محمد طاهر أنعم
08-22-2009, 11:22 AM
ورقة عمل مقدمة للحلقة النقاشية المنعقدة في مركز الجزيرة العربية للدراسات والبحوث بصنعاء بعنوان موقف التيارات الدينية من أزمة الجنوب
باعتبار التيارات السلفية تيارات إسلامية أصولية فإنها تحكمها في مواقفها تجاه الأحداث المعاصرة مدى موافقتها أو مخالفتها للشريعة الإسلامية، فقبل أي اعتبار آخر تحاول تلك التيارات عرض المسائل الناشئة والحديثة على هذا الأصل، وقد تختلف النتائج باختلاف النظرات والمؤديات إليه إلا أنه في النهاية يكون منطلقا من ذلك الأساس.
وهذا الأمر مهم جدا، وتبرز أهميته عند مقارنته بمنطلقات تيارات أخرى تجاه الأحداث الناشئة، فإنه تغلب مؤثرات أخرى على كثير من الأحزاب والتوجهات اليمينية واليسارية وحتى الدينية، تجعل ناتج تلك التأثيرات متأثرا بتلك المواقف، وخاصة عند تدخل المؤثر الخارجي السياسي والمالي والفكري، والذي لا يمثل عند السلفيين أثرا رئيسا.
ولكن هذا الأمر لا يصح على جميع فئات العينة السلفية كأفراد، وإن صح عليهم كتيارات، فإن الأفراد يتأثرون بالمؤثرات المختلفة كل بحسب عدة عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية.
ومن هذا المنطلق فإن قيادات التيارات السلفية في اليمن يحرصون على تبيين المواقف من المستجدات والأحداث المعاصرة حتى يكون بيانهم ذلك موقفا متبعا عند أنصارهم ومريديهم، وذلك المنطلق نفسه هو سبب انقياد أنصار السلفيين لقادتهم، وهو التحاكم إلى الشريعة الإسلامية والنصوص الشرعية، وإلا فإنه لا توجد روابط تنظيمية ملزمة أو أوامر فوقية لا تناقش كالحال في بعض التوجهات الأخرى، بل إن معظم المواقف الناشئة تخضع لنقاش كثير وأخذ ورد.
ولأهمية الموقف الراهن، وصيرورته موقفا عاما حرك جزءا كبيرا من اليمن، وهو الحراك الجنوبي وتوسع النفس المطالب بالانفصال في جنوب اليمن، فإن جزءا من السلفيين تحركوا من أجل عقد مؤتمر عام لتوضيح الموقف الواجب اتباعه من هذه الأحداث العامة والكبيرة.
فانعقد الملتقى السلفي العام الأول في صنعاء في شهر جمادى الأولى 1430هـ الموافق مايو 2009م، والذي حضره مئات السلفيين منهم مجموعة من علمائهم وقياداتهم ومجموعة أكبر من قيادات الصف الثاني من مختلف المناطق والمحافظات في اليمن، وكان المؤتمر مرتبا مسبقا، بأوراقه وأطروحاته ومواضيعه، التي وضح بشكل جلي أنه يهدف إلى موقف بيان القيادة السلفية أكثر من كونه مؤتمرا للحوار أو النقاش أو التوصل لرؤية سلفية شعبية، وقد خرج بما كان متوقعا وهو تأييد الوحدة واعتبارها أمرا مهما يجب الحفاظ عليه، ورفض دعوات الانفصال والتمرد العسكري، والمعني بالأول الحراك الجنوبي وبالثاني التمرد الحوثي الشمالي، وكذلك احتوى البيان الختامي للمؤتمر السلفي العام رفض الظلم والانتهاكات الحاصلة في البلد والدعوة لإنهائها بشتى السبل، وأن الحل محصور في تطبيق الشريعة الإسلامية في البلد، ومواجهة الأخطار التي تهدد اليمن كالتشيع المغالي (الرفض) وغيره.
ورغم الملاحظات العديدة على المؤتمر وفي مقدمتها تغيب فصيلين رئيسين للتيار السلفي في اليمن، الأول هو قيادات جمعية الإحسان ومقاطعتها المسبقة للمؤتمر، وإرسال الأستاذ الدكتور حسن شبالة رئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة إب للمؤتمر لبيان رفضها طريقة عقد المؤتمر والترتيب له بدون مشاورة مسبقة وإعداد كاف، والثاني هو التيار المقبلي الذي يرفض مثل هذه اللقاءات المنظمة والإعلامية، أضف إلى ذلك غياب الزعيم الكاريزمي للتيار الحسني باليمن الشيخ أبو الحسن المأربي، مما جعل المؤتمر سلفيا خاصا أكثر من كونه عاما، يضم تيار جمعية الحكمة اليمانية المنضم له، إضافة إلى مراكز ومؤسسات وجمعيات صغيرة، أقول رغم هذا فإن ناتج المؤتمر يعكس فعلا التوجه السلفي بشكل عام عند عامة قيادات العمل السلفي في اليمن وهو التأييد للوحدة ورفض دعوات الانفصال واستهجانها.
وقبل أن نبين الاستثناءات المتعددة لهذا الموقف القيادي السلفي، وكذلك أسباب ودوافع هذا الموقف، يجب أن نعرج على أهم الفصائل السلفية في التيار السلفي باليمن لمزيد من التوضيح.
حيث أن هناك ستة فصائل رئيسة في اليمن أربعة منها معنية بها ورقتنا هذا تحت عنوان التيار السلفي، وفصيلان آخران تتناولها أوراق أخرى، فأما الأربعة الفصائل السلفية الرئيسة في اليمن فهي:
1- فصيل جمعية الإحسان: وهو فصيل كبير ومنتشر في كافة محافظات اليمن، وأهم مواقعه صنعاء وحضرموت وأبين، ونشاطه كثير التفرع، يتمثل في العديد من المؤسسات الخيرية العامة والمتخصصة، والمراكز والمعاهد العلمية والشرعية، ومراكز البحوث والدراسات، والمساجد والملتقيات الشبابية والدعوية.
2- فصيل جمعية الحكمة: وهو فصيل كبير ومنتشر في أكثر محافظات اليمن، وأهم مواقعه عدن وتعز وإب، وعمله متركز في جمعية الحكمة، ولها العديد من المساجد والمراكز العلمية والشرعية وبعض المؤسسات العلمية.
3- الفصيل المقبلي (نسبة للشيخ مقبل الوادعي رحمه الله): وهو فصيل كبير غير متجانس ومنتشر في كافة محافظات اليمن، وأهم مواقعه صعدة والحديدة وذمار، وعمله في المساجد والمراكز العلمية.
4- الفصيل الحسني (نسبة للشيخ أبي الحسن المأربي): وهو فصيل صغير موجود في بعض المحافظات، وأهم مواقعه مأرب، وعمله كسابقه في المساجد والمراكز العلمية وبشكل قليل في مؤسسات خيرية حديثة، وهو شبه متحالف مع فصيل جمعية الحكمة.
أما الفصيلان السلفيان الآخران واللذان لا دخل لهذه الورقة بمواقفهما، فهما الفصيل السلفي في التجمع اليمني للإصلاح وهو فصيل كبير ويمثله علماء ومشايخ معروفون وله جامعاته ومراكزه ومواقفه الواضحة تجاه كثير من القضايا ولكن تتناوله ورقة موقف الإخوان المسلمين حيث وهو منضو تحت إطار تلك الجماعة، والثاني هو الفصيل السلفي الجهادي وهو فصيل آخر تتناوله ورقة أخرى.
وإضافة إلى تلك الفصائل الرئيسة، فإنه يوجد أفراد من العلماء والخطباء والدعاة والمراكز والمساجد السلفية المستقلة هنا وهناك، ولكن لا صوت لها كصوت الفصائل الرئيسة.
أما دافع الموقف السلفي العام بتأييد الوحدة واعتبارها مكتسبا لا ينبغي التفريط فيه ورفض دعوات الانفصال فهو ينطلق من عدة أمور، وهي:
1- مسألة تحريم الفتنة والخروج على المسلمين وأنظمتهم الحاكمة وولاة أمورهم، وتأكيد السلفيين أن الثورات في الإسلام مرفوضة ضد الدول والحكومات إلا في حالة وجود الكفر البواح الواضح حسب التوجيهات النبوية المباشرة في هذا الأمر، ولذلك فهم يرون في الحراك الجنوبي ودعوته للخروج على النظام والدولة والانفصال شيئا من هذه الثورات التي ستؤدي إلى صدامات وفتن لا تتوافق مع المفهوم الإسلامي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
2- تخوف السلفيين من مآلات هذا الحراك الجنوبي وما يمكن أن يصل إليه إن نجح، ومن سيحكم الجنوب، وهل ستعود الاشتراكية لتسود في تلك المنطقة كما كانت قبل الوحدة، أم أن العلمانية هي ما ستسود، وقد لفت أحد كبار علماء السلفيين في المؤتمر السلفي سالف الذكر؛ لفت النظر إلى أن عامة قيادات الحراك الجنوبي غير معروفة بدين ولا خير، بل هي من بقايا الجيش الاشتراكي القديم أو ممن لا تلقي للشريعة الإسلامية والحدود الشرعية بالا في أحسن الظروف، ولذلك فإن هذا المصير يتحكم بشدة في موقف السلفيين من تأييد هذا العمل، وهو فارق مهم بين موقف التيار السلفي في اليمن ومواقف كثير من التيارات الأخرى الإسلامية وغير الإسلامية، وهو يصب في مصلحة قضية بعد نظر السلفيين وتفكيرهم في العواقب بشكل متعمق؛ بخلاف ما يصمهم به بعض خصومهم.
3- اعتبار السلفيين الوحدة نعمة على اليمنيين بشكل عام وعلى دعوتهم بشكل خاص، باعتبارها أدت إلى توحد الدعوات السلفية المتفرقة بين الشمال والجنوب من ناحية، وباعتبارها كانت منطلق عدة فصائل سلفية وتوسعها وتنظمها مستفيدة من زوال النظام الاشتراكي المحارب لها في الجنوب، ومستفيدة من ناحية أخرى من السماح بالتوسع في إنشاء منظمات المجتمع المدني في يمن الوحدة لاحقا.
4- اعتبار دعوات الانفصال قائمة على مطالب معيشية وحياتية من غلاء وسوء توزيع الثروة والمناطقية، وهذه الأمور تمثل لدى السلفيين درجة ثانية بعد المنطلق الرئيس وهي المطالب الشرعية المعتمدة على الانحراف عن تحكيم الشريعة وانتشار الربا والخمور وفساد الإعلام والقوانين العلمانية والمنظمات النسوية والمدنية المشبوهة، والتي لم تمثل عند أصحاب الحراك الجنوبي أهمية، فصارت المنطلقات مختلفة والنتائج متضادة.
5- عدم إحساس القيادات السلفية في اليمن بشكل كاف بالظلم والجور الواقع على أصحاب الحراك الجنوبي وأكثر مواطني جنوب اليمن وحالة القهر التي وصلوا إليها بواقع ظروفهم من ناحية وبواقع التحريض الذي يتعرضون إليه صباح مساء من ناحية أخرى، وسبب عدم الإحساس ذلك أن عامة القيادات السلفية شمالية الانتماء من ناحية، وميسورة الحال من ناحية أخرى.
6- الاندفاع العاطفي مع الوحدة وقدسيتها عند اليمنيين بشكل عام، والسلفيون جزء منهم، وعدم تصور أكثر اليمنيين كيف يمكن أن تعود اليمن يمنان بعد توحدها قبل عشرين سنة لأول مرة منذ قرون طويلة، وفي حالة من الحالات النادرة في تاريخ اليمن.
ولكن هذا الموقف الصادر عن المؤتمر السلفي لم يكن يعكس إجماعا كاملا للمؤتمرين، ورغم رفع معظم الأيدي إشارة للموافقة على هذا البيان بعد عرضه في نهاية المؤتمر، إلا أن المناقشات التي جرت خلال يومي المؤتمر أوضحت علامة فارقة ومهمة جدا تعكس انتماء عامة السلفيين للشعب اليمني بتوجهاته العفوية والبسيطة.
فقد كان ملحوظا بشكل لافت للنظر أن عامة المداخلين والمتحدثين والمنتمين في عمومهم لقيادات الصف الثاني من أبناء المحافظات الجنوبية مشبعين بالروح السائدة في مناطقهم من البغض الكامل لنظام الحكم في صنعاء والتفهم التام ورفض التجريح لأصحاب دعوات الانفصال الجنوبية، بل والتبرير لمطالباتهم تلك.
وكانت معظم كلمات الجنوبيين من السلفيين من تلك العينة (غير عينة كبار علماء ومشايخ السلفيين) تصب في هذا الاتجاه، حتى اضطرت قيادة المؤتمر إلى تكليف الشيخ عارف أنور (مدير جمعية الحكمة بعدن) لإدارة إحدى الجلسات رغم أن اسمه لم يكن ضمن جدول إدارة الجلسات، وكان واضحا على كلامه توجيهه خطابه لسلفيي الجنوب لالتزام الهدوء والصبر والثقة بعلمائهم، وكان يحلف لهم أنه ليس للسلطة دخل في عقد هذا الملتقى بخلاف ما بدأ يتسرب في أروقة القاعة في الجلسة السابقة، وقرر الشيخ عارف أن يجعل فرصة لكل محافظة جنوبية للكلام عبر مندوب يختاره أصحاب تلك المحافظة، وصبت كل تلك الكلمات في خانة نقد التصرفات الحكومية والتبرير لأصحاب الحراك الجنوبي ومطالبة المؤتمر بالانتقاد القوي والمباشر لسياسات الحكومة والقيادة السياسية للبلد، وخاصة كلمتي مندوبي الضالع وشبوة.
كما كان لافتا تحمس أولئك الإخوة للكلمات المنتقدة للنظام اليمني والوضع السياسي فيه، وخاصة ورقة العمل التي قدمها وقرأها عضو مجلس النواب الشيخ عارف الصبري والذي كان انتقاده فيها لاذعا للنظام الحاكم وأن سياساته هي سبب خراب البلد ودماره، فشهدت ارتياحا كبيرا من الشباب الجنوبيين المشاركين في المؤتمر وبعض الشماليين كذلك، ثم تكبيرا في نهايتها لم يتكرر مع أي كلمة أو ورقة عمل أخرى، وإن شهدت كلمة الشيخ الدكتور عقيل المقطري ارتياحا أيضا منهم وإن بشكل أقل.
وهذا الأمر يعكس الجو السياسي الحقيقي في الجنوب، حيث أن معظم شباب السلفيين هناك يعتبرون مع التيار المندفع لطلب التخلص من النظام السياسي في البلد بأي شكل ولو كان بالانفصال، وقد أشار الشيخ العلامة أحمد المعلم رئيس جمعية الحكمة في المكلا من حيث لا يشعر في أثناء ورقته التي طرحها في المؤتمر إلى ذلك الأمر، حين استهجن اندفاع شباب سلفيين في الجنوب إلى دعوات الانفصال وعدم رجوعهم إلى علماء الدعوة ومراجعها للاستفسار، وطلب منهم النظر إلى مآلات الأمور ومن هم قادة أولئك الحراك الذي يؤيدونه، وإن حاول الشيخ التأكيد على قلة تلك الفئة بشكل غير مقنع.
أضف إلى ذلك تناقل بعض السلفيين إلى وجود بعض العلماء المعتبرين ممن لم يحضر المؤتمر يؤيد الحراك الجنوبي، وفي مقدمتهم الشيخ حسين بن شعيب بن محفوظ الحضرمي المقيم في عدن، وإن لم يتم التأكد من ذلك الأمر.
وفي نهاية المؤتمر السلفي أجرى منظموه مؤتمرا صحفيا للإعلاميين حضره المشايخ عبدالعزيز الدبعي رئيس مجلس إدارة جمعية الحكمة والشيخ محمد المهدي رئيس فرع جمعية الحكمة بإب والمهتم بالشئون الإعلامية والصحفية، والشيخ الأستاذ الدكتور حسن شبالة رئيس فرع جمعية الإحسان بإب، وفي ذلك المؤتمر وضح حصول اختلافات بين الفصيلين الرئيسين المشاركين في المؤتمر تيار الحكمة وتيار الإحسان، حيث أجاب الشيخ محمد المهدي على سؤال عن موقف السلفيين في حال قيام الحرب بين الدولة والانفصاليين وطلب الدولة للسلفيين أن تشارك معهم في الحرب بأن السلفيين سيشاركون في الحرب، فتدخل الشيخ حسن شبالة وأكد أن هذا الكلام الصادر عن الشيخ المهدي لا يعبر عن جميع السلفيين، وأن للدماء المعصومة حرمتها الشديدة وإنه إن حصلت حرب فلكل حادث حديث ولا ينبغي الاستعجال في تحديد المواقف حول مثل تلك الأمور، وفي جواب آخر للشيخ الدبعي حول مشاركة النساء السلفيات في المؤتمر أفاد أن قاعة المؤتمر كانت غير كافية، وأن لقاء قادما سيكون فيه مكان للنساء السلفيات، فتدخل الشيخ حسن شبالة مرة أخرى وأكد أن هذا أيضا كلام لا يعبر عن إجماع لدى السلفيين.
ولاحقا كلف قادة السلفيين في جمعية الإحسان مشايخهم ورؤساء فروعهم بيان موقفهم من المؤتمر وسبب مقاطعتهم والموقف العام من الأزمة، فكان كلامهم منصبا على أن سبب المقاطعة عدم الترتيب الجيد والمسبق والاستشارة لمادة المؤتمر مادام معنونا بالسلفي العام، وأن الموقف من الوحدة هو تأييد استمرارها ورفض دعوات الانفصال، ورفض الدخول في الحرب مع أي طرف إن وقعت حرب بسبب هذه الأمور.
وقد توجهت بالسؤال لبعض قيادات العمل السلفي في فصيل الإحسان عن سبب تأييد قادة السلفيين للوحدة وماهو منطلقه وكانت الإجابة أن الوحدة أفضل من الانفصال في جميع الحالات سواء إن كان الحكم شرعيا أو غير شرعي، وأن هذا الحراك مؤداه فتن وصدامات خطيرة على البلاد، مع عدم إغفال الفساد الكبير في البلد وعدم جواز السكوت عليه.
وهذا الموقف السلفي من الأزمة الحالية يذكر بموقفهم من حرب الانفصال في سنة 1994م، حين شارك جزء من فصيل جمعية الحكمة في الحرب إلى جانب الحكومة الوحدوية والرئيس اليمني علي عبدالله صالح ضد الحزب الاشتراكي اليمني وقواته ومعسكراته المسيطرة في جنوب اليمن، في الوقت الذي أعلن فصيل جمعية الإحسان رفضه الكامل المشاركة في تلك الحرب باعتبار حرمة دماء اليمنيين من ناحية، ورفض نصرة أي من التوجهين الحاكمين على الآخر من ناحية أخرى، بينما لم يكن الفصيل الحسني قد انفصل بعد عن الفصيل المقبلي الذي كان خارج تلك الأحداث حينها كما هي عادته في تجنب المسائل السياسية العامة.
أما موقف تلك الفصائل من قيام الوحدة اليمنية فيصعب تحديده، لأن معظمها إنما نشأ وتشكل وتأطر بعد الوحدة اليمنية بفترة، فقد قامت الوحدة اليمنية سنة 1990م، بينما نشأت جمعية الحكمة سنة 91م، ونشأت جمعية الإحسان سنة 92م، وانفصل الفصيل الحسني عن التيار المقبلي بعد ذلك بسنوات طويلة، والموقف المسجل هو موقف الفصيل السلفي المقبلي الرافض للوحدة بصيغتها في ذلك الوقت والقائمة على العلمانية والتوجه الدستوري المخالف لوحدانية التشريع الإسلامي وقد عبر عنه الزعيم السلفي الكبير الشيخ مقبل الوادعي رحمه الله في حينه، وكذلك موقف التيار السلفي الإخواني المعبر عنه الشيخ عبدالمجيد الزنداني عبر ما اصطلح على تسميته ثورة الدستور السلمية حينذاك.
أما إن عرجنا على الفصيل السلفي المقبلي وهو فصيل كبير ومنتشر، فإن الكلام حول موقفه من أزمة الوحدة والانفصال في الفترة الحالية لا تختلف عن باقي الفصائل السلفية، فقيادات هذا الفصيل مثل المشايخ يحيى الحجوري مدير مركز دماج العلمي في صعدة والشيخ محمد الإمام مدير مركز معبر العلمي بذمار والشيخ محمد عبدالوهاب الوصابي مدير مركز الحديدة العلمي والشيخ محمد العدني مدير مركز لحج العلمي وغيرهم ينطلقون من نفس الموقف في الاصطفاف بجوار ولي الأمر الشرعي المسيطر على الأوضاع ورفض الثورات السلمية وغير السلمية، والإصرار على طريق النصيحة والموعظة والتوجيه وسيلة لإصلاح الحاكم وأخطائه، أم الدعوات للعصيان المدني أو المظاهرات والمسيرات وتحريض الناس على الرئيس والنظام الحاكم فإنها وسائل مرفوضة لدى هذا الفصيل بشكل أخص من غيره ممن يشترك معه في نظرته وتوجهه في هذه المسائل (فصيلي الحكمة والحسنيين)، ولذلك فإن نتيجة هذا المنطلق تأييد قيادات هذا الفصيل لاستمرار الوحدة ورفض دعوات الانفصال وتحركات الجنوبيين.
وأسجل هنا نقطة مهمة، وهي أن منطلق التيار السلفي هو المحافظة على الأمن والسكينة، ورفض دعوات التحرك خشية من الفتن التي يمكن أن تحصل نتيجته، وليست تأييدا للرئيس أو النظام الحاكم، ويتضح هذا الفرق فيما إن حصل تغير للنظام بانقلاب عسكري أو غيره كنجاح الحراك الجنوبي في السيطرة على الجنوب، فإن موقف التيار السلفي لن يكون معارضا أو مصرا على عودة النظام السابق مثل غيره من الأحزاب التي تقوم مواقفها مرتبطة بأشخاص أو أنظمة فكرية معينة، ولن تكون معارضة التيار السلفي لأي نظام حاكم إلا من ناحية تطرفه في العلمانية أو الاشتراكية إن اتخذها نظاما حاكما في البلد، بل سينطلق التيار السلفي من نفس المنطلق في منع الخروج والثورة على هذا النظام الجديد لنفس المبررات وهو منع الاقتتال وسيلان الدم والفتن.
والحديث عن الاختلاف بين موقف القيادات السلفية والقواعد السلفية الجنوبية ينطبق كذلك على الفصيل المقبلي مثلما ينطبق على غيره، فما يزال السلفيون الجنوبيون من قيادات الصف الثاني (أعني بهم خطباء المساجد وقادة التجمعات الشبابية السلفية من كبار طلبة العلم ومدراء المراكز والمؤسسات) وكذلك غيرهم من عامة السلفيين الجنوبيين متعاطفين إلى حدود بعيدة مع العاطفة الجنوبية الجارفة والداعية إلى الانفصال وحق تقرير المصير بسبب الفساد غير المحتمل والذي صار مؤثرا على معيشة الناس اليومية.
ولعل الدافع الرئيس للتأييد الجارف للقواعد السلفية الجنوبية للحراك الجنوبي ينطلق من المنطلقات التالية:
1- التأثر الشديد بالحالة الاقتصادية والمعيشية في تلك المناطق.
2- عدم الانطلاق من منطلقات القيادات السلفية في الحفاظ على المكتسبات العامة والصبر على الأوضاع، وذلك لعدم النضوج الكامل من ناحية السن من جهة، ولعدم الإحساس بتلك المكتسبات بالشكل الكامل من جهة أخرى.
3- التأثر بالدعاية الحراكية الجنوبية القوية، والمركزة على إبراز التهميش للجنوبيين في الوظائف والتنمية والعمل والتمييز المناطقي والمذهبي، وكذلك التركييز على الوضع الإيجابي للجنوب في حالة الانفصال من ناحية الثروات النفطية والسمكية والدعم الخارجي من التجار الجنوبيين في الخليج وأمريكا.
ولملاحظة قيادات السلفيين لهذه الأمور فإنهم ينشطون لمحاولة إيصال أصواتهم لقواعدهم في الموقف الواجب اتخاذه من هذه الأحداث، ولقد كان المؤتمر السلفي العام في صنعاء أحد تلك الطرق، ولأهمية الحدث النازل وقوة الاختلاف فيه بين القيادة وبعض القواعد استدعى الأمر انعقاد مؤتمر لم يألف السلفيون في اليمن له مثيلا من قبل.
باعتبار التيارات السلفية تيارات إسلامية أصولية فإنها تحكمها في مواقفها تجاه الأحداث المعاصرة مدى موافقتها أو مخالفتها للشريعة الإسلامية، فقبل أي اعتبار آخر تحاول تلك التيارات عرض المسائل الناشئة والحديثة على هذا الأصل، وقد تختلف النتائج باختلاف النظرات والمؤديات إليه إلا أنه في النهاية يكون منطلقا من ذلك الأساس.
وهذا الأمر مهم جدا، وتبرز أهميته عند مقارنته بمنطلقات تيارات أخرى تجاه الأحداث الناشئة، فإنه تغلب مؤثرات أخرى على كثير من الأحزاب والتوجهات اليمينية واليسارية وحتى الدينية، تجعل ناتج تلك التأثيرات متأثرا بتلك المواقف، وخاصة عند تدخل المؤثر الخارجي السياسي والمالي والفكري، والذي لا يمثل عند السلفيين أثرا رئيسا.
ولكن هذا الأمر لا يصح على جميع فئات العينة السلفية كأفراد، وإن صح عليهم كتيارات، فإن الأفراد يتأثرون بالمؤثرات المختلفة كل بحسب عدة عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية.
ومن هذا المنطلق فإن قيادات التيارات السلفية في اليمن يحرصون على تبيين المواقف من المستجدات والأحداث المعاصرة حتى يكون بيانهم ذلك موقفا متبعا عند أنصارهم ومريديهم، وذلك المنطلق نفسه هو سبب انقياد أنصار السلفيين لقادتهم، وهو التحاكم إلى الشريعة الإسلامية والنصوص الشرعية، وإلا فإنه لا توجد روابط تنظيمية ملزمة أو أوامر فوقية لا تناقش كالحال في بعض التوجهات الأخرى، بل إن معظم المواقف الناشئة تخضع لنقاش كثير وأخذ ورد.
ولأهمية الموقف الراهن، وصيرورته موقفا عاما حرك جزءا كبيرا من اليمن، وهو الحراك الجنوبي وتوسع النفس المطالب بالانفصال في جنوب اليمن، فإن جزءا من السلفيين تحركوا من أجل عقد مؤتمر عام لتوضيح الموقف الواجب اتباعه من هذه الأحداث العامة والكبيرة.
فانعقد الملتقى السلفي العام الأول في صنعاء في شهر جمادى الأولى 1430هـ الموافق مايو 2009م، والذي حضره مئات السلفيين منهم مجموعة من علمائهم وقياداتهم ومجموعة أكبر من قيادات الصف الثاني من مختلف المناطق والمحافظات في اليمن، وكان المؤتمر مرتبا مسبقا، بأوراقه وأطروحاته ومواضيعه، التي وضح بشكل جلي أنه يهدف إلى موقف بيان القيادة السلفية أكثر من كونه مؤتمرا للحوار أو النقاش أو التوصل لرؤية سلفية شعبية، وقد خرج بما كان متوقعا وهو تأييد الوحدة واعتبارها أمرا مهما يجب الحفاظ عليه، ورفض دعوات الانفصال والتمرد العسكري، والمعني بالأول الحراك الجنوبي وبالثاني التمرد الحوثي الشمالي، وكذلك احتوى البيان الختامي للمؤتمر السلفي العام رفض الظلم والانتهاكات الحاصلة في البلد والدعوة لإنهائها بشتى السبل، وأن الحل محصور في تطبيق الشريعة الإسلامية في البلد، ومواجهة الأخطار التي تهدد اليمن كالتشيع المغالي (الرفض) وغيره.
ورغم الملاحظات العديدة على المؤتمر وفي مقدمتها تغيب فصيلين رئيسين للتيار السلفي في اليمن، الأول هو قيادات جمعية الإحسان ومقاطعتها المسبقة للمؤتمر، وإرسال الأستاذ الدكتور حسن شبالة رئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة إب للمؤتمر لبيان رفضها طريقة عقد المؤتمر والترتيب له بدون مشاورة مسبقة وإعداد كاف، والثاني هو التيار المقبلي الذي يرفض مثل هذه اللقاءات المنظمة والإعلامية، أضف إلى ذلك غياب الزعيم الكاريزمي للتيار الحسني باليمن الشيخ أبو الحسن المأربي، مما جعل المؤتمر سلفيا خاصا أكثر من كونه عاما، يضم تيار جمعية الحكمة اليمانية المنضم له، إضافة إلى مراكز ومؤسسات وجمعيات صغيرة، أقول رغم هذا فإن ناتج المؤتمر يعكس فعلا التوجه السلفي بشكل عام عند عامة قيادات العمل السلفي في اليمن وهو التأييد للوحدة ورفض دعوات الانفصال واستهجانها.
وقبل أن نبين الاستثناءات المتعددة لهذا الموقف القيادي السلفي، وكذلك أسباب ودوافع هذا الموقف، يجب أن نعرج على أهم الفصائل السلفية في التيار السلفي باليمن لمزيد من التوضيح.
حيث أن هناك ستة فصائل رئيسة في اليمن أربعة منها معنية بها ورقتنا هذا تحت عنوان التيار السلفي، وفصيلان آخران تتناولها أوراق أخرى، فأما الأربعة الفصائل السلفية الرئيسة في اليمن فهي:
1- فصيل جمعية الإحسان: وهو فصيل كبير ومنتشر في كافة محافظات اليمن، وأهم مواقعه صنعاء وحضرموت وأبين، ونشاطه كثير التفرع، يتمثل في العديد من المؤسسات الخيرية العامة والمتخصصة، والمراكز والمعاهد العلمية والشرعية، ومراكز البحوث والدراسات، والمساجد والملتقيات الشبابية والدعوية.
2- فصيل جمعية الحكمة: وهو فصيل كبير ومنتشر في أكثر محافظات اليمن، وأهم مواقعه عدن وتعز وإب، وعمله متركز في جمعية الحكمة، ولها العديد من المساجد والمراكز العلمية والشرعية وبعض المؤسسات العلمية.
3- الفصيل المقبلي (نسبة للشيخ مقبل الوادعي رحمه الله): وهو فصيل كبير غير متجانس ومنتشر في كافة محافظات اليمن، وأهم مواقعه صعدة والحديدة وذمار، وعمله في المساجد والمراكز العلمية.
4- الفصيل الحسني (نسبة للشيخ أبي الحسن المأربي): وهو فصيل صغير موجود في بعض المحافظات، وأهم مواقعه مأرب، وعمله كسابقه في المساجد والمراكز العلمية وبشكل قليل في مؤسسات خيرية حديثة، وهو شبه متحالف مع فصيل جمعية الحكمة.
أما الفصيلان السلفيان الآخران واللذان لا دخل لهذه الورقة بمواقفهما، فهما الفصيل السلفي في التجمع اليمني للإصلاح وهو فصيل كبير ويمثله علماء ومشايخ معروفون وله جامعاته ومراكزه ومواقفه الواضحة تجاه كثير من القضايا ولكن تتناوله ورقة موقف الإخوان المسلمين حيث وهو منضو تحت إطار تلك الجماعة، والثاني هو الفصيل السلفي الجهادي وهو فصيل آخر تتناوله ورقة أخرى.
وإضافة إلى تلك الفصائل الرئيسة، فإنه يوجد أفراد من العلماء والخطباء والدعاة والمراكز والمساجد السلفية المستقلة هنا وهناك، ولكن لا صوت لها كصوت الفصائل الرئيسة.
أما دافع الموقف السلفي العام بتأييد الوحدة واعتبارها مكتسبا لا ينبغي التفريط فيه ورفض دعوات الانفصال فهو ينطلق من عدة أمور، وهي:
1- مسألة تحريم الفتنة والخروج على المسلمين وأنظمتهم الحاكمة وولاة أمورهم، وتأكيد السلفيين أن الثورات في الإسلام مرفوضة ضد الدول والحكومات إلا في حالة وجود الكفر البواح الواضح حسب التوجيهات النبوية المباشرة في هذا الأمر، ولذلك فهم يرون في الحراك الجنوبي ودعوته للخروج على النظام والدولة والانفصال شيئا من هذه الثورات التي ستؤدي إلى صدامات وفتن لا تتوافق مع المفهوم الإسلامي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
2- تخوف السلفيين من مآلات هذا الحراك الجنوبي وما يمكن أن يصل إليه إن نجح، ومن سيحكم الجنوب، وهل ستعود الاشتراكية لتسود في تلك المنطقة كما كانت قبل الوحدة، أم أن العلمانية هي ما ستسود، وقد لفت أحد كبار علماء السلفيين في المؤتمر السلفي سالف الذكر؛ لفت النظر إلى أن عامة قيادات الحراك الجنوبي غير معروفة بدين ولا خير، بل هي من بقايا الجيش الاشتراكي القديم أو ممن لا تلقي للشريعة الإسلامية والحدود الشرعية بالا في أحسن الظروف، ولذلك فإن هذا المصير يتحكم بشدة في موقف السلفيين من تأييد هذا العمل، وهو فارق مهم بين موقف التيار السلفي في اليمن ومواقف كثير من التيارات الأخرى الإسلامية وغير الإسلامية، وهو يصب في مصلحة قضية بعد نظر السلفيين وتفكيرهم في العواقب بشكل متعمق؛ بخلاف ما يصمهم به بعض خصومهم.
3- اعتبار السلفيين الوحدة نعمة على اليمنيين بشكل عام وعلى دعوتهم بشكل خاص، باعتبارها أدت إلى توحد الدعوات السلفية المتفرقة بين الشمال والجنوب من ناحية، وباعتبارها كانت منطلق عدة فصائل سلفية وتوسعها وتنظمها مستفيدة من زوال النظام الاشتراكي المحارب لها في الجنوب، ومستفيدة من ناحية أخرى من السماح بالتوسع في إنشاء منظمات المجتمع المدني في يمن الوحدة لاحقا.
4- اعتبار دعوات الانفصال قائمة على مطالب معيشية وحياتية من غلاء وسوء توزيع الثروة والمناطقية، وهذه الأمور تمثل لدى السلفيين درجة ثانية بعد المنطلق الرئيس وهي المطالب الشرعية المعتمدة على الانحراف عن تحكيم الشريعة وانتشار الربا والخمور وفساد الإعلام والقوانين العلمانية والمنظمات النسوية والمدنية المشبوهة، والتي لم تمثل عند أصحاب الحراك الجنوبي أهمية، فصارت المنطلقات مختلفة والنتائج متضادة.
5- عدم إحساس القيادات السلفية في اليمن بشكل كاف بالظلم والجور الواقع على أصحاب الحراك الجنوبي وأكثر مواطني جنوب اليمن وحالة القهر التي وصلوا إليها بواقع ظروفهم من ناحية وبواقع التحريض الذي يتعرضون إليه صباح مساء من ناحية أخرى، وسبب عدم الإحساس ذلك أن عامة القيادات السلفية شمالية الانتماء من ناحية، وميسورة الحال من ناحية أخرى.
6- الاندفاع العاطفي مع الوحدة وقدسيتها عند اليمنيين بشكل عام، والسلفيون جزء منهم، وعدم تصور أكثر اليمنيين كيف يمكن أن تعود اليمن يمنان بعد توحدها قبل عشرين سنة لأول مرة منذ قرون طويلة، وفي حالة من الحالات النادرة في تاريخ اليمن.
ولكن هذا الموقف الصادر عن المؤتمر السلفي لم يكن يعكس إجماعا كاملا للمؤتمرين، ورغم رفع معظم الأيدي إشارة للموافقة على هذا البيان بعد عرضه في نهاية المؤتمر، إلا أن المناقشات التي جرت خلال يومي المؤتمر أوضحت علامة فارقة ومهمة جدا تعكس انتماء عامة السلفيين للشعب اليمني بتوجهاته العفوية والبسيطة.
فقد كان ملحوظا بشكل لافت للنظر أن عامة المداخلين والمتحدثين والمنتمين في عمومهم لقيادات الصف الثاني من أبناء المحافظات الجنوبية مشبعين بالروح السائدة في مناطقهم من البغض الكامل لنظام الحكم في صنعاء والتفهم التام ورفض التجريح لأصحاب دعوات الانفصال الجنوبية، بل والتبرير لمطالباتهم تلك.
وكانت معظم كلمات الجنوبيين من السلفيين من تلك العينة (غير عينة كبار علماء ومشايخ السلفيين) تصب في هذا الاتجاه، حتى اضطرت قيادة المؤتمر إلى تكليف الشيخ عارف أنور (مدير جمعية الحكمة بعدن) لإدارة إحدى الجلسات رغم أن اسمه لم يكن ضمن جدول إدارة الجلسات، وكان واضحا على كلامه توجيهه خطابه لسلفيي الجنوب لالتزام الهدوء والصبر والثقة بعلمائهم، وكان يحلف لهم أنه ليس للسلطة دخل في عقد هذا الملتقى بخلاف ما بدأ يتسرب في أروقة القاعة في الجلسة السابقة، وقرر الشيخ عارف أن يجعل فرصة لكل محافظة جنوبية للكلام عبر مندوب يختاره أصحاب تلك المحافظة، وصبت كل تلك الكلمات في خانة نقد التصرفات الحكومية والتبرير لأصحاب الحراك الجنوبي ومطالبة المؤتمر بالانتقاد القوي والمباشر لسياسات الحكومة والقيادة السياسية للبلد، وخاصة كلمتي مندوبي الضالع وشبوة.
كما كان لافتا تحمس أولئك الإخوة للكلمات المنتقدة للنظام اليمني والوضع السياسي فيه، وخاصة ورقة العمل التي قدمها وقرأها عضو مجلس النواب الشيخ عارف الصبري والذي كان انتقاده فيها لاذعا للنظام الحاكم وأن سياساته هي سبب خراب البلد ودماره، فشهدت ارتياحا كبيرا من الشباب الجنوبيين المشاركين في المؤتمر وبعض الشماليين كذلك، ثم تكبيرا في نهايتها لم يتكرر مع أي كلمة أو ورقة عمل أخرى، وإن شهدت كلمة الشيخ الدكتور عقيل المقطري ارتياحا أيضا منهم وإن بشكل أقل.
وهذا الأمر يعكس الجو السياسي الحقيقي في الجنوب، حيث أن معظم شباب السلفيين هناك يعتبرون مع التيار المندفع لطلب التخلص من النظام السياسي في البلد بأي شكل ولو كان بالانفصال، وقد أشار الشيخ العلامة أحمد المعلم رئيس جمعية الحكمة في المكلا من حيث لا يشعر في أثناء ورقته التي طرحها في المؤتمر إلى ذلك الأمر، حين استهجن اندفاع شباب سلفيين في الجنوب إلى دعوات الانفصال وعدم رجوعهم إلى علماء الدعوة ومراجعها للاستفسار، وطلب منهم النظر إلى مآلات الأمور ومن هم قادة أولئك الحراك الذي يؤيدونه، وإن حاول الشيخ التأكيد على قلة تلك الفئة بشكل غير مقنع.
أضف إلى ذلك تناقل بعض السلفيين إلى وجود بعض العلماء المعتبرين ممن لم يحضر المؤتمر يؤيد الحراك الجنوبي، وفي مقدمتهم الشيخ حسين بن شعيب بن محفوظ الحضرمي المقيم في عدن، وإن لم يتم التأكد من ذلك الأمر.
وفي نهاية المؤتمر السلفي أجرى منظموه مؤتمرا صحفيا للإعلاميين حضره المشايخ عبدالعزيز الدبعي رئيس مجلس إدارة جمعية الحكمة والشيخ محمد المهدي رئيس فرع جمعية الحكمة بإب والمهتم بالشئون الإعلامية والصحفية، والشيخ الأستاذ الدكتور حسن شبالة رئيس فرع جمعية الإحسان بإب، وفي ذلك المؤتمر وضح حصول اختلافات بين الفصيلين الرئيسين المشاركين في المؤتمر تيار الحكمة وتيار الإحسان، حيث أجاب الشيخ محمد المهدي على سؤال عن موقف السلفيين في حال قيام الحرب بين الدولة والانفصاليين وطلب الدولة للسلفيين أن تشارك معهم في الحرب بأن السلفيين سيشاركون في الحرب، فتدخل الشيخ حسن شبالة وأكد أن هذا الكلام الصادر عن الشيخ المهدي لا يعبر عن جميع السلفيين، وأن للدماء المعصومة حرمتها الشديدة وإنه إن حصلت حرب فلكل حادث حديث ولا ينبغي الاستعجال في تحديد المواقف حول مثل تلك الأمور، وفي جواب آخر للشيخ الدبعي حول مشاركة النساء السلفيات في المؤتمر أفاد أن قاعة المؤتمر كانت غير كافية، وأن لقاء قادما سيكون فيه مكان للنساء السلفيات، فتدخل الشيخ حسن شبالة مرة أخرى وأكد أن هذا أيضا كلام لا يعبر عن إجماع لدى السلفيين.
ولاحقا كلف قادة السلفيين في جمعية الإحسان مشايخهم ورؤساء فروعهم بيان موقفهم من المؤتمر وسبب مقاطعتهم والموقف العام من الأزمة، فكان كلامهم منصبا على أن سبب المقاطعة عدم الترتيب الجيد والمسبق والاستشارة لمادة المؤتمر مادام معنونا بالسلفي العام، وأن الموقف من الوحدة هو تأييد استمرارها ورفض دعوات الانفصال، ورفض الدخول في الحرب مع أي طرف إن وقعت حرب بسبب هذه الأمور.
وقد توجهت بالسؤال لبعض قيادات العمل السلفي في فصيل الإحسان عن سبب تأييد قادة السلفيين للوحدة وماهو منطلقه وكانت الإجابة أن الوحدة أفضل من الانفصال في جميع الحالات سواء إن كان الحكم شرعيا أو غير شرعي، وأن هذا الحراك مؤداه فتن وصدامات خطيرة على البلاد، مع عدم إغفال الفساد الكبير في البلد وعدم جواز السكوت عليه.
وهذا الموقف السلفي من الأزمة الحالية يذكر بموقفهم من حرب الانفصال في سنة 1994م، حين شارك جزء من فصيل جمعية الحكمة في الحرب إلى جانب الحكومة الوحدوية والرئيس اليمني علي عبدالله صالح ضد الحزب الاشتراكي اليمني وقواته ومعسكراته المسيطرة في جنوب اليمن، في الوقت الذي أعلن فصيل جمعية الإحسان رفضه الكامل المشاركة في تلك الحرب باعتبار حرمة دماء اليمنيين من ناحية، ورفض نصرة أي من التوجهين الحاكمين على الآخر من ناحية أخرى، بينما لم يكن الفصيل الحسني قد انفصل بعد عن الفصيل المقبلي الذي كان خارج تلك الأحداث حينها كما هي عادته في تجنب المسائل السياسية العامة.
أما موقف تلك الفصائل من قيام الوحدة اليمنية فيصعب تحديده، لأن معظمها إنما نشأ وتشكل وتأطر بعد الوحدة اليمنية بفترة، فقد قامت الوحدة اليمنية سنة 1990م، بينما نشأت جمعية الحكمة سنة 91م، ونشأت جمعية الإحسان سنة 92م، وانفصل الفصيل الحسني عن التيار المقبلي بعد ذلك بسنوات طويلة، والموقف المسجل هو موقف الفصيل السلفي المقبلي الرافض للوحدة بصيغتها في ذلك الوقت والقائمة على العلمانية والتوجه الدستوري المخالف لوحدانية التشريع الإسلامي وقد عبر عنه الزعيم السلفي الكبير الشيخ مقبل الوادعي رحمه الله في حينه، وكذلك موقف التيار السلفي الإخواني المعبر عنه الشيخ عبدالمجيد الزنداني عبر ما اصطلح على تسميته ثورة الدستور السلمية حينذاك.
أما إن عرجنا على الفصيل السلفي المقبلي وهو فصيل كبير ومنتشر، فإن الكلام حول موقفه من أزمة الوحدة والانفصال في الفترة الحالية لا تختلف عن باقي الفصائل السلفية، فقيادات هذا الفصيل مثل المشايخ يحيى الحجوري مدير مركز دماج العلمي في صعدة والشيخ محمد الإمام مدير مركز معبر العلمي بذمار والشيخ محمد عبدالوهاب الوصابي مدير مركز الحديدة العلمي والشيخ محمد العدني مدير مركز لحج العلمي وغيرهم ينطلقون من نفس الموقف في الاصطفاف بجوار ولي الأمر الشرعي المسيطر على الأوضاع ورفض الثورات السلمية وغير السلمية، والإصرار على طريق النصيحة والموعظة والتوجيه وسيلة لإصلاح الحاكم وأخطائه، أم الدعوات للعصيان المدني أو المظاهرات والمسيرات وتحريض الناس على الرئيس والنظام الحاكم فإنها وسائل مرفوضة لدى هذا الفصيل بشكل أخص من غيره ممن يشترك معه في نظرته وتوجهه في هذه المسائل (فصيلي الحكمة والحسنيين)، ولذلك فإن نتيجة هذا المنطلق تأييد قيادات هذا الفصيل لاستمرار الوحدة ورفض دعوات الانفصال وتحركات الجنوبيين.
وأسجل هنا نقطة مهمة، وهي أن منطلق التيار السلفي هو المحافظة على الأمن والسكينة، ورفض دعوات التحرك خشية من الفتن التي يمكن أن تحصل نتيجته، وليست تأييدا للرئيس أو النظام الحاكم، ويتضح هذا الفرق فيما إن حصل تغير للنظام بانقلاب عسكري أو غيره كنجاح الحراك الجنوبي في السيطرة على الجنوب، فإن موقف التيار السلفي لن يكون معارضا أو مصرا على عودة النظام السابق مثل غيره من الأحزاب التي تقوم مواقفها مرتبطة بأشخاص أو أنظمة فكرية معينة، ولن تكون معارضة التيار السلفي لأي نظام حاكم إلا من ناحية تطرفه في العلمانية أو الاشتراكية إن اتخذها نظاما حاكما في البلد، بل سينطلق التيار السلفي من نفس المنطلق في منع الخروج والثورة على هذا النظام الجديد لنفس المبررات وهو منع الاقتتال وسيلان الدم والفتن.
والحديث عن الاختلاف بين موقف القيادات السلفية والقواعد السلفية الجنوبية ينطبق كذلك على الفصيل المقبلي مثلما ينطبق على غيره، فما يزال السلفيون الجنوبيون من قيادات الصف الثاني (أعني بهم خطباء المساجد وقادة التجمعات الشبابية السلفية من كبار طلبة العلم ومدراء المراكز والمؤسسات) وكذلك غيرهم من عامة السلفيين الجنوبيين متعاطفين إلى حدود بعيدة مع العاطفة الجنوبية الجارفة والداعية إلى الانفصال وحق تقرير المصير بسبب الفساد غير المحتمل والذي صار مؤثرا على معيشة الناس اليومية.
ولعل الدافع الرئيس للتأييد الجارف للقواعد السلفية الجنوبية للحراك الجنوبي ينطلق من المنطلقات التالية:
1- التأثر الشديد بالحالة الاقتصادية والمعيشية في تلك المناطق.
2- عدم الانطلاق من منطلقات القيادات السلفية في الحفاظ على المكتسبات العامة والصبر على الأوضاع، وذلك لعدم النضوج الكامل من ناحية السن من جهة، ولعدم الإحساس بتلك المكتسبات بالشكل الكامل من جهة أخرى.
3- التأثر بالدعاية الحراكية الجنوبية القوية، والمركزة على إبراز التهميش للجنوبيين في الوظائف والتنمية والعمل والتمييز المناطقي والمذهبي، وكذلك التركييز على الوضع الإيجابي للجنوب في حالة الانفصال من ناحية الثروات النفطية والسمكية والدعم الخارجي من التجار الجنوبيين في الخليج وأمريكا.
ولملاحظة قيادات السلفيين لهذه الأمور فإنهم ينشطون لمحاولة إيصال أصواتهم لقواعدهم في الموقف الواجب اتخاذه من هذه الأحداث، ولقد كان المؤتمر السلفي العام في صنعاء أحد تلك الطرق، ولأهمية الحدث النازل وقوة الاختلاف فيه بين القيادة وبعض القواعد استدعى الأمر انعقاد مؤتمر لم يألف السلفيون في اليمن له مثيلا من قبل.