المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أيها الداعية.. اسحب المجادل إلى الميدان


محمد رشيد
08-23-2009, 11:32 PM
أيها الداعية.. اسحب المجادل إلى الميدان

من الممارسات التي ينبغي أن تكون ملازمة للداعية، ممارسة لا يليق بأي إنسان يقوم بعمل ما أن يغفل عنها، وهي الحصول على (التغذية الراجعة)..
أذكر في هذا المقام طرفة قالها لي أحد إخواني عن رجل غبي يسير في الطريق، فرأى (قشرة موز) في نصف الطريق، فقال متأففا: أف سأنزلق مرة أخرى؟!.. أو الرجل الآخر ـ ولعله ذات الرجل ـ الذي يقول: لقد صفعني فلان سبع صفعات على وجهي على حين غرة!!.. تشير تلك الطرف إلى شدة غباء الرجلين في الحصول على (تغذية راجعة) مما يحدث أول مرة.
الدعاة إلى الله تعالى ليس لديهم وقت يضيعونه، إنهم لابد وأن يمارسوا التغذية الراجعة بصورة احترافية ودائمة وتلقائية.. لابد وأن تكون تلك الممارسة من جزءا من ممارساتهم التي لا تنفك عنهم والتي تمارس بصورة ارتجالية.
فلا يليق مثلا أن يقع الدعاة في هذا العصر في خطأ إعطاء الأمان لمن يغدر بهم مرات ومرات حتى صار الغدر منه عادة، فيأمن له الدعاة كذلك مرات ومرات على أمل وتطلع أن يصدق، أو على احتمالية ذلك!
كذلك لا يليق أن ينشغل الدعاة بتكرار قضايا غير جوهرية ـ ولو مرحليا ـ أثبت الواقع أن طرحها أدى إلى ضعف الجسد الدعوي وأتاح الفرصة للأعداء أن ينهشوا فيه.
الصور التي تتفرع على هذا المفهوم كثيرة جدا ولا تنحصر، فهي تتولد كلما استمرت الحركة الدعوية وأية حركة بشرية عموما.

وتظهر أهمية مفهوم التغذية الراجعة في الحركة الدعوية على المستويين، الجماعي الكياني، والفردي.. فعلى الأفراد كذلك أن يتفطنوا لتلك القضية.. وهي أصل عظيم في أصول التفكير الإسلامي النبوي.. فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين)


والخاطرة التي كانت سببا في كتابة ذلك المقال، والتي استدعت ذلك التقعيد، تدور حول حالة من حالات الدعوة الفردية في عصرنا.. فقد أثبتت المعايشة وأثببت التجارب وقرر الواقع أن أغلب حالات الصراع الفكري الدعوي مع العامة والمخالفين إنما الهدف منه ـ من طرف المخالفين ـ هو إحراج الداعية فكريا، أو استعماله لإمضاء الأوقات والتسلّي!
من هنا كان على الداعية الفرد أن بتفطن لهذا الأمر، فلا يستدرجه العوام والمتسلّون فيهدروا أعظم موارده التي أراه الله جل وعلا أن تستهلك في الممارسة الدعوية المجدية..
إن خطة العوام والمتسلّون في هذه الممارسة على الداعية تدور حول استغلال صورة التواصل الشخصي مع الداعية، فيعزمونه في بيوتهم ، أو يزورونه في بيته، أو يجالسونه في مكان ما.. أو أية صورة اجتماعية تتسم بالخصوصية أو الشخصية.. فإذا استدرج الداعية إلى مثل تلك المواطن، فهنا لن يستطيع أن يحق حقا أو يبطل باطلا؛ ذلك أن الحضور ما كا ذلك هو هدفهم من البداية، وإنما هدفهم هو ما ذكرته تجاه الداعية، والداعية لو ترك نفسه لمثل ذلك فلن يكفيه عمر آخر فوق عمره، ولن تكفيه موارده ولو كانت مثل البحر.. فضلا عما يودي به ذلك من إهدار نفسه أمام العامة، وهبوطه في نظرهم.. والعوام والفارغون ممن هم على تلك الشاكلة لا تنقصهم في أغلب قضايا الإسلام مجرد تصحيح المفاهيم وإقامة.. وإنما هم يحتاجون إلى من يحدثهم من مكان عال يترفع عن سفاسفهم.. لذا فإنه يحسم الأمر معهم أي شيخ رسمي معين من قبل الدولة، فإذا تكلم واحد من هؤلاء أخرس ألسنة الفارغين غير المحترمين من العوام، وذلك باستعلائه عليهم في الدرجة، ومن كانت هذه أخلاقهم من الناس فإنه ينبغي للداعية ألا يتركهم يستخفونه.. فإذا احتكوا به محاولين استدراجه، فعليه أن يستعلم معهم سياسة السحب إلى الميدان..
الفارغون وغير المحترمين من الناس لا يمكنهم العمل الجاد في النور، وإنما هم يعملون في الخنادق وتحت التراب.. حيث الأمان.. ولا يمارسون سفاسفهم إلا مع من يأمنون جانبهم من الحليمين المحترمين.. ذلك أنهم لا سياسة لهم على السطح إلا تلقي الأوامر والتسليم في صغار..
فالداعية الفطن هو من يوفر على نفسه موارده ومكانته بأن لا يستجيب للعمل في الخنادق وتحت التراب، فإذا دعاه أحدهم للنظار أو الحوار فليدعه هو أن يكون ذلك علانية وفي النور طالما أن كل الأطراف تريد الحق.. فإنه إذا سحب المجادلين إلى الميدان العام يكون قد وفر على نفسه جهودا كانت ستضيع مع أناس سينخنسون من الظهور علانية.. ويكون قد حفظ ما معه من مادة الدعوة من الابتذال والمتهان.. وكل من الأمرين من أوجب واجبات الداعية الفطن.
والحمد لله رب العالمين.