الوصول إلى السلطة بل يجب الدفاع عنها وحمايتها بوصفها مبدأ جذريا وأساسيا بغض النظر عن كونه يوفر لها فرصة الوصول للسلطة أو لا.)
(بهذا المعنى لا حدود للحرية في الإسلام إلا ما يتنافى مع مبادئ الحرية نفسها ومع موجبات الحرية ذاتها.)
وهنا فقد رد الأستاذ سيد قطب رحمه الله على الدكتور عبد المنعم أبي الفتوح.. رد عليه قبل أن يكتب مقاله!!
رد الأستاذ سيد قطب ردا يعطي الطعنة النجلاء لأية تشككات في اتفاق الجماعة الثانية مع الأولى، أو كونها على طريقها ولو على سبيل الإجمال.. إنهما جماعتان يا إخواني.. وإليكم الدليل..
يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في معرض ظلاله على الآيات 33 ـ 39 من سورة الأنعام:
(وأذل من هذه المحاولة محاولة من يضعون على الإسلام أقنعة أخرى، ويصفونه بصفات من التي تروج عند الناس في فترة من الفترات.. كالاشتراكية.. والديمقراطية.. وما إليها.. ظانين أنهم إنما يخدمون الإسلام بهذه التقدمة الذليلة!.. إن «الاشتراكية» مذهب اجتماعي اقتصادي من صنع البشر؛ قابل للصواب والخطأ. وإن «الديمقراطية» نظام للحياة أو للحكم من صنع البشر كذلك، يحمل صنع البشر من القابلية للصواب والخطأ أيضاً . . والإسلام منهج حياة يشمل التصور الاعتقادي ، والنظام الاجتماعي الاقتصادي ، والنظام التنفيذي والتشكيلي . . وهو من صنع الله المبرأ من النقص والعيب . . فأين يقف من الإسلام من يريد أن يستشفع لمنهج الله - سبحانه - عند البشر بوصفه بصفة من أعمال البشر؟ بل أين يقف من الإسلام من يريد أن يستشفع لله - سبحانه - عند العبيد بقول من أقوال هؤلاء العبيد؟! . .
لقد كان كل شرك المشركين في الجاهلية العربية أنهم يستشفعون عند الله ببعض خلقه . . يتخذونهم أولياء :
{ والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى . . } فهذا هو الشرك! فما الوصف الذي يطلق إذن على الذين لا يستشفعون لأنفسهم عند الله بأولياء من عبيده ، ولكنهم - ويا للنكر والبشاعة! - يستشفعون لله - سبحانه - عند العبيد بمذهب أو منهج من مذاهب العبيد ومناهجهم؟!
إن الإسلام هو الإسلام . والاشتراكية هي الاشتراكية . والديمقراطية هي الديمقراطية . . ذلك منهج الله ولا عنوان له ولا صفة إلا العنوان الذي جعله الله له ، والصفة التي وصفه بها . . وهذه وتلك من مناهج البشر. ومن تجارب البشر . . وإذا اختاروها فليختاروها على هذا الأساس . . ولا ينبغي لصاحب الدعوة إلى دين الله ، أن يستجيب لإغراء الزي الرائج من أزياء الهوى البشري المتقلب . وهو يحسب أنه يحسن إلى دين الله!
على أننا نسأل هؤلاء الذين هان عليهم دينهم ، ولم يقدروا الله حق قدره.. إذا كنتم تقدمون الإسلام اليوم للناس باسم الاشتراكية ، وباسم الديمقراطية ، لأن هذين زيان من أزياء الاتجاهات المعاصرة . . فلقد كانت الرأسمالية في فترة من الفترات هي الزي المحبوب عند الناس وهم يخرجون بها من النظام الإقطاعي! كما كان الحكم المطلق في فترة من الفترات هو الزي المطلوب في فترة التجميع القومي للولايات المتناثرة كما في ألمانيا وإيطاليا أيام بسمرك وماتزيني مثلاً! وغدا من يدري ماذا يكون الزي الشائع من الأنظمة الاجتماعية الأرضية وأنظمة الحكم التي يضعها العبيد للعبيد ، فكيف يا ترى ستقولون غداً عن الإسلام؟ لتقدموه للناس في الثوب الذي يحبه الناس؟!
إن التوجيه القرآني في هذه الموجة التي نحن بصددها - وفي غيرها كذلك - يشمل هذا كله . . إنه يريد أن يستعلي صاحب الدعوة بدينه؛ فلا يستجيب لاقتراحات المقترحين؛ ولا يحاول تزيين هذا الدين بغير اسمه وعنوانه؛ ولا مخاطبة الناس به بغير منهجه ووسيلته . . إن الله غني عن العالمين . ومن لم يستجب لدينه عبودية له ، وانسلاخاً من العبودية لسواه ، فلا حاجة لهذا الدين به ، كما أنه لا حاجة لله - سبحانه - بأحد من الطائعين أو العصاة.) ا.هـ
لو قلنا إن سيد قطب يرد على عين أبي الفتوح ما أبعدنا، لقد رأيت يعيني ذهني ولبي كلمات سيد قطب وهو تتحقق في أمثال أبي الفتوح.. لذلك.. فإن القارئ الكريم يمكنه أن يقوم بـ (تجربة) رغم ما يبدو من كونها (لعبة) إلا أنها وسيلة كشف جادة وواقعية.. عليك أخي القارئ أن تنزع كلمة (الديمقراطية) من كلام أبي الفتوح، وتضع مكانه كلمة (الاشتراكية) ثم ارجع بالزمان للوراء 50 عاما ـ إلى عهد جمال عبد الناصر ـ لترى الكلام أو روحه على الاشتراكية.. نعم.. فقد كانت هي المذهب السائد الذي يحبه الناس.. وهؤلاء الداعون إلى الديمقراطية في زماننا لم يكونوا ليدعون إليها في عصر انتصار الاشتراكية..
إن أمر كثير من إخواننا في جماعة الإخوان ليترك الحليم حيرانا.. فقديما قرأت كتاب (اشتراكية الإسلام) للشيخ مصطفى السباعي رحمه الله، واليوم اقرأ لقادة الإخوان الكلام حول الديمقراطية.. واختفت ((تماما)) أية اصوات تنادي بالاشتراكية أو حتى تذكرها لفظا.. ما الأمر؟.. ألهذه الدرجة هان علينا ديننا؟!!
يعلم الله سبحانه أني أحب إخوانني العاملين في الحقل الإسلامي الدعوي عموما.. حتى وإن أخطأوا أو ضلوا الطريق.. هذا إن توفر الإخلاص وصدق التوجه لنصرة الدين.. لذا فأنا أسأل الله تعالى أن تصل كلمتي من القلب إلى قلوب إخواني، فتكون سببا ـ على الأقل ـ في إعادة النظر في المنهج المسلوك.
والحمد لله رب العالمين.