مشاهدة النسخة كاملة : هدية غالية أهديها إلى إخواني : ( معالم منهج الدعوة ) دليل الداعية
محمد رشيد
08-14-2009, 03:51 AM
الحمد لله ثم الحمد لله.. الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده.. لك الحمدربما كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك.. نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك.. أنت كما أثنيت على نفسك.. صل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. وبعد
فهذه مادة يسر الله جل وعلا لي أن أجمعها من كتابي "في ظلال القرآن" و "معالم في الطريق" للأستاذ سيد قطب رحمه الله، وهي مادة تبرز بوضوح (منهج الدعوة) بوصفها حركة خطابية لا بوصفها الحركة الإسلامية في عمومها وشمولها، وهي بذلك تعد الأولى من نوعها من حيث استعمال السفر العظيم " في ظلال القرآن" فقد خرجت من قبل رسالة (طريق الدعوة في ظلال القرآن) ولكنه لا يتحدث عن منهج الدعوة الإسلامية كرحكة دعوية خطابية، وإنما تناول الإسلام والذي يغلب فيه استعمال اصكلاح (الدعوة الإسلامية) لذلك لم أره موفيا في هذا الباب.
وقد عشت فترة طويلة متقطعة مع السفر العظيم "في ظلال القرآن" ووقفت منه على كثير من مجالات منهج الدعوة، ثم عمدت إلى جمع تلك المحال وضمها في ترتيب متناسق يتحقق به أن يكون مرشدا للداعية.
لذا فقد كان عملي متمثلا في :
أ ـ قمت بجمع الكثير من المقاطع التي تتناول خصيصا منهج الداعية من كتاب الظلال، وأضفت لها فصل (نقلة بعيدة) وهو الفصل التاسع من كتاب معالم في الطريق. فكانت مادة منهجية غنية تتناول كافة أرجاء الحركة الدعوية بدءا من الانطلاق وانتهاء بالسلوك والواجبات اثناء الحركة.
ب ـ قمت بترتيب المادة ترتيبا دقيقا.. وهو أعلى جهد بذل في هذه المادة، حيث إن المواضع متفرقة في الظلال والمعالم.. وهناك مواضع ـ مثل فصل المعالم ـ قمت بتجزيئها كذلك.. وذلك للحصول على مادة مرتبة متناسقة تناسب السير الواقعي للحركة الدعوية. ووالمقران بين أصل المادة قبل وبعد الترتيب يتبين له عظم فائدة هذه الترتيب إن شاء الله تعالى. والحمد لله رب العالمين.
ج ـ قمت بوضع عناوين بالخط الفارسي بين المقاطع المرتبة، سواء كان الترتيب من خلالي أو كان أصليا في المادة بينما أفصل بينها بالعناوين لما يقتضيه منهجي التقسيمي .. فكانت تلك العناوين - بالخط الفارسي - كالبوابة لما يحويه المقطع من المادة.
د ـ قمت بوضع نسبة كل مقطع في راس مادة المقطع بخط صغير وذلك حتى يعلم موضعه من أصله.
هـ ـ بعض الجمل او الكلمات المهمة وضعت تحتها خطا للتركيز عليها.
و ـ قمت بتقسيم المادة إلى فصول رئيسية، وتحت كل فصل يوجد عدد من المباحث التي تمثل مادة هذا الفصل، وقمت بترقيم المباحث بتسلسل واحد من أول المادة إلى آخرها، مع اندراجها تحت الفصول الرئيسية.
وسوف أضع هذه المادة تباعا دونما ضغط بالكم هنا على المنتدى؛ طمعا في تيسير قراءتها وتأملها والنقاش الإيجابي بين الإخوان إن احتاجوا إليه.
وأسأل الله جل وعلا أن يبارك في هذا العمل وأن يجعله ذخرا لي يوم لا ينجيني إلا ما رجح به الميزان.. والله تعالى المستعان وعليه التكلان.
معــــالم منـــهج الدعــــوة
[ الفصل الأول ]
المنطلق الكلي للدعوة وبطلان المناهج الجزئية
مبحث 1
طبيعة القرآن المكي وبيان ركيزته الدعوية
[من مقدمة سورة الأنعام]
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه السورة مكية.. من القرآن المكي.. القرآن الذي ظل يتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاما كاملة، يحدثه فيها عن قضية واحدة. قضية واحدة لا تتغير، ولكن طريقة عرضه لا تكاد تتكرر. ذلك أن الأسلوب القرآني يدعها في كل عرض جديدة، حتى لكأنما يطرقها للمرة الأولى!
لقد كان يعالج القضية الأولى، والقضية الكبرى، والقضية الأساسية، في هذا الدين الجديد، "قضية العقيدة " ممثلة في قاعدتها الرئيسية.. الألوهية والعبودية، وما بينهما من علاقة.
لقد كان يخاطب بهذه القضية "الإنسان". الإنسان بما أنه إنسان.. وفي هذا المجال يستوى الإنسان العربي في ذلك الزمان والإنسان العربي في كل زمان. كما يستوي الإنسان العربي وكل إنسان. في ذلك الزمان وفي كل زمان!
إنها قضية الإنسان التي لا تتغير، لأنها قضية وجوده في هذا الكون وقضية مصيره. قضية علاقته بهذا الكون وبهؤلاء الأحياء، وقضية علاقته بخالق هذا الكون وخالق هذه الأحياء.. وهي قضية لا تتغير، لأنها قضية الوجود والإنسان!
لقد كان هذا القرآن المكي يفسر للإنسان سر وجوده ووجود هذا الكون من حوله.. كان يقول له: من هو؟ ومن أين جاء؛ وكيف جاء؛ ولماذا جاء؟ وإلى أيم يذهب في نهاية المطاف؟ من ذا الذي جاء به من العدم والمجهول؟ ومن ذا الذي يذهب به وما مصيره هناك؟.. وكان يقول له: ما هذا الوجود الذي يحسه ويراه، والذي يحس أن وراءه غيبا يستشرفه ولا يراه؟ من أنشأ هذا الوجود المليء بالأسرار؟ من ذا يدبره ومن ذا يحوره؟ ومن ذا يجدد فيه ويغير على النحو الذي يراه؟ .. وكان يقول له كذلك: كيف يتعامل مع خالق هذا الكون، ومع الكون أيضا، وكيف يتعامل العباد مع خالق العباد.
وكانت هذه هي القضية الكبرى التي يقوم عليها وجود "الإنسان". وستظل هي القضية الكبرى التي يقوم عليها وجوده، على توالي الأزمان..
وهكذا انقضت ثلاثة عشر عاما كاملة في تقرير هذه القضية الكبرى. القضية التي ليس وراءها شيء في حياة الإنسان إلا ما يقوم عليها من المقتضيات والتفريعات..
ولم يتجاوز القرآن المكي هذه القضية الأساسية إلى شيء مما يقوم عليها من التفريعات المتعلقة بنظام الحياة، إلا بعد أن علم الله أنها قد استوفت ما تستحقه من البيان، وأنها استقرت استقرارا مكينا ثابتا في قلوب العصبة المختارة من بني الإنسان، التي قدر الله لها أن يقوم هذا الدين عليها؛ وأن تتولى هي إنشاء النظام الواقعي الذي يتمثل فيه هذا الدين.
* * *
وأصحاب الدعوة إلى دين الله، وإقامة النظام الذي يتمثل فيه هذا الدين في واقع الحياة؛ خليقون أن يقفوا طويلا أمام هذه الظاهرة الكبيرة.. ظاهرة تصدي القرآن المكي خلال ثلاثة عشر عاما.. لتقرير هذه العقيدة؛ ثم وقوفه عندها لا يتجاوزها إلى شيء من تفصيلات النظام الذي يقوم عليها، والتشريعات التي تحكم المجتمع المسلم الذي يعتنقها..
لقد شاءت حكمة الله أن تكون قضية العقيدة هي القضية التي تتصدى الدعوة لها منذ اليوم الأول للرسالة. وأن يبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى خطواته في الدعوة، بدعوة الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله؛ وأن يمضي في دعوته يعرف الناس بربهم الحق، ويعبدهم له دون سواه.
ولم تكن هذه ـ في ظاهر الأمر وفي نظرة العقل البشري المحجوب ـ هي أيسر السبل إلى قلوب العرب! فلقد كانوا يعرفون من لغتهم معنى:"إله" ومعنى " "لا إله إلا الله".. كانوا يعرفون أن الألوهية تعني الحاكمية العليا.. وكانوا يعرفون أن توحيد الألوهية وإفراد الله ـ سبحانه ـ بها، معناه نزع السلطان الذي يزاوله الكهان و مشيخة القبائل والأمراء والحكام، ورده كله إلى الله.. السلطان على الضمائر، والسلطان على الشعائر، والسلطان على واقعيات الحياة.. السلطان في المال، والسلطان في القضاء، والسلطان في الأرواح والأبدان.. وخروج على السلطات التي تحكم بشريعة من عندها لم يأذن بها الله.. ولم يكن يغيب عن العرب - وهم يعرفون لغتهم جيدا، ويعرفون المدلول الحقيقي لدعوة: "لا إله إلا الله" - ماذا تعنيه هذه الدعوة بالنسبة لأوضاعهم ورياساتهم وسلطانهم.. ومن ثم استقبلوا هذه الدعوة - أو هذه الثورة - ذلك الاستقبال العنيف، وحاربوها تلك الحرب التي يعرفها الخاص والعام..
فلم كانت هذه نقطة البدء في هذه الدعوة؟ ولم اقتضت حكمة الله أن تبدأ بكل هذا العناء؟
* * *
ابو أسيد
08-14-2009, 08:45 AM
بارك الله فيك أخي الكريم
ولأهمية الموضوع تم التثبيت
محمد رشيد
08-14-2009, 07:36 PM
وفيكم بارك الله تعالى
وأحمده تعالى أن لقي الترحيب مما يدل على خلفية بأهمية وحساسية القضية
وفقكم الرحمن لكل خير
محمد رشيد
08-15-2009, 01:56 AM
مبحث 2
ممارسة الدعوة انطلاقا من القومية والوطنية
لقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الدين، وأخصب بلاد العرب وأغناها ليست في أيدي العرب؛ إنما هي في يد غيرهم من الأجناس!
بلاد الشام كلها في الشمال خاضعة للروم، يحكمها أمراء من العرب من قبل الرومان. وبلاد اليمن كلها في الجنوب خاضعة للفرس يحكمها أمراء من العرب من قبل الفرس.. وليس في أيدي العرب إلا الحجاز ونجد وما إليهما من الصحارى القاحلة، التي تتناثر فيها الواحات الخصبة هنا وهناك!
وكان في استطاعة محمد صلى الله عليه وسلم وهو الصادق الأمين؛ الذي حكمه أشراف قريش قبل ذلك في وضع الحجر الأسود، وارتضوا حكمه، منذ خمسة عشر عاما؛ والذي هو في الذؤابة من بني هاشم أعلى قريش نسبا.. كان في استطاعته أن يثيرها قومية عربية تستهدف تجميع قبائل العرب، التي أكلتها الثارات، ومزقتها النزاعات، وتوجيهها وجهة قومية لاستخلاص أرضها المغتصبة من الإمبراطوريات المستعمرة؛ الرومان في الشمال والفرس في الجنوب؛ وإعلاء راية العربية والعروبة؛ وإنشاء وحدة قوية في كل أرجاء الجزيرة..
ولو دعا يومها رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الدعوة لاستجابت له العرب قاطبة - على الأرجح - بدلا من أن يعاني ثلاثة عشر عاما في اتجاه معارض لأهواء أصحاب السلطان في الجزيرة!
وربما قيل: إن محمدا صلى الله عليه وسلم كان خليقا بعد أن يستجيب له العرب هذه الاستجابة؛ وبعد أن يولوه فيهم القيادة والسيادة؛ وبعد استجماع السلطان في يديه والمجد فوق مفرقه.. أن يستخدم هذا كله في إقرار عقيدة التوحيد التي بعثه بها ربه، وفي تعبيد الناس لسلطان ربهم بعد أن عبدهم لسلطانه!
ولكن الله - سبحانه - وهو العليم الحكيم، لم يوجه رسوله صلى الله عليه وسلم هذا التوجيه! إنما وجهه إلى أن يصدع بلا إله إلا الله: وأن يحتمل هو والقلة التي تستجيب له كل هذا العناء!
لماذا؟ إن الله - سبحانه - لا يريد أن يعنت رسوله والمؤمنين معه.. إنما هو - سبحانه - يعلم أن ليس هذا هو الطريق.. ليس الطريق أن تخلص الأرض من يد طاغوت روماني أو طاغوت فارسي.. إلى يد طاغوت عربي.. فالطاغوت كله طاعوت!.. إن الأرض لله، ويجب أن تخلص لله. ولا تخلص لله إلا أن ترتفع عليها راية: "لا إله إلا الله".. وليس الطريق أن يتحرر الناس في هذه الأرض من طاغوت روماني أو طاغوت فارسي.. إلى طاغوت عربي.. فالطاغوت،كله طاغوت!.. إن الناس عبيد لله وحده، ولا يكونون عبيدا لله وحده إلا أن ترتفع راية: "لا إله إلا الله".. "لا اله الا الله" كما كان يدركها العربي العارف بمدلولات لغته:لا حاكمية إلا لله، ولا شريعة إلا من الله، ولا سلطان لأحد على أحد، لأن السلطان كله لله.. ولأن الجنسية التي يريدها الإسلام للناس هي جنسية العقيدة، التي يتساوي فيها العربي والروماني والفارسي وسائر الأجناس والألوان تحت راية الله.
وهذا هو الطريق..
* * *
مبحث 3
ممارسة الدعوة انطلاقا من العدالة الاجتماعية
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الدين، والمجتمع العربي كأسوأ ما يكون المجتمع توزيعا للثروة والعدالة.. قلة قليلة تملك المال والتجارة؛ وتتعامل بالربا فتضاعف تجارتها ومالها. وكثرة كثيرة لا تملك إلا الشظف والجوع.. والذين يملكون الثروة يملكون معها الشرف والمكانة؛ وجماهير كثيفة ضائعة من المال والمجد جميعا!
وكان في استطاعة محمد صلى الله عليه وسلم أن يرفعها راية اجتماعية؛ وأن يثيرها حربا على طبقة الأشراف؛ وأن يطلقها دعوة تستهدف تعديل الأوضاع ورد أموال الأغنياء على الفقراء!
ولو دعا يومها رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الدعوة، لانقسم المجتمع العربي صفين: الكثرة الغالبة فيه مع الدعوة الجديدة، في وجه طغيان المال والشرف. بدلا من أن يقف المجتمع كله صفا في وجه: "لا إله إلا الله" التي لم يرتفع إلى أفقها في ذلك الحين إلا الأفذاذ من الناس.
وربما قيل: إن محمدا صلى الله عليه وسلم كان خليقا بعد أن تستجيب له الكثرة؛ وتوليه قيادها؛ فيغلب بها القلة ويسلس له مقادها.. أن يستخدم مكانه يومئذ وسلطانه في إقرار عقيدة التوحيد التي بعثه بها ربه، وفي تعبيد الناس لسلطان ربهم بعد أن عبدهم لسلطانه!
ولكن الله - سبحانه - وهو العليم الحكيم، لم يوجهه هذا التوجيه..
لقد كان الله - سبحانه - يعلم أن هذا ليس هو الطريق.. كان يعلم أن العدالة الاجتماعية لا بد أن تنبثق في المجتمع من تصور اعتقادي شامل؛ يرد الأمر كله لله؛ ويقبل عن رضى وعن طواعية ما يقضي به الله من عدالة في التوزيع، ومن تكافل بين الجميع؛ ويستقر معه في قلب الآخذ والمأخوذ منه أنه ينفذ نظاما يرضاه الله؛ ويرجو على الطاعة فيه الخير والحسنى في الدنيا والآخرة سواء. فلا تمتلئ قلوب بالطمع، ولا تمتلىء قلوب بالحقد؛ ولا تسير الأمور كلها بالسيف والعصا؛ وبالتخويف والإرهاب! ولا تفسد القلوب كلها وتختنق الأرواح؛ كما يقع في الأوضاع التي نراها قد قامت على غير: "لا إله إلا الله"..
محمد رشيد
08-15-2009, 01:57 AM
مبحث 4
ممارسة الدعوة انطلاقا من الإصلاح الأخلاقي
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم والمستوى الأخلاقي في الجزيرة العربية في الدرك الأسفل في جوانب منه شتى - إلى جانب ما كان في المجتمع من فضائل الخامة البدوية .
كان التظالم فاشيا في المجتمع، تعبر عنه حكمة الشاعر: زهير بن أبى سلمى:
(ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه *** يهدم، ومن لا يظلم الناس يظلم)
ويعبر عنه القول المتعارف: "انصر أخاك ظالما أو مظلومًا".
وكانت الخمر والميسر من تقاليد المجتمع الفاشية ومن مفاخره كذلك! يعبر عن هذه الخصلة الشعر الجاهلي بجملته.. كالذي يقوله طرفة بن العبد:
(فلولا ثلاث هن من زينة الفتى *** وجدك لم أحفل متى قام عودي)
(فمنهن سبقي العاذلات بشربة *** كميت متى ما تعل بالماء تزبد!)
. . . الخ
وكانت الدعارة - في صور شتى - من معالم هذا التجمع.. كالذي روته عائشة رضي الله عنها:
"إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم: يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو بنته، فيصدقها ثم ينكحها.. والنكاح الآخر كان الرجل يقول لامرأته ـ إذا طهرت من طمثها ـ أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه. ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه. فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب. وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد! فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع.. ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرآة، كلهم يصيبها. فإذا حملت ووضعت، ومر عليها ليال، بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها، ولا يستطيع أن يمتنع به الرجل. والنكاح الرابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها - وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن الرايات تكون علما، فمن أرادهن دخل عليهن - فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها، جمعوا لها ودعوا القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاطه، ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك"... [أخرجه البخاري في كتاب النكاح ] .
وكان في استطاعة محمد صلى الله عليه وسلم أن يعلنها دعوة إصلاحية، تتناول تقويم الأخلاق، وتطهير المجتمع، وتزكية النفوس، وتعديل القيم والموازين..
وكان واجدا وقتها - كما يجد كل مصلح أخلاقي في أية بيئة - نفوسا طيبة، يؤذيها هذا الدنس؛ وتأخذها الأريحية والنخوة لتلبية دعوة الإصلاح والتطهير..
وربما قال قائل: إنه لو صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فاستجابت له - في أول الأمر - جمهرة صالحة؛ تتطهر أخلاقها، وتزكو أرواحها، فتصبح أقرب إلى قبول العقيدة وحملها.. بدلا من أن تثير دعوة أن لا إله إلا الله المعارضة القوية منذ أول الطريق!
ولكن الله - سبحانه - وهو العليم الحكيم، لم يوجه رسوله صلى الله عليه وسلم إلى مثل هذا الطريق..
لقد كان الله - سبحانه - يعلم أن ليس هذا هو الطريق! كان يعلم أن الأخلاق لا تقوم إلا على أساس من عقيدة، تضع الموازين، وتقرر القيم وتقرر السلطة التي ترتكن إليها هذه الموازين والقيم؛ كما تقرر الجزاء الذي تملكه هذه السلطة وتوقعه على الملتزمين والمخالفين. وأنه قبل تقرير تلك العقيدة تظل القيم كلها متأرجحة، وتظل الأخلاق التي تقوم عليها متأرجحة كذلك؛ بلا ضابط، وبلا سلطان، وبلا جزاء!
محمد رشيد
08-15-2009, 01:58 AM
مبحث 5
ممارسة الدعوة بعرض مصالح الشريعة في الحياة الدنيا
ولقد يخيل إلى بعض المخلصين المتعجلين، ممن لا يتدبرون طبيعة هذا الدين، وطبيعة منهجه الرباني القويم، المؤسس على حكمه العليم الحكيم، وعلمه بطبائع البشر وحاجات الحياة.. نقول لقد يخيل لبعض هؤلاء أن عرض أسس النظام الإسلامي - بل التشريعات الإسلامية كذلك - على الناس مما ييسر لهم طريق الدعوة، ويحبب الناس في هذا الدين!
وهذا وهم تنشئه العجلة! وهم كالذي كان يقترحه المقترحون: أن تقوم دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم - في أولها تحت راية قومية، أو اجتماعية، أو أخلاقية، تيسيرا للطريق!
إن النفوس يجب أن تخلص أولا لله، وتعلن عبوديتها له، بقبول شرعه وحده ورفض كل شرع غيره.. من ناحية المبدأ.. قبل أن تخاطب بأي تفصيل عن ذلك الشرع يرغبها فيه!
إن الرغبة يجب أن تنبثق من الرغبة في إخلاص العبودية لله، والتحرر من سلطان سواه.. لا من أن النظام المعروض عليها.. في ذاته.. خير مما لديها في كذا وكذا على وجه التفصيل.
إن نظام الله خير في ذاته، لأنه من شرع الله. ولن يكون شرع العبيد يوما كشرع الله.. ولكن هذه ليست قاعدة الدعوة.. إن قاعدة الدعوة أن قبول شرع الله وحده ورفض كل شرع غيره هو ذاته الإسلام. وليس للإسلام مدلول سواه. فمن رغب في الإسلام فقد فصل في هذه القضية ولم يعد بحاجة إلى ترغيبه بجمال النظام وأفضليته.. فهذه إحدى بديهيات الإيمان!
* * *
مبحث 6
(محل) و(شرط)تحقق الإصلاحات الجزئية
فلما تقررت العقيدة - بعد الجهد الشاق - وتقررت السلطة التي ترتكن إليها هذه العقيدة.. لما عرف الناس ربهم وعبدوه وحده.. لما تحرر الناس من سلطان العبيد، ومن سلطان الشهوات سواء.. لما تقررت في القلوب: "لا إله إلا الله".. صنع الله بها وبأهلها كل شيء مما يقترحه المقترحون..
تطهرت الأرض من الرومان والفرس.. لا ليتقرر فيها سلطان العرب.. ولكن ليتقرر فيها سلطان الله.. لقد تطهرت من الطاغوت كله: رومانيا وفارسيا وعربيا على السواء.
وتطهر المجتمع من الظلم الاجتماعي بجملته. وقام النظام الإسلامي يعدل بعدل الله، ويزن بميزان الله ويرفع راية العدالة الاجتماعية باسم الله وحده؛ ويسميها راية الإسلام، لا يقرن إليها اسما آخر؛ ويكتب عليها: "لا إله إلا الله"!
وتطهرت النفوس والأخلاق، وزكت القلوب والأرواح؛ دون أن أن يحتاج الأمر إلى الحدود والتعازير التي شرعها الله - إلا في الندرة النادرة - لأن الرقابة قامت هنالك في الضمائر؛ ولأن الطمع في رضى الله وثوابه، والحياء والخوف من غضبه وعقابه قد قامت كلها مقام الرقابة ومقام العقوبات..
وارتفعت البشرية في نظامها، وفي أخلاقها، وفي حياتها كلها، إلى القمة السامقة التي لم ترتفع إليها من قبل قط؛ والتي لم ترتفع إليها من بعد إلا في ظل الإسلام..
ولقد تم هذا كله لأن الذين أقاموا هذا الدين في صورة دولة ونظام وشرائع وأحكام؛ كانوا قد أقاموا هذا الدين من قبل في ضمائرهم وفي حياتهم، في صورة عقيدة وخلق وعبادة وسلوك. وكانوا قد وعدوا على إقامة هذا الدين وعدا واحدا، لا يدخل فيه الغلب والسلطان.. ولا حتى لهذا الدين على أيديهم.. وعدا واحدا لا يتعلق بشيء في هذه الدنيا.. وعدا واحدا هو الجنة.. هذا كل ما وعدوه على الجهاد المضني، والابتلاء الشاق، والمضي في الدعوة، ومواجهة الجاهلية بالأمر الذي يكرهه أصحاب السلطان، في كل زمان وفي كل مكان، وهو: "لا إله إلا الله"!
فلما أن ابتلاهم الله فصبروا؛ ولما أن فرغت نفوسهم من حظ نفوسهم؛ ولما أن علم الله منهم أنهم لا ينتظرون جزاء في هذه الأرض - كائنا ما كان هذا الجزاء ولو كان هو انتصار هذه الدعوة على أيديهم، وقيام هذا الدين في الأرض بجهدهم - ولما لم يعد في نفوسهم اعتزاز بجنس ولا قوم، ولا اعتزاز بوطن ولا أرض. ولا اعتزاز بعشيرة ولا بيت..
لما أن علم الله منهم ذلك كله، علم أنهم قد أصبحوا - إذن - أمناء على هذه الأمانة الكبرى. أمناء على العقيدة التي يتفرد فيها الله سبحانه بالحاكمية في القلوب والضمائر وفي السلوك والشعائر، وفي الأرواح والأموال، وفي الأوضاع والأحوال.. وأمناء على السلطان الذي يوضع في أيديهم ليقوموا به على شريعة الله ينفذونها، وعلى عدل الله يقيمونه، دون أن يكون لهم من ذلك السلطان شيء لأنفسهم ولا لعشيرتهم ولا لقومهم ولا لجنسهم؛ إنما يكون السلطان الذي في أيديهم لله ولدينه وشريعته، لأنهم يعلمون أنه من الله، هو الذي آتاهم إياه.
ولم يكن شيء من هذا المنهج المبارك ليتحقق على هذا المستوى الرفيع، إلا أن تبدأ الدعوة ذلك البدء، وإلا أن ترفع الدعوة هذه الراية وحدها.. راية لا إله إلا الله.. ولا ترفع معها سواها.. وإلا أن تسلك الدعوة هذا الطريق الوعر الشاق في ظاهره؛ المبارك الميسر في حقيقته.
وما كان هذا المنهج المبارك ليخلص لله، لو أن الدعوة بدأت خطواتها الأولى دعوة قومية، أو دعوة اجتماعية، أو دعوة أخلاقية.. أو رفعت أي شعار إلى جانب شعارها الواحد: "لا إله إلا الله"..
محمد رشيد
08-15-2009, 02:00 AM
[ الفصل الثاني ]
طبيعة الدين في البدء بقاعدة
الألوهية دون التفصيلات
مبحث 6
قاعدة قيام الدين ومنهجه في العمل يحددان انطلاقته
[من مقدمة سورة الأنعام]
ذلك شأن تصدي القرآن المكي كله لتقرير: "لا إله إلا الله" في القلوب والعقول، واختيار هذا الطريق - على مشقته في الظاهر - وعدم اختيار السبل الجانبية الأخرى؛ والإصرار على هذا الطريق..
فأما شأن هذا القرآن في تناول قضية الاعتقاد وحدها، دون التطرق إلى تفصيلات النظام الذي يقوم عليها، والشرائع التي تنظم المعاملات فيها.. فذلك كذلك مما ينبغي أن يقف أمامه أصحاب الدعوة لهذا الدين وقفة واعية..
إن طبيعة هذا الدين هي التي قضت بهذا.. فهو دين يقوم كله على قاعدة الألوهية الواحدة.. كل تنظيماته وكل تشريعاته تنبثق من هذا الأصل الكبير.. وكما أن الشجرة الضخمة الباسقة الوارفة المديدة الظلال المتشابكة الأغصان، الضاربة في الهواء.. لا بد لها أن تضرب بجذورها في التربة على أعماق بعيدة، وفي مساحات واسعة؛ تناسب ضخامتها وامتدادها في الهواء.. فكذلك هذا الدين.. إن نظامه يتناول الحياة كلها؛ ويتولى شؤون البشرية كبيرها وصغيرها؛ وينظم حياة الإنسان لا في هذه الحياة الدنيا وحدها، ولكن كذلك في الدار الآخرة؛ ولا في عالم الشهادة وحده ولكن كذلك في عالم الغيب المكنون عنها؛ ولا في المعاملات الظاهرة المادية، ولكن في أعماق الضمير ودنيا السرائر والنوايا.. فهو مؤسسة ضخمة هائلة شاسعة مترامية.. ولا بد له إذن من جذور وأعماق بهذه السعة والضخامة والعمق والانتشار أيضا..
هذا جانب من سر هذا الدين وطبيعته؛ يحدد منهجه في بناء نفسه وفي امتداده؛ ويجعل بناء العقيدة وتمكينها، وشمول هذه العقيدة واستغراقها لشعاب النفس كلها.. ضرورة من ضرورات النشأة الصحيحة، وضمانا من ضمانات الاحتمال والتناسق بين الظاهر من الشجرة في الهواء، والضارب من جذورها في الأعماق..
ومتى استقرت عقيدة: "لا إله إلا الله" في أعماقها الغائرة البعيدة، استقر معها في نفس الوقت النظام الذي تتمثل فيه: "لا إله إلا الله" ؛ وتعين أنه النظام الوحيد الذي ترتضيه النفوس التي استقرت فيها العقيدة.. واستسلمت هذه النفوس ابتداء لهذا النظام حتى قبل أن تعرض عليها تفصيلاته، وقبل أن تعرض عليها تشريعاته. فالاستسلام ابتداء هو مقتضى الإيمان.. وبمثل هذا الاستسلام تلقت النفوس تنظيمات الإسلام وتشريعاته بالرضى والقبول، لا تعترض على شيء منه فور صدوره إليها ولا تتلكأ في تنفيذه بمجرد تلقيها له. وهكذا أبطلت الخمر، وأبطل الربا، وأبطل الميسر، وأبطلت العادات الجاهلية كلها، أبطلت بآيات من القرآن، أو كلمات من رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما الحكومات الأرضية تجهد في شيء من هذا كله بقوانينها وتشريعاتها ونظمها وأوضاعها، وجندها وسلطانها، ودعايتها وإعلامها.. فلا تبلغ إلا أن تضبط الظاهر من المخالفات؛ بينما المجتمع يعج بالمنهيات والمنكرات!
* * *
وجانب آخر من طبيعة هذا الدين يتجلى في هذا المنهج القويم.. إن هذا الدين منهج عملي حركي جاد.. جاء ليحكم الحياة في واقعها؛ ويواجه هذا الواقع ليقضي فيه بأمره.. يقره أو يعدله أو يغيره من أساسه.. ومن ثم فهو لا يشرع إلا لحالات واقعة فعلا، في مجتمع يعترف ابتداء بحاكمية الله وحده.
إنه ليس نظرية تتعامل مع الفروض! إنه منهج يتعامل مع الواقع! فلا بد أولا أن يقوم المجتمع المسلم الذي يقر عقيدة أن لا إله إلا الله، وأن الحاكمية ليست إلا لله؛ ويرفض أن يقر بالحاكمية لأحد من دون الله؛ ويرفض شرعية أي وضع لا يقوم على هذه القاعدة..
وحين يقوم هذا المجتمع فعلا، تكون له حياة واقعية، تحتاج إلى تنظيم وإلى تشريع. وعندئذ فقط يبدأ هذا الدين في تقرير النظم وفي سن الشرائع.. لقوم مستسلمين أصلا للنظم والشرائع، رافضين ابتداء لغيرها من النظم والشرائع..
ولا بد أن يكون للمؤمنين بهذه العقيدة من السلطان على أنفسهم وعلى مجتمعهم ما يكفل تنفيذ النظام والشرائع في هذا المجتمع؛ حتى تكون للنظام هيبته ويكون للشريعة جديتها.. فوق ما يكون لحياة هذا المجتمع من الواقعية ما يقتضي الأنظمة والشرائع من فورها.
والمسلمون في مكة لم يكن لهم سلطان على أنفسهم ولا على مجتمعهم. وما كانت لهم حياة واقعية مستقلة هم الذين ينظمونها بشريعة الله.. ومن ثم لم ينزل الله في هذه الفترة تنظيمات وشرائع؛ وإنما نزل لهم عقيدة، وخلقا منبثقا من العقيدة بعد اسقرارها في الأعماق البعيدة.. فلما صارت لهم دولة في المدينة ذات سلطان تنزلت عليهم الشرائع؛ وتقرر لهم النظام؛ الذي يواجه حاجات المجتمع المسلم الواقعية؛ والذي تكفل له الدولة بسلطانها الجدية والنفاذ..
ولم يشأ الله أن ينزل عليهم النظام والشرائع في مكة، ليختزنوها جاهزة، حتى تطبق بمجرد قيام الدولة في المدينة! إن هذه ليست طبيعة هذا الدين! إنه أشد واقعية من هذا وأكثر جدية! إنه لا يفترض المشكلات ليفترض لها حلولا.. إنما هو يواجه الواقع بحجمه وشكله وملابساته لصوغه في قالبه الخاص، وفق حجمه وشكله وملابساته..
والذين يريدون من الإسلام اليوم أن يصوغ قوالب نظام، وأن يصوغ تشريعات حياة.. بينما ليس على وجه الأرض مجتمع قد قرر فعلا تحكيم شريعة الله وحدها، ورفض كل شريعة سواها، مع تملكه للسلطة التي تفرض هذا وتنفذه.. الذين يريدون من الإسلام ذلك لا يدركون طبيعة هذا الدين، ولا كيف يعمل في الحياة؛ كما يريد له الله..
إنهم يريدون منه أن يغير طبيعته ومنهجه وتاريخه ليشابه أنظمة بشرية، ومناهج بشرية. ويحاولون أن يستعجلوه عن طريقه وخطواته ليلبي رغبات وقتية في نفوسهم إنما تنشئها الهزيمة الداخلية في أرواحهم تجاه أنظمة بشرية صغيرة.. إنهم يريدون منه أن يصوغ نفسه في قالب فروض، تواجه مستقبلا غير موجود.. والله يريد لهذا الدين أن يكون كما أراده.. عقيدة تملأ القلب، وتفرض سلطانها على الضمير. عقيدة مقتضاها ألا يخضع الناس إلا لله، ولا يتلقوا الشرائع إلا من الله. وبعد أن يوجد الناس الذين هذه عقيدتهم، ويصبح لهم السلطان في مجتمعهم، تبدأ التشريعات لمواجهة حاجاتهم الواقعية، وتنظيم حياتهم الواقعية كذلك.
كذلك يجب أن يكون مفهوما لأصحاب الدعوة الإسلامية، أنهم حين يدعون الناس لإعادة إنشاء هذا الدين، يجب أن يدعوهم أولا إلى اعتناق العقيدة - حتى ولو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين! وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون - يجب أن يعلموهم أن الإسلام هو أولا إقرار عقيدة: لا إله إلا الله بمدلولها الحقيقي وهو رد الحاكمية لله في أمرهم كله، وطرد المعتدين على سلطان الله بادعاء هذا الحق لأنفسهم.. إقرارها في ضمائرهم وشعائرهم، وإقرارها في أوضاعهم وواقعهم..
ولتكن هذه القضية هي أساس دعوة الناس إلى الإسلام كما كانت هي أساس دعوتهم إلى الإسلام أول مرة.. هذه الدعوة التي تكفل بها القرآن المكي طوال ثلاثة عشر عاما كاملة..
فإذا دخل في هذا الدين - بمفهومه هذا الأصيل - عصبة من الناس، فهذه العصبة هي التي تصلح لمزاولة النظام الإسلامي في حياتها الاجتماعية؛ لأنها قررت بينها وبين نفسها أن تقوم حياتها على هذا الأساس؛ وألا تحكم في حياتها كلها إلا الله.
وحين يقوم هذا المجتمع بالفعل يبدأ عرض أسس النظام الإسلامي عليه؛ كما يأخذ هذا المجتمع نفسه في سن التشريعات التي تقتضيها حياته الواقعية، في إطار الأسس العامة للنظام الإسلامي.. فهذا هو الترتيب الصحيح لخطوات المنهج الإسلامي الواقعي العملي الجاد..
* * *
مبحث 7
الفصل بين
طبيعة العقيدة وطبيعة التنظيرات الكلامية
[من مقدمة سورة الأنعام]
وبعد فلا بد أن نقول كيف عالج القرآن المكي قضية العقيدة في خلال الثلاثة عشر عاما.. إنه لم يعرضها في صورة "نظرية"! ولم يعرضها في صورة "لاهوت" ولم يعرضها في صورة جدل كلامي كالذي زاوله فيما بعد ما سمي بـ "علم التوحيد" أو "علم الكلام"!
كلا.. لقد كان القرآن الكريم يخاطب فطرة "الإنسان" بما في وجوده هو وبما في الوجود من حوله من دلائل وإيحاءات.. كان يستنقذ فطرته من الركام؛ ويخلص أجهزة الاستقبال الفطرية مما ران عليها وعطل وظائفها؛ ويفتح منافذ الفطرة لتتلقى الموحيات المؤثرة وتستجيب لها.. والسورة التي بين أيدينا نموذج كامل من هذا المنهج المتفرد وسنتحدث عن خصائصها بعد قليل..
هذا بصفة عامة. وبصفة خاصة كان القرآن يخوض بهذه العقيدة معركة حية واقعية.. كان يخوض بها معركة مع الركام المعطل للفطرة.. في نفوس آدمية حاضرة واقعة.. ومن ثم لم يكن شكل "النظرية" هو الشكل الذي يناسب هذا الواقع الحاضر. إنما كان هو شكل المواجهة الحية للعقابيل والسدود والحواجز والمعوقات النفسية والواقعية في النفوس الحاضرة الحية.. ولم يكن الجدل الذهني الذي انتهجه - في العصور المتأخرة - علم التوحيد، هو الشكل المناسب كذلك.. فلقد كان القرآن يواجه واقعا بشريا كاملا بكل ملابساته الحية؛ ويخاطب الكينونة البشرية بجملتها في خضم هذا الواقع.. وكذلك لم يكن "اللاهوت" هو الشكل المناسب. فإن العقيدة الإسلامية ولو أنها عقيدة، إلا أنها عقيدة تمثل منهج حياة واقعية للتطبيق العملي؛ ولا تقبع في الزاوية الضيقة التي تقبع فيها الأبحاث اللاهوتية النظرية!
كان القرآن وهو يبني العقيدة في ضمائر الجماعة المسلمة يخوض بهذه الجماعة المسلمة معركة ضخمة مع الجاهلية من حولها؛ كما يخوض بها معركة ضخمة مع رواسب الجاهلية في ضميرها وأخلاقها وواقعها.. ومن هذه الملابسات ظهر بناء العقيدة، لا في صورة نظرية، ولا في صورة لاهوت ولا في صورة جدل كلامي.. ولكن في صورة تكوين تنظيمي مباشر للحياة، ممثل في الجماعة المسلمة ذاتها. وكان نمو الجماعة المسلمة في تصورها الاعتقادي، وفي سلوكها الواقعي وفق هذا التصور، وفي دربتها على مواجهة الجاهلية كمنظمة محاربة لها.. كان هذا النمو ذاته ممثلا تماما لنمو البناء العقيدي، وترجمة حية له.. وهذا هو منهج الإسلام الذي يمثل طبيعته كذلك..
وإنه لمن الضروري لأصحاب الدعوة الإسلامية أن يدركوا طبيعة هذا الدين ومنهجه في الحركة على هذا النحو الذي بيناه.. ذلك ليعلموا أن مرحلة بناء العقيدة التي طالت في العهد المكي على هذا النحو، لم تكن منعزلة عن مرحلة التكوين العملي للحركة الإسلامية، والبناء الواقعي للجماعة المسلمة.. لم تكن مرحلة تلقي "النظرية" ودراستها! ولكنها كانت مرحلة البناء القاعدي للعقيدة وللجماعة وللحركة وللوجود الفعلي معا.. وهكذا ينبغي أن تكون كلما أريد إعادة هذا البناء مرة أخرى..
* * *
مبحث 8
طول مرحلة بناء العقيدة بطول مدة النمو الواقعي
[من مقدمة سورة الأنعام]
هكذا ينبغي أن تطول مرحلة بناء العقيدة؛ وأن تتم خطواتها على مهل وفي عمق وتثبت.. وهكذا ينبغي ألا تكون مرحلة بناء العقيدة مرحلة دراسة نظرية للعقيدة؛ ولكن مرحلة ترجمة لهذه العقيدة في صورة حية، متمثلة في ضمائر متكيفة بهذه العقيدة؛ ومتمثلة في بناء جماعي يعبر نموه عن نمو العقيدة ذاتها؛ ومتمثلة في حركة واقعية تواجه الجاهلية وتخوض معها المعركة في الضمير وفي الواقع كذلك؛ لتتمثل العقيدة حية وتنمو نموا حيا في خضم المعركة.
وخطأ أي خطأ - بالقياس إلى الإسلام - أن تتبلور النظرية في صورة نظرية مجردة للدراسة النظرية.. المعرفية الثقافية.. بل خطر أي خطر كذلك..
إن القرآن لم يقض ثلاثة عشر عاما كاملة في بناء العقيدة بسبب أنه كان يتنزل للمرة الأولى.. كلا! فلو أراد الله لأنزل هذا القرآن جملة واحدة؛ ثم ترك أصحابه يدرسونه ثلاثة عشر عاما أو أكثر أو أقل، حتى يستوعبوا "النظرية الإسلامية " !
ولكن الله - سبحانه - كان يريد أمراً آخر. كان يريد منهجا معينا متفردا. كان يريد بناء الجماعة وبناء الحركة وبناء العقيدة في وقت واحد. كان يريد أن يبني الجماعة والحركة بالعقيدة، وأن يبني العقيدة بالجماعة والحركة! كان يريد أن تكون العقيدة هي واقع الجماعة الفعلي، وأن يكون واقع الجماعة الحركي الفعلي هو صورة العقيدة.. وكان الله - سبحانه - يعلم أن بناء النفوس والجماعات لا يتم بين يوم وليلة.. فلم يكن بد أن يستغرق بناء العقيدة المدى الذي يستغرقه بناء النفوس والجماعة.. حتى إذا نضج التكوين العقيدي كانت الجماعة هي المظهر الواقعي لهذا النضوج..
هذه هي طبيعة هذا الدين - كما تستخلص من منهج القرآن المكي - ولا بد أن نعرف طبيعته هذه؛ ولا نحاول أن نغيرها تلبية لرغبات معجلة مهزومة أمام أشكال النظريات البشرية! فهو بهذه الطبيعة صنع الأمة المسلمة أول مرة، وبها يصنع الأمة المسلمة في كل مرة يراد أن يعاد إخراج الأمة المسلمة للوجود، كما أخرجها الله أول مرة..
يجب أن ندرك خطأ المحاولة، وخطرها معا، في تحويل العقيدة الإسلامية الحية التي يجب أن تتمثل في واقع تام حي متحرك، إلى "نظرية " للدراسة والمعرفة الثقافية لمجرد أننا نريد أن نواجه "النظريات" البشرية الهزيلة بنظرية إسلامية!
إن العقيدة الإسلامية يجب أن تتمثل في نفوس حية، وفي تنظيم واقعي، وفي حركة تتفاعل مع الجاهلية من حولها، كما تتفاعل مع الجاهلية الراسبة في نفوس أصحابها - بوصفهم كانوا من أهل الجاهلية قبل أن تدخل العقيدة إلى نفوسهم وتنتزعها من الوسط الجاهلي ـ وهي في صورتها هذه تشغل من القلوب والعقول ومن الحياة أيضا مساحة أضخم وأوسع وأعمق مما تشغله "النظرية" ؛ وتشمل - فيما تشمل - مساحة النظرية ومادتها. ولكنها لا تقتصر عليها.
إن التصور الإسلامي للألوهية وللوجود الكوني وللحياة وللإنسان، تصور شامل كامل. ولكنه كذلك تصور واقعي إيجابي. وهو يكره - بطبيعته - أن يتمثل في مجرد تصور ذهني معرفي. لأن هذا يخالف طبيعته وغايته. ويجب أن يتمثل في أناسي، وفي تنظيم حي، وفي حركة واقعية.. وطريقته في التكون أن ينمو من خلال الأناسي والتنظيم الحي والحركة الواقعية؛ حتى يكتمل نظريا في نفس الوقت الذي يكتمل فيه واقعيا؛ ولا ينفصل في صورة نظرية؛ بل يظل ممثلا في الصورة الواقعية..
وكل نمو نظري يسبق النمو الحركي الواقعي، ولا يتمثل من خلاله، هو خطأ وخطر كذلك بالقياس إلى طبيعة هذا الدين، وغايته، وطريقة تركيبه الذاتي.
والله سبحانه يقول:
(وقرآنا فرقناه، لتقرأه على الناس على مكث، ونزلناه تنزيلًا) ..
فالفرق مقصود. والمكث مقصود كذلك.. ليتم البناء التكويني المؤلف من عقيدة في صورة "منظمة حية" لا في صورة "نظرية معرفية " !
* * *
مبحث 9
ربانية منهج العمل في الإسلام كربانية المصدر
[من مقدمة سورة الأنعام]
يجب أن يعرف أصحاب هذا الدين جيدا، أنه كما أن هذا الدين دين رباني، فإن منهجه في العمل منهج رباني كذلك، متواف مع طبيعته. وأنه لا يمكن فصل حقيقة هذا الدين عن منهجه في العمل.
ويجب أن يعرفوا كذلك أن هذا الدين كما أنه جاء ليغير التصور الاعتقادي - ومن ثم يغير الواقع الحيوي - فكذلك هو قد جاء ليغير المنهج الفكري والحركي الذي يبني به التصور الاعتقادي ويغير به الواقع الحيوي.. جاء ليبني عقيدة وهو يبني أمة.. ثم لينشىء منهج تفكير خاصا به بنفس الدرجة التي ينشئ بها تصورا اعتقاديا وواقعا حيويا. ولا انفصال بين منهج تفكيره الخاص وتصوره الاعتقادي وبنائه الحيوي، فكلها حزمة واحدة.
فإذا عرفنا منهجه في العمل على النحو الذي بيناه، فلنعرف أن هذا المنهج أصيل؛ وليس منهج مرحلة ولا بيئة ولا ظروف خاصة بنشأة الجماعة المسلمة الأولى. إنما هو المنهج الذي لا يقوم بناء هذا الدين إلا به.
إنه لم تكن وظيفة الإسلام أن يغير عقيدة الناس وواقعهم فحسب. ولكن كانت وظيفته أن يغير طريقة تفكيرهم، وتناولهم للتصور وللواقع. ذلك أنه منهج رباني مخالف في طبيعته كلها لمناهج البشر القاصرة الهزيلة.
ونحن لا نملك أن نصل إلى التصور الرباني والحياة الربانية إلا عن طريق منهج تفكير رباني كذلك. منهج أراد الله أن يقيم منهج الناس في التفكير على أساسه ليصح تصورهم وتكوينهم الحيوي.
ونحن حين نريد من الإسلام أن يجعل من نفسه نظرية للدراسة نخرج عن طبيعة المنهج الرباني للتكوين؛ وعن طبيعة المنهج الرباني للتفكير. ونخضع الإسلام لطرائق التفكير البشرية! كأنما المنهج الرباني أدنى من المناهج البشرية! وكأنما نريد لنرتقي بمنهج الله في التصور والحركة ليوازي مناهج العبيد!
والأمر من هذه الناحية يكون خطيرا. والهزيمة تكون قاتلة!
إن وظيفة المنهج الرباني أن يعطينا - نحن أصحاب الدعوة الإسلامية - منهجا خاصا للتفكير نبرأ به من رواسب مناهج التفكير الجاهلية السائدة في الأرض؛ والتي تضغط على عقولنا وتترسب في ثقافتنا.. فإذا نحن أردنا أن نتناول هذا الدين بمنهج تفكير غريب عن طبيعته من مناهج التفكير الجاهلية الغالبة، كنا قد أبطلنا وظيفته التي جاء ليؤديها للبشرية؛ وحرمنا أنفسنا فرصة الخلاص من ضغط المنهج الجاهلي السائد في عصرنا، وفرصة الخلاص من رواسبه في عقولنا وتكويننا.
والأمر من هذه الناحية كذلك يكون خطيرا، والخسارة تكون قاتلة..
إن منهج التفكير والحركة في بناء الإسلام، لا يقل قيمة ولا ضرورة عن منهج التصور الاعتقادي والنظام الحيوي؛ ولا ينفصل عنه كذلك.. ومهما يخطر لنا أن نقدم ذلك التصور وهذا النظام في صورة تعبيرية، فيجب ألا يغيب عن بالنا أن هذا لا ينشئ "الإسلام" في الأرض في صورة حركة واقعية، بل يجب ألا يغيب عن بالنا أنه لن يفيد من تقديمنا الإسلام في هذه الصورة إلا المشتغلون فعلا بحركة إسلامية واقعية. وأن قصارى ما يفيده هؤلاء من تقديم الإسلام لهم في هذه الصورة هو أن يتفاعلوا معها بالقدر الذي وصلوا إليه هم فعلا في أثناء الحركة!
ومرة أخرى أكرر أن التصور الاعتقادي يجب أن يتمثل من فوره في تجمع حركي؛ وأن يكون التجمع الحركي في الوقت ذاته تمثيلا صحيحا وترجمة حقيقية للتصور الاعتقادي.
ومرة أخرى أكرر كذلك أن هذا هو المنهج الطبيعي للإسلام الرباني، وأنه منهج أعلى وأقوم وأشد فاعلية وأكثر انطباقا على الفطرة البشرية من منهج صياغة النظريات كاملة مستقلة وتقديمها في الصورة الذهنية الباردة للناس، قبل أن يكون هؤلاء الناس مشتغلين بالفعل بحركة واقعية؛ وقبل أن يكونوا هم أنفسهم ترجمة تنمو خطوة خطوة لتمثيل ذلك المفهوم النظري.
وإذا صح هذا في أصل النظرية فهو أصح - بطبيعة الحال - فيما يختص بتقديم أسس النظام الذي يتمثل فيه التصور الإسلامي، أو تقديم التشريعات المفصلة لهذا النظام.
القناص
08-17-2009, 06:32 AM
ماشاء الله
دروس مباركه ورائعه
تستحق ان تخرج في كتاب
وان تلقى الى شباب الدعوة السلفيه المباركه
لي عوده إن شاء الله فأني ارى في هذه الدروس منهجيه لم ارى لها سابقا
رعاك الله وكتب الله اجرك
محمد رشيد
08-21-2009, 08:50 AM
جزاك الله خيرا أخي القناص
وواضح أنك فطن.. فالمادة فعلا هي مشروع كتاب، بل قد بدئ فيه بالفعل، والحقيقة هو ليس فقط كتابا، بل هو مشروع مرجع مستوف معمق حول منهج الدعوة، بحيث يستوف كافة أركان هذه القضية على المستوى الأفقي، فيعم كافة مناطقها، ثم على المستوى الراسي، بحيث لا يدع مسائل الدعوة سطحية التحليل كما هو واقعها للأسف، وإنما يستوف المسألة غائصا في جذورها سواء كانت جذور المسألة من حيث المصدرية القرآنية.. ومن حيث إثبات إبراز اثر المنهج القرآني في نفسية الداعية والمدعو سواء.. وهو مشروع بدأته بالفعل وسيستغرق وقتا فيما يبدو.. وأهدف به أن يكو مرجعا دعويا رئيسيا وهو ما نفتقده .. أسأل الله تعالى أن يتمه وأن يجعله خالصا لوجهه وحده..
محمد رشيد
08-21-2009, 08:51 AM
[الفصل الثالث]
حقيقة الإسلام.. ومنهج الدعوة إليه
مبحث 10
الحقيقة الأولية للإسلام.. تحدد معالم الخطاب
[من فصل: نقلة بعيدة. كتاب معالم في الطريق]
هناك حقيقة أولية، ينبغي أن تكون واضحة في نفوسنا تماماً ونحن نقدم الإسلام للناس: الذين يؤمنون به والذين لا يؤمنون به على السواء .. هذه الحقيقة تنبثق من طبيعة الإٍسلام ذاته، وتنبع من تاريخه.
إن الإسلام تصور مستقل للوجود والحياة، تصور كامل ذو خصائص متميزة، ومن ثَمَّ ينبثق منه منهج ذاتي مستقل للحياة كلها، بكل مقوماتها وارتباطاتها، ويقوم عليه نظام ذو خصائص معينة.
هذا التصور يخالف مخالفة أساسية سائر التصورات الجاهلية قديماً وحديثاً. وقد يلتقي مع هذه التصورات في جزئيات عرضية جانبية، ولكن الأصول التي تنبثق منها هذه الجزئيات مختلفة عن سائر ما عرفته البشرية من نظائرها.
ووظيفة الإسلام الأولى هي أن ينشئ حياة إنسانية توافق هذا التصور، وتمثله في صورة واقعية، وأن يقيم في الأرض نظاماً يتبع المنهج الرباني الذي اختاره الله، وهو يخرج هذه الأمة المسلمة لتمثله وتقوم عليه، وهو -سبحانه- يقول:
** كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله }... [آل عمران: 110]
ويقول في صفة هذه الأمة:
** الذين إن مكَّناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر }... [الحج: 41]
وليست وظيفة الإسلام إذن أن يصطلح مع التصورات الجاهلية السائدة في الأرض، ولا الأوضاع الجاهلية القائمة في كل مكان .. لم تكن هذه وظيفته يوم جاء، ولن تكون هذه وظيفته اليوم ولا في المستقبل.. فالجاهلية هي الجاهلية، الجاهلية هي الانحراف عن العبودية لله وحده وعن المنهج الإلهي في الحياة، واستنباط النظم والشرائع والقوانين والعادات والتقاليد والقيم والموازين من مصدر آخر غير المصدر الإلهي .. والإسلام هو الإسلام، ووظيفته هي نقل الناس من الجاهلية إلى الإسلام!
الجاهلية هي عبودية الناس للناس: بتشريع بعض الناس للناس ما لم يأذن به الله، كائنة ما كانت الصورة التي يتم بها هذا التشريع…!
والإسلام هو عبودية الناس لله وحده بتلقيهم منه وحده تصوراتهم وعقائدهم وشرائعهم وقوانينهم وقيمهم وموازينهم والتحرر من عبودية العبيد!
هذه الحقيقة المنبثقة من طبيعة الإسلام، وطبيعة دوره في الأرض، هي التي يجب أن نقدم بها الإسلام للناس: الذين يؤمنون به والذين لا يؤمنون به على السواء!
* * *
إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس من هؤلاء كلهم في شيء . . إن دينه هو الإسلام وشريعته هي التي في كتاب الله؛ ومنهجه هو منهجه المستقل المتفرد المتميز . . وما يمكن أن يختلط هذا الدين بغيره من المعتقدات والتصورات؛ ولا أن تختلط شريعته ونظامه بغيره من المذاهب والأوضاع والنظريات . . وما يمكن أن يكون هناك وصفان اثنان لأي شريعة أو أي وضع أو أي نظام . . إسلامي . . وشيء آخر . . !!! إن الإسلام إسلام فحسب . والشريعة الإسلامية شريعة إسلامية فحسب . والنظام الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي الإسلامي إسلامي فحسب . . ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس في شيء على الإطلاق من هذا كله إلى آخر الزمان!
إن الوقفة الأولى للمسلم أمام أية عقيدة ليست هي الإسلام هي وقفة المفارقة والرفض منذ اللحظة الأولى . وكذلك وقفته أمام أي شرع أو نظام أو وضع ليست الحاكمية فيه لله وحده - وبالتعبير الآخر : ليست الألوهية والربوبية فيه لله وحده - إنها وقفة الرفض والتبرؤ منذ اللحظة الأولى . . قبل الدخول في أية محاولة للبحث عن مشابهات أو مخالفات بين شيء من هذا كله وبين ما في الإسلام!
إن الدين عند الله الإسلام . . ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس في شيء ممن فرقوا الدين فلم يلتقوا فيه على الإسلام .
وإن الدين عند الله هو المنهج والشرع . . ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس في شيء ممن يتخذون غير منهج الله منهجاً ، وغير شريعة الله شرعا . .
الأمر هكذا جملة . وللنظرة الأولى . بدون دخول في التفصيلات!
* * *
مبحث 11
طبيعة الخطاب الدعوي كما تحدده حقيقة الإسلام
[من فصل: نقلة بعيدة. كتاب معالم في الطريق]
إن الإسلام لا يقبل أنصاف الحلول مع الجاهلية. لا من ناحية التصور، ولا من ناحية الأوضاع المنبثقة من هذا التصور .. فإما إسلام وإما جاهلية. وليس هنالك وضع آخر نصفه إسلام ونصفه جاهلية، يقبله الإسلام ويرضاه .. فنظرة الإسلام واضحة في أن الحق واحد لا يتعدد، وأن ما عدا هذا الحق فهو الضلال. وهما غير قابلين للتلبس والامتزاج. وأنه إما حكم الله وإما حكم الجاهلية، وإما شريعة الله، وإما الهوى.. والآيات القرآنية في هذا المعنى متواترة كثيرة:
** وأن احكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك }.. [المائدة: 49]
** فلذلك فادع، واستقم كما أمرت، ولا تتبع أهواءهم }. [الشورى: 15]
** فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتَّبعون أهواءهم. ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هُدى من الله؟ إن الله لا يهدي القوم الظالمين }.. [القصص: 50]
** ثم جعلنا على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون، إنه لن يغنوا عنك من الله شيئاً، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتقين }.. [الجاثية: 18-19]
** أفحكم الجاهلية يبغون؟ ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون }.. [المائدة: 50]
فهما أمران لا ثالث لهما. إما الاستجابة لله والرسول، وإما اتباع الهوى. إما حكم الله وإما حكم الجاهلية. إما الحكم بما أنزل الله كله وإما الفتنة عما أنزل الله.. وليس بعد هذا التوكيد الصريح الجازم من الله سبحانه مجال للجدال أو للمحال ..
وظيفة الإسلام إذن هي إقصاء الجاهلية من قيادة البشرية، وتولى هذه القيادة على منهجه الخاص، المستقل الملامح، الأًصيل الخصائص.. يريد بهذه القيادة الرشيدة الخير للبشرية واليسر. الخير الذي ينشأ من رد البشرية إلى خالقها، واليسر الذي ينشأ من التنسيق بين حركة البشرية، وتولى هذه القيادة منهجه الخاص، المستقل، ترتفع إلى المستوى الكريم الذي أراده الله لها، وتخلص من حكم الهوى. أو كما قال ربعي بن عامر حين سأله رستم قائد الفرس: ما الذي جاء بكم؟ فكان جوابه: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
لم يجئ الإسلام إذن ليربت على شهوات الناس الممثلة في تصوراتهم وأنظمتهم وأوضاعهم وعاداتهم وتقاليدهم ... سواء منها ما عاصر مجيء الإسلام، أو ما تخوض البشرية فيه الآن، في الشرق أو في الغرب سواء .. إنما جاء ليلغي هذا كله إلغاءً، وينسخه نسخاً، ويقيم الحياة البشرية على أسسه الخاصة. جاء لينشئ الحياة إنشاءً. لينشئ حياة تنبثق منه انبثاقاً، وترتبط بمحوره ارتباطاً. وقد تشابه جزئيات منه جزئيات في الحياة التي يعيشها الناس في الجاهلية. ولكنها ليست هي، وليست منها. إنما هي مجرد مصادفة هذا التشابه الظاهري الجانبي في الفروع. أما أصل الشجرة فهو مختلف تماماً. تلك شجرة تطلعها حكمة الله، وهذه شجرة تطلعها أهواء البشر:
** والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، والذي خبث لا يخرج إلا نكداً }.. [الأعراف: 58]
وهذه الجاهلية خبثت قديماً وخبثت حديثاً .. يختلف خبثها في مظهره وشكله، ولكنه واحد في مغرسه وأصله.. إنه هوى البشر الجهال المغرضين، الذين لا يملكون التخلص من جهلهم وغرضهم، ومصلحة أفراد منهم أو طبقات أو أمم أو أجناس يغلبونها على العدل والحق والخير. حتى تجيء شريعة الله فتنسخ هذا كله، وتشرِّع للناس جميعاً تشريعاً لا يشوبه جهل البشر، ولا يلِّوثه هواهم، ولا تميل به مصلحة فريق منهم.
ولأن هذا هو الفارق الأًصيل بين طبيعة منهج الله ومناهج الناس، فإنه يستحيل الالتقاء بينهما في نظام واحد، ويستحيل التوفيق بينهما في وضع واحد. ويستحيل تلفيق منهج نصفه من هنا ونصفه من هناك. وكما أن الله لا يغفر أن يشرك به. فكذلك هو لا يقبل منهجاً مع منهجه .. هذه كتلك سواء بسواء. لأن هذه هي تلك على وجه اليقين.
هذه الحقيقة ينبغي أن تكون من القوة والوضوح في نفوسنا ونحن نقدم الإسلام للناس بحيث لا نتلجلج في الإدلاء بها ولا نتلعثم، ولا ندع الناس في شك منها، ولا نتركهم حتى يستيقنوا أن الإسلام حين يفيئون إليه سيبدّل حياتهم تبديلاً .. سيبدل تصوراتهم عن الحياة كلها. كما سيبدل أوضاعهم كذلك. سيبدلها ليعطيهم خيراً منها بما لا يقاس. سيبدلها ليرفع تصوراتهم ويرفع أوضاعهم، ويجعلهم أقرب إلى المستوى الكريم اللائق بحياة الإنسان. ولن يبقى لهم شيئاً من أوضاع الجاهلية الهابطة التي هم فيها، اللهم إلا الجزيئات التي يتصادف أن يكون لها من جزئيات النظام الإسلامي شبيه. وحتى هذه لن تكون هي بعينها، لأنها ستكون مشدودة إلى أصل كبير يختلف اختلافاً بيناً عن الأصل الذي هم مشدودون إليه الآن: أصل الجاهلية النكد الخبيث! وهو في الوقت ذاته لن يسلبهم شيئاً من المعرفة "العلمية البحتة" بل سيدفعها قوية إلى الأمام..
يجب ألاّ ندع الناس حتى يدركوا أن الإسلام ليس هو أي مذهب من المذاهب الاجتماعية الوضعية، كما أنه ليس أي نظام من أنظمة الحكم الوضعية .. بشتى أسمائها وشياتها وراياتها جميعاً .. وإنما هو الإسلام فقط! الإسلام بشخصيته المستقلة وتصوره المستقل، وأوضاعه المستقلة. الإسلام الذي يحقق للبشرية خيراً مما تحلم به كله من وراء هذه الأوضاع. الإٍسلام الرفيع النظيف المتناسق الجميل الصادر مباشرة من الله العلي الكبير.
* * *
وحين ندرك حقيقة الإسلام على هذا النحو فإن هذا الإدراك بطبيعته سيجعلنا نخاطب الناس ونحن نقدم لهم الإسلام، في ثقة وقوة، وفي عطف كذلك ورحمة.. ثقة الذي يستيقن أن ما معه هو الحق وأن ما عليه الناس هو الباطل. وعطف الذي يرى شقوة البشر، وهو يعرف كيف يسعدهم. ورحمة الذي يرى ضلال الناس وهو يعرف أين الهدى الذي ليس بعده هدى !
لن نتدسس إليهم بالإسلام تدسساً. ولن نربت على شهواتهم وتصوراتهم المنحرفة.. سنكون صرحاء معهم غاية الصراحة .. هذه الجاهلية التي أنتم فيها نجس والله يريد أن يطهركم .. هذه الأوضاع التي أنتم فيها خبث، والله يريد أن يطيِّبكم .. هذه الحياة التي تحيونها دون، والله يريد أن يرفعكم .. هذا الذي أنتم فيه شقوة وبؤس ونكد، والله يريد أن يخفف عنكم ويرحمكم ويسعدكم.. والإسلام سيغير تصوراتكم وأوضاعكم وقيمكم، وسيرفعكم إلى حياة أخرى تنكون معها هذه الحياة التي تعيشونها، وإلى أوضاع أخرى تحتقرون معها أوضاعكم في مشارق الأرض ومغاربها، وإلى قيم أخرى تشمئزون معها من قيمكم السائدة في الأرض جميعاً.. وإذا كنتم أنتم -لشقوتكم- لم تروا صورة واقعية للحياة الإسلامية، لأن أعداءكم -أعداء هذا الدين- يتكتلون للحيلولة دون قيام هذه الحياة، ودون تجسد هذه الصورة، فنحن قد رأيناها -والحمد لله- ممثلة في ضمائرنا من خلال قرآننا وشريعتنا وتاريخنا وتصورنا المبدع للمستقبل الذي لا نشك في مجيئه!
هكذا ينبغي أن نخاطب الناس ونحن نقدم لهم الإسلام. لأن هذه هي الحقيقة، ولأن هذه هي الصورة التي خاطب الإسلام الناس بها أول مرة. سواء في الجزيرة العربية أم في فارس أم في الروم. أم في أي مكان خاطب الناس فيه.
نظر إليهم من عل، لأن هذه هي الحقيقة. وخاطبهم بلغة الحب والعطف لأنه حقيقة كذلك في طبيعته. وفاصلهم مفاصلة كاملة لا غموض فيها ولا تردد لأن هذه هي طريقته .. ولم يقل لهم أبداً: إنه لن يمس حياتهم وأوضاعهم وتصوراتهم وقيمهم إلا بتعديلات طفيفة! أو أنه يشبه نظمهم وأوضاعهم التي ألفوها .. كما يقول بعضنا اليوم للناس وهو يقدم إليهم الإسلام .. مرة تحت عنوان: ديمقراطية الإسلام! ومرة تحت عنوان اشتراكية الإسلام! ومرة بأن الأوضاع الاقتصادية والسياسية والقانونية القائمة في عالمهم لا تحتاج من الإسلام إلا لتعديلات طفيفة!!! إلى آخر هذا التدسس الناعم والتربيت على الشهوات!
كلا. إن الأمر مختلف جداً. والانتقال من هذه الجاهلية التي تعم وجه الأرض إلى الإسلام نقلة واسعة بعيدة، وصورة الحياة الإسلامية مغايرة تماماً لصور الحياة الجاهلية قديماً وحديثاً. وهذه الشقوة التي تعانيها البشرية لن يرفعها عنها تغييرات طفيفة في جزئيات النظم والأوضاع. ولن ينجى البشر منها إلا تلك النقلة الواسعة البعيدة، النقلة من مناهج الخلق إلى منهج الخالق، ومن نظم البشر إلى نظام رب البشر، ومن أحكام العبيد إلى حكم رب العبيد.
هذه حقيقة. وحقيقة مثلها أن نجهر بها ونصدع، وألا ندع الناس في شك منها ولا لبس.
* * *
وصاحب الدعوة لا يكون قد بلغ عن الله؛ ولا يكون قد أقام الحجة لله على الناس ، إلا إذا أبلغهم حقيقة الدعوة كاملة؛ ووصف لهم ما هم عليه كما هو في حقيقته ، بلا مجاملة ولا مداهنة . . فهو قد يؤذيهم إن لم يبين لهم أنهم ليسوا على شيء ، وأن ما هم عليه باطل كله من أساسه ، وأنه هو يدعوهم إلى شيء آخر تماماً غير ما هم عليه .. يدعوهم إلى نقلة بعيدة ، ورحلة طويلة ، وتغيير أساسي في تصوراتهم وفي أوضاعهم وفي نظامهم وفي أخلاقهم . . فالناس يجب أن يعرفوا من الداعية أين هم من الحق الذي يدعوهم إليه . . ** ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بينة } وحين يجمجم صاحب الدعوة ويتمتم ولا يبين عن الفارق الأساسي بين واقع الناس من الباطل وبين ما يدعوهم إليه من الحق ، وعن الفاصل الحاسم بين حقه وباطلهم . . حين يفعل صاحب الدعوة هذا - مراعاة للظروف والملابسات ، وحذراً من مواجهة واقع الناس الذي يملأ عليهم حياتهم وأفكارهم وتصوراتهم - فإنه يكون قد خدعهم وآذاهم ، لأنه لم يعرّفهم حقيقة المطلوب منهم كله ، وذلك فوق أنه يكون لم يبلغ ما كلفه الله تبليغه!
* * *
[من الظلال على سورة الكافرون]
إن تصورات الجاهلية تتلبس بتصورات الإيمان . وبخاصة في الجماعات التي عرفت العقيدة من قبل ثم انحرفت عنها . وهذه الجماعات هي أعصى الجماعات على الإيمان في صورته المجردة من الغبش والالتواء والانحراف . أعصى من الجماعات التي لا تعرف العقيدة أصلاً . ذلك أنها تظن بنفسها الهدى في الوقت الذي تتعقد انحرافاتها وتتلوى! واختلاط عقائدها وأعمالها وخلط الصالح بالفاسد فيها ، قد يغري الداعية نفسه بالأمل في اجتذابها إذا أقر الجانب الصالح وحاول تعديل الجانب الفاسد . . وهذا الإغراء في منتهى الخطورة!
إن الجاهلية جاهلية . والإسلام إسلام . والفارق بينهما بعيد . والسبيل هو الخروج عن الجاهلية بجملتها إلى الإسلام بجملته . هو الانسلاخ من الجاهلية بكل ما فيها والهجرة إلى الإسلام بكل ما فيه .
وأول خطوة في الطريق هي تميز الداعية وشعوره بالانعزال التام عن الجاهلية : تصوراً ومنهجاً وعملاً . الانعزال الذي لا يسمح بالالتقاء في منتصف الطريق . والانفصال الذي يستحيل معه التعاون إلا إذا انتقل أهل الجاهلية من جاهليتهم بكليتهم إلى الإسلام .
لا ترقيع . ولا أنصاف حلول . ولا التقاء في منتصف الطريق . . مهما تزيت الجاهلية بزي الإسلام ، أو ادعت هذا العنوان!
وتميز هذه الصورة في شعور الداعية هو حجر الأساس . شعوره بأنه شيء آخر غير هؤلاء . لهم دينهم وله دينه ، لهم طريقهم وله طريقه . لا يملك أن يسايرهم خطوة واحدة في طريقهم . ووظيفته أن يسيرهم في طريقه هو ، بلا مداهنة ولا نزول عن قليل من دينه أو كثير!
وإلا فهي البراءة الكاملة ، والمفاصلة التامة ، والحسم الصريح.. ** لكم دينكم ولي دين } ..
وما أحوج الداعين إلى الإسلام اليوم إلى هذه البراءة وهذه المفاصلة وهذا الحسم . . ما أحوجهم إلى الشعور بأنهم ينشئون الإسلام من جديد في بيئة جاهلية منحرفة ، وفي أناس سبق لهم أن عرفوا العقيدة ، ثم طال عليهم الأمد ** فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون } وأنه ليس هناك أنصاف حلول ، ولا التقاء في منتصف الطريق ، ولا إصلاح عيوب ، ولا ترقيع مناهج . . إنما هي الدعوة إلى الإسلام كالدعوة إليه أول ما كان ، الدعوة بين الجاهلية . والتميز الكامل عن الجاهلية . . ** لكم دينكم ولي دين } . . وهذا هو ديني : التوحيد الخالص الذي يتلقى تصوراته وقيمه ، وعقيدته وشريعته . . كلها من الله . . دون شريك . . كلها . . في كل نواحي الحياة والسلوك .
وبغير هذه المفاصلة . سيبقى الغبش وتبقى المداهنة ويبقى اللبس ويبقى الترقيع . . والدعوة إلى الإسلام لا تقوم على هذه الأسس المدخولة الواهنة الضعيفة . إنها لا تقوم إلا على الحسم والصراحة والشجاعة والوضوح . .
وهذا هو طريق الدعوة الأول : ** لكم دينكم ولي دين } . .
* * *
[من الظلال على سورة الأنعام]
وأصحاب الدعوة إلى دين الله ينبغي ألا تستخفهم أهواء البشر.. إن الرغبة في الاستجابة لمقترحات المقترحين هي التي تقود بعض أصحاب الدعوة الإسلامية اليوم إلى محاولة بلورة العقيدة الإسلامية في صورة «نظرية مذهبية» على الورق كالذي يجدونه في النظريات المذهبية الأرضية الصغيرة، التي يصوغها البشر لفترة من الفترات؛ ثم يمضي الزمن فإذا كلها عورات وشطحات ومتناقضات!.. وهي التي تقود بعض أصحاب هذه الدعوة إلى محاولة بلورة النظام الإسلامي في صورة مشروع نظام - على الورق - أو صورة تشريعات مفصلة - على الورق أيضاً - تواجه ما عليه أهل الجاهلية الحاضرة من أوضاع لا علاقة لها بإلاسلام (لأن أهل هذه الجاهلية يقولون: إن الإسلام عقيدة ولا علاقة له بالنظام العام الواقعي للحياة!) وتنظم لهم هذه الأوضاع؛ بينما هم باقون على جاهليتهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ولا يحكمون أو يتحاكمون إلى شريعة الله.. وكلها محاولات ذليلة، لا يجوز للمسلم أن يحاولها استجابة لأزياء التفكير البشري المتقلبة، التي لا تثبت على حال. باسم تطور وسائل الدعوة إلى الله!
وأذل من هذه المحاولة محاولة من يضعون على الإسلام أقنعة أخرى، ويصفونه بصفات من التي تروج عند الناس في فترة من الفترات.. كالاشتراكية.. والديمقراطية.. وما إليها.. ظانين أنهم إنما يخدمون الإسلام بهذه التقدمة الذليلة!.. إن «الاشتراكية» مذهب اجتماعي اقتصادي من صنع البشر؛ قابل للصواب والخطأ.. وإن «الديمقراطية» نظام للحياة أو للحكم من صنع البشر كذلك، يحمل صنع البشر من القابلية للصواب والخطأ أيضاً.. والإسلام منهج حياة يشمل التصور الاعتقادي، والنظام الاجتماعي الاقتصادي، والنظام التنفيذي والتشكيلي.. وهو من صنع الله المبرأ من النقص والعيب.. فأين يقف من الإسلام من يريد أن يستشفع لمنهج الله - سبحانه - عند البشر بوصفه بصفة من أعمال البشر؟ بل أين يقف من الإسلام من يريد أن يستشفع لله - سبحانه - عند العبيد بقول من أقوال هؤلاء العبيد؟!..
لقد كان كل شرك المشركين في الجاهلية العربية أنهم يستشفعون عند الله ببعض خلقه.. يتخذونهم أولياء:
( والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى.. ) فهذا هو الشرك! فما الوصف الذي يطلق إذن على الذين لا يستشفعون لأنفسهم عند الله بأولياء من عبيده، ولكنهم - ويا للنكر والبشاعة! - يستشفعون لله - سبحانه - عند العبيد بمذهب أو منهج من مذاهب العبيد ومناهجهم؟!
إن الإسلام هو الإسلام. والاشتراكية هي الاشتراكية. والديمقراطية هي الديمقراطية.. ذلك منهج الله ولا عنوان له ولا صفة إلا العنوان الذي جعله الله له، والصفة التي وصفه بها.. وهذه وتلك من مناهج البشر. ومن تجارب البشر.. وإذا اختاروها فليختاروها على هذا الأساس.. ولا ينبغي لصاحب الدعوة إلى دين الله، أن يستجيب لإغراء الزي الرائج من أزياء الهوى البشري المتقلب. وهو يحسب أنه يحسن إلى دين الله!
على أننا نسأل هؤلاء الذين هان عليهم دينهم، ولم يقدروا الله حق قدره.. إذا كنتم تقدمون الإسلام اليوم للناس باسم الاشتراكية، وباسم الديمقراطية، لأن هذين زيان من أزياء الاتجاهات المعاصرة.. فلقد كانت الرأسمالية في فترة من الفترات هي الزي المحبوب عند الناس وهم يخرجون بها من النظام الإقطاعي! كما كان الحكم المطلق في فترة من الفترات هو الزي المطلوب في فترة التجميع القومي للولايات المتناثرة كما في ألمانيا وإيطاليا أيام بسمرك وماتزيني مثلاً! وغدا من يدري ماذا يكون الزي الشائع من الأنظمة الاجتماعية الأرضية وأنظمة الحكم التي يضعها العبيد للعبيد، فكيف يا ترى ستقولون غداً عن الإسلام؟ لتقدموه للناس في الثوب الذي يحبه الناس؟!
إن التوجيه القرآني في هذه الموجة التي نحن بصددها - وفي غيرها كذلك - يشمل هذا كله.. إنه يريد أن يستعلي صاحب الدعوة بدينه؛ فلا يستجيب لاقتراحات المقترحين؛ ولا يحاول تزيين هذا الدين بغير اسمه وعنوانه؛ ولا مخاطبة الناس به بغير منهجه ووسيلته.. إن الله غني عن العالمين. ومن لم يستجب لدينه عبودية له، وانسلاخاً من العبودية لسواه، فلا حاجة لهذا الدين به، كما أنه لا حاجة لله - سبحانه - بأحد من الطائعين أو العصاة.
* * *
[من الظلال على سورة المائدة]
( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ، والله يعصمك من الناس . إن الله لا يهدي القوم الكافرين . . قل : يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم . وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً ، فلا تأس على القوم الكافرين . إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى.. من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً ، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون )
..
إنه الأمر الجازم الحاسم للرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه كاملاً ، وألا يجعل لأي اعتبار من الاعتبارات حساباً وهو يصدع بكلمة الحق . . هذا ، وإلا فما بلغ وما أدّى وما قام بواجب الرسالة . . والله يتولى حمايته وعصمته من الناس ، ومن كان الله له عاصماً فماذا يملك له العباد المهازيل!
إن كلمة الحق في العقيدة لا ينبغي أن تجمجم! إنها يجب أن تبلغ كاملة فاصلة؛ وليقل من شاء من المعارضين لها كيف شاء؛ وليفعل من شاء من أعدائها ما يفعل؛ فإن كلمة الحق في العقيدة لا تملق الأهواء؛ ولا تراعي مواقع الرغبات؛ إنما تراعي أن تصدع حتى تصل إلى القلوب في قوة وفي نفاذ . .
وكلمة الحق في العقيدة حين تصدع تصل إلى مكامن القلوب التي يكمن فيها الاستعداد للهدى . . وحين تجمجم لا تلين لها القلوب التي لا استعداد فيها للإيمان؛ وهي القلوب التي قد يطمع صاحب الدعوة في أن تستجيب له لو داهنها في بعض الحقيقة!
( إن الله لا يهدي القوم الكافرين ) . .
وإذن فلتكن كلمة الحق حاسمة فاصلة كاملة شاملة . . والهدى والضلال إنما مناطهما استعداد القلوب وتفتحها ، لا المداهنة ولا الملاطفة على حساب كلمة الحق أو في كلمة الحق!
* * *
محمد رشيد
08-21-2009, 08:53 AM
مبحث 12
من تعتني بهم الدعوة.. وحقيقة عزتها الذاتية
[من الظلال على سورة عبس]
ثم يبين حقيقة هذه الدعوة وكرامتها وعظمتها ورفعتها ، واستغناءها عن كل أحد . وعن كل سند. وعنايتها فقط بمن يريدها لذاتها ، كائناً ما كان وضعه ووزنه في موازين الدنيا : ** إنها تذكرة . فمن شاء ذكره . في صحف مكرمة . مرفوعه مطهرة . بأيدي سفرة . كرام بررة } . . فهي كريمة في كل اعتبار. كريمة في صحفها ، المرفوعة المطهرة الموكل بها السفراء من الملأ الأعلى ينقلونها إلى المختارين في الأرض ليبلغوها . وهم كذلك كرام بررة . . فهي كريمة طاهرة في كل ما يتعلق بها ، وما يمسها من قريب أو من بعيد . وهي عزيزة لا يُتصدى بها للمعرضين الذين يظهرون الاستغناء عنها؛ فهي فقط لمن يعرف كرامتها ويطلب التطهر بها . .
هذا هو الميزان . ميزان الله . الميزان الذي توزن به القيم والاعتبارات ، ويقدر به الناس والأوضاع.. وهذه هي الكلمة . كلمة الله . الكلمة التي ينتهي إليها كل قول ، وكل حكم ، وكل فصل .
وأين هذا؟ ومتى؟ في مكة ، والدعوة مطاردة ، والمسلمون قلة . والتصدي للكبراء لا ينبعث من مصلحة ذاتية؛ والانشغال عن الأعمى الفقير لا ينبعث من اعتبار شخصي . إنما هي الدعوة أولاً وأخيراً . ولكن الدعوة إنما هي هذا الميزان ، وإنما هي هذه القيم ، وقد جاءت لتقرر هذا الميزان وهذه القيم في حياة البشر . فهي لا تعز ولا تقوى ولا تنصر إلا بإقرار هذا الميزان وهذه القيم..
* * *
مبحث 13:
الحكمة الربانية من طبيعة الخطاب الدعوي
[من الظلال على سورة المائدة]
﴿ قل : يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم.. ﴾ .
وحينما كلف الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يواجههم بأنهم ليسوا على شيء من الدين والعقيدة والإيمان . . بل ليسوا على شيء أصلاً يرتكن عليه! حينما كلف الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمواجهتهم هذه المواجهة الحاسمة الفاصلة ، كانوا يتلون كتبهم؛ وكانوا يتخذون لأنفسهم صفة اليهودية أو النصرانية؛ وكانوا يقولون : إنهم مؤمنون . . ولكن التبليغ الذي كلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يواجههم به ، لم يعترف لهم بشيء أصلاً الا مما كانوا يزعمون لأنفسهم ، لأن « الدين » ، ليس كلمات تقال باللسان؛ وليس كتباً تقرأ وترتل؛ وليس صفة تورث وتدعى . إنما الدين منهج حياة . منهج يشمل العقيدة المستسرة في الضمير ، والعبادة الممثلة في الشعائر ، والعبادة التي تتمثل في إقامة نظام الحياة كلها على أساس هذا المنهج . . ولما لم يكن أهل الكتاب يقيمون الدين على قواعده هذه ، فقد كلف « الرسول » - صلى الله عليه وسلم - أن يواجههم بأنهم ليسوا على دين؛ وليسوا على شيء أصلاً من هذا القبيل!
وإقامة التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ، مقتضاها الأول الدخول في دين الله الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد أخذ الله عليهم الميثاق أن يؤمنوا بكل رسول ويعزروه وينصروه . وصفة محمد وقومه عندهم في التوراة وعندهم في الإنجيل - كما أخبر الله وهو أصدق القائلين - فهم لا يقيمون التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم : ( سواء كان المقصود بقوله : ** وما أنزل إليهم من ربهم } هو القرآن - كما يقول بعض المفسرين - أو هو الكتب الأخرى التي أنزلت لهم كزبور داود ) . . نقول إنهم لا يقيمون التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم إلا أن يدخلوا في الدين الجديد ، الذي يصدق ما بين يديهم ويهيمن عليه . . فهم ليسوا على شيء - بشهادة الله سبحانه - حتى يدخلوا في الدين الاخير . . والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد كلف أن يواجههم بهذا القرار الإلهي في شأنهم؛ وأن يبلغهم حقيقة صفتهم وموقفهم؛ وإلا فما بلغ رسالة ربه . . ويا له من تهديد!
وكان الله - سبحانه - يعلم أن مواجهتهم بهذه الحقيقة الحاسمة ، وبهذه الكلمة الفاصلة ، ستؤدي إلى أن تزيد كثيراً منهم طغياناً وكفراً ، وعناداً ولجاجاً . . ولكن هذا لم يمنع من أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يواجههم بها؛ وألا يأسى على ما يصيبهم من الكفر والطغيان والظلال والشرود بسبب مواجهتهم بها؛ لأن حكمته - سبحانه - تقتضي أن يصدع بكلمة الحق؛ وأن تترتب عليها آثارها في نفوس الخلق .فيهتدي من يهتدي عن بينة ، ويضل من يضل عن بينة ، ويهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيَّ عن بينة :
﴿وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً ، فلا تأس على القوم الكافرين﴾..
وكان الله - سبحانه - يرسم للداعية بهذه التوجيهات منهج الدعوة؛ ويطلعه على حكمة الله في هذا المنهج؛ ويسلي قلبه عما يصيب الذين لا يهتدون ، إذا هاجتهم كلمة الحق فازدادوا طغياناً وكفراً؛ فهم يستحقون هذا المصير البائس؛ لأن قلوبهم لا تطيق كلمة الحق؛ ولا خير في أعماقها ولا صدق . فمن حكمة الله أن تواجه بكلمة الحق؛ ليظهر ما كمن فيها وما بطن؛ ولتجهر بالطغيان والكفر؛ ولتستحق جزاء الطغاة والكافرين!
* * *
محمد رشيد
08-21-2009, 08:54 AM
مبحث 14
الحكمة والرفق والموعظة الحسنة مع ثبوت المنهج
[من الظلال على سورة المائدة]
إن القوة والحسم في إلقاء كلمة الحق في العقيدة ، لا يعني الخشونة والفظاظة؛ فقد أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة - وليس هنالك تعارض ولا اختلاف بين التوجيهات القرآنية المتعددة - والحكمة والموعظة الحسنة لا تجافيان الحسم والفصل في بيان كلمة الحق . فالوسيلة والطريقة إلى التبليغ شيء غير مادة التبليغ وموضوعه . والمطلوب هو عدم المداهنة في بيان كلمة الحق كاملة في العقيدة ، وعدم اللقاء في منتصف الطريق في الحقيقة ذاتها . فالحقيقة الاعتقادية ليس فيها أنصاف حلول . . ومنذ الأيام الأولى للدعوة كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة في طريقة التبليغ ، وكان يفاصل مفاصلة كاملة في العقيدة ، فكان مأموراً أن يقول : ** يا أيها الكافرون : لا أعبد ما تعبدون . . } فيصفهم بصفتهم؛ ويفاصلهم في الأمر ، ولا يقبل أنصاف الحلول التي يعرضونها عليه ، ولا يدهن فيدهنون ، كما يودون! ولا يقول لهم : إنه لا يطلب إليهم إلا تعديلات خفيفة فيما هم عليه ، بل يقول لهم : إنهم على الباطل المحض ، وإنه على الحق الكامل . . فيصدع بكلمة الحق عالية كاملة فاصلة ، في أسلوب لا خشونة فيه ولا فظاظة . .
* * *
[من الظلال على سورة المائدة]
إن التلطف في دعوة الناس إلى الله ، ينبغي أن يكون في الأسلوب الذي يبلغ به الداعية ، لا في الحقيقة التي يبلغهم إياها . . إن الحقيقة يجب إن تبلغ إليهم كاملة . أما الأسلوب فيتبع المقتضيات القائمة ، ويرتكز على قاعدة الحكمة والموعظة الحسنة . .
ولقد ينظر بعضنا اليوم - مثلاً - فيرى أن أهل الكتاب هم أصحاب الكثرة العددية وأصحاب القوة المادية . وينظر فيرى أصحاب الوثنيات المختلفة يعدون بمئات الملايين في الأرض ، وهم أصحاب كلمة مسموعة ، في الشئون الدولية . وينظر فيرى أصحاب المذاهب المادية أصحاب أعداد ضخمة وأصحاب قوة مدمرة . وينظر فيرى الذين يقولون : إنهم مسلمون ليسوا على شيء لأنهم لا يقيمون كتاب الله المنزل إليهم . . فيتعاظمه الأمر ، ويستكثر أن يواجه هذه البشرية الضالة كلها بكلمة الحق الفاصلة ، ويرى عدم الجدوى في أن يبلغ الجميع أنهم ليسوا على شيء! وأن يبين لهم « الدين » الحق!
وليس هذا هو الطريق . . إن الجاهلية هي الجاهلية - ولو عمت أهل الأرض جميعاً - وواقع الناس كله ليس بشيء ما لم يقم على دين الله الحق ، وواجب صاحب الدعوة هو واجبه لا تغيره كثرة الضلاَّل؛ ولا ضخامة الباطل . . فالباطل ركام . . وكما بدأت الدعوة الأولى بتبليغ أهل الأرض قاطبة : أنهم ليسوا على شيء . . كذلك ينبغي أن تستأنف . .
مبحث 15
شعيب عليه السلام.. أنموذج التلطف والمفاصلة على الحق
[من الظلال على سورة هود]
ويسخر أهل مدين من شعيب كما يتوقح بالسخرية اليوم ناس على دعاة التوحيد فيقولون :
** إنك لأنت الحليم الرشيد! } . .
وهم يعنون عكس معناها . فالحلم والرشد عندهم أن يعبدوا ما يعبد آباؤهم بلا تفكير ، وأن يفصلوا بين العبادة والتعامل في السوق! وكذلك هو عند المثقفين المتحضرين اليوم الذين يعيبون على المتعصبين الرجعيين!!!
ويتلطف شعيب تلطف صاحب الدعوة الواثق من الحق الذي معه؛ ويعرض عن تلك السخرية لا يباليها وهو يشعر بقصورهم وجهلهم . . يتلطف في إشعارهم أنه على بينة من ربه كما يجده في ضميره وقلبه؛ وأنه على ثقة مما يقول لأنه أوتي من العلم ما لم يؤتوا ، وأنه إذ يدعوهم إلى الأمانة في المعاملة سيتأثر مثلهم بنتائجها لأنه مثلهم ذو مال وذو معاملات؛ فهو لا يبغي كسباً شخصياً من وراء دعوته لهم؛ فلن ينهاهم عن شيء ثم يفعله هو لتخلو له السوق! إنما هي دعوة الإصلاح العامة لهم وله وللناس . وليس فيما يدعوهم إليه خسارة عليهم كما يتوهمون :
** قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ، ورزقني منه رزقاً حسناً؟ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلا بالله ، عليه توكلت وإليه أنيب } . .
** يا قوم . . . } . .
في تودد وتقرب ، وتذكير بالأواصر القريبة .
** أرأيتم إن كنت على بينة من ربي؟ } . .
أجد حقيقته في نفسي وأستيقن أنه هو يوحي إلي ويأمرني بما أبلغكم إياه . وعن هذه البينة الواضحة في نفسي ، أصدر واثقاً مستيقناً .
** ورزقني منه رزقاً حسناً } . .
ومنه الثروة التي أتعامل مع الناس مثلكم فيها .
** وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } . .
فأنهاكم ثم أذهب من خلفكم فأفعل ما نهيتكم عنه لأحقق لنفسي نفعاً به!
** إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت } . .
الإصلاح العام للحياة والمجتمع الذي يعود صلاحه بالخير على كل فرد وكل جماعة فيه؛ وإن خيل إلى بعضهم أن اتباع العقيدة والخلق يفوت بعض الكسب الشخصي ، ويضيع بعض الفرص . فإنما يفوت الكسب الخبيث ويضيع الفرص القذرة؛ ويعوض عنهما كسباً طيباً ورزقاً حلالاً ، ومجتمعاً متضامناً متعاوناً لا حقد فيه ولا غدر ولا خصام!
** وما توفيقي إلا بالله } . .
فهو القادر على إنجاح مسعاي في الإصلاح بما يعلم من نيتي ، وبما يجزي على جهدي .
** عليه توكلت } . .
عليه وحده لا أعتمد على غيره .
** وإليه أنيب } . .
إليه وحده أرجع فيما يحزبني من الأمور ، وإليه وحده أتوجه بنيتي وعملي ومسعاي .
ثم يأخذ بهم في واد آخر من التذكير ، فيطل بهم على مصارع قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط : فقد يفعل هذا في مثل تلك القلوب الجاسية ما لم يفعله التوجيه العقلي اللين الذي يحتاج إلى رشد وتفكير : ** ويا قوم لا يجرمنَّكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح . وما قوم لوط منكم ببعيد } . .
لا يحملنكم الخلاف معي والعناد في مواجهتي على أن تلجوا في التكذيب والمخالفة ، خشية أن يصيبكم ما أصاب الأقوام قبلكم . وهؤلاء قوم لوط قريب منكم في المكان . وقريب كذلك في الزمان . فمدين كانت بين الحجاز والشام .
ثم يفتح لهم وهم في مواجهة العذاب والهلاك باب المغفرة والتوبة ، ويطمعهم في رحمة الله والقرب منه بأرق الألفاظ وأحناها :
** واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه ، إن ربي رحيم ودود } . . وهكذا يطوف بهم في مجالات العظة والتذكر والخوف والطمع ، لعل قلوبهم تتفتح وتخشع وتلين .
ولكن القوم كانوا قد بلغوا من فساد القلوب ، ومن سوء تقدير القيم في الحياة ، وسوء التصور لدوافع العمل والسلوك ، ما كشف عنه تبجحهم من قبل بالسخرية والتكذيب :
** قالوا : يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول ، وإنا لنراك فينا ضعيفاً ، ولولا رهطك لرجمناك ، وما أنت علينا بعزيز } . .
فهم ضيقو الصدور بالحق الواضح ، لا يريدون أن يدركوه :
** قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول } . .
وهم يقيسون القيم في الحياة بمقياس القوة المادية الظاهرة :
** وإنا لنراك فينا ضعيفاً } . .
فلا وزن عندهم للحقيقة القوية التي يحملها ويواجههم بها .
** ولولا رهطك لرجمناك } . .
ففي حسابهم عصبية العشيرة ، لا عصبية الاعتقاد ، وصلة الدم لا صلة القلب . ثم هم يغفلون عن غيرة الله على أوليائه فلا يضعونها في الحساب .
** وما أنت علينا بعزيز } . .
لا عزة التقدير والكرامة ولا عزة الغلب والقهر . ولكننا نحسب حساب الأهل والعشيرة!
وحين تفرغ النفوس من العقيدة القويمة والقيم الرفيعة والمثل العالية؛ فإنها تقبع على الأرض ومصالحها القريبة وقيمها الدنيا؛ فلا ترى حرمة يومئذ لدعوة كريمة ، ولا لحقيقة كبيرة؛ ولا تتحرج عن البطش بالداعية إلا أن تكون له عصبة تؤويه؛ وإلا أن تكون معه قوة مادية تحميه . أما حرمة العقيدة والحق والدعوة فلا وزن لها ولا ظل في تلك النفوس الفارغة الخاوية .
وعندئذ تأخذ شعيباً الغيرة على جلال ربه ووقاره؛ فيتنصل من الاعتزاز برهطه وقومه؛ ويجبههم بسوء التقدير لحقيقة القوى في هذا الوجود ، وبسوء الأدب مع الله المحيط بما يعلمون . ويلقي كلمته الفاصلة الأخيرة . ويفاصل قومه على أساس العقيدة ، ويخلي بينهم وبين الله ، وينذرهم العذاب الذي ينتظر أمثالهم ، ويدعهم لمصيرهم الذي يختارون :
** قال : يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهرياً؟ إن ربي بما تعملون محيط . ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل ، سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب } . .
** أرهطي أعز عليكم من الله؟ } . .
أجماعة من البشر مهما يكونوا من القوة والمنعة فهم ناس ، وهم ضعاف ، وهم عباد من عباد الله . . أهؤلاء أعز عليكم من الله؟ . . أهؤلاء أشد قوة ورهبة في نفوسكم من الله؟
** واتخذتموه وراءكم ظهرياً } . .
وهي صورة حسية للترك والإعراض ، تزيد في شناعة فعلتهم ، وهم يتركون الله ويعرضون عنه ، وهم من خلقه ، وهو رازقهم وممتعهم بالخير الذي هم فيه . فهو البطر وجحود النعمة وقلة الحياء إلى جانب الكفر والتكذيب وسوء التقدير .
** إن ربي بما تعملون محيط } . .
والإحاطة أقصى الصور الحسية للعلم بالشيء والقدرة عليه .
إنها غضبة العبد المؤمن لربه أن يستباح جلاله سبحانه ووقاره . الغضبة التي لا يقوم إلى جوارها شيء من الاعتزاز بنسبه ورهطه وعشيرته وقومه . . إن شعيباً لم ينتفخ ولم ينتفش أن يجد القوم يرهبون رهطه ، فلا تمتد إليه أيديهم بالبطش الذي يريدونه! ولم يسترح ولم يطمئن إلى أن يكون رهطه هم الذين يحمونه ويمنعونه من قومه الذين افترق طريقهم عن طريقه وهذا هو الإيمان في حقيقته . . أن المؤمن لا يعتز إلا بربه؛ ولا يرضى أن تكون له عصبة تخشى ولا يُخشى ربه! فعصبية المسلم ليست لرهطه وقومه ، إنما هي لربه ودينه .
وهذا هو مفرق الطريق في الحقيقة بين التصور الإسلامي والتصور الجاهلي في كل أزمانه وبيئاته!
ومن هذه الغضبة لله . والتنصل من الاعتزاز أو الاحتماء بسواه ، ينبعث ذلك التحدي الذي يوجهه شعيب إلى قومه؛ وتقوم تلك المفاصلة بينه وبينهم بعد أن كان واحداً منهم ويفترق الطريقان فلا يلتقيان :
** ويا قوم اعملوا على مكانتكم } . .
وامضوا في طريقكم وخطتكم ، فقد نفضت يديّ منكم .
** إني عامل } . .
على طريقتي ومنهجي .
** سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب } . .
أنا أم أنتم؟
** وارتقبوا إني معكم رقيب } . .
للعاقبة التي تنتظرني وتنتظركم . . وفي هذا التهديد ما يوحي بثقته بالمصير . كما يوحي بالمفاصلة وافتراق الطريق . .
ويسدل الستار هنا . على هذه الكلمة الأخيرة الفاصلة وعلى هذا الافتراق والمفاصلة ، ليرفع هناك على مصرع القوم ، وعلى مشهدهم جاثمين في ديارهم ، أخذتهم الصاعقة التي أخذت قوم صالح ، فكان مصيرهم كمصيرهم ، خلت منهم الدور ، كأن لم يكن لهم فيها دور ، وكأن لم يعمروها حيناً من الدهر . مضوا مثلهم مشيعين باللعنة ، طويت صفحتهم في الوجود وصفحتهم في القلوب :
** ولما جاء أمرنا نجينا شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منا ، وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين ، كأن لم يغنوا فيها . ألا بعداً لمدين ، كما بعدت ثمود . . . } .
وطويت صفحة أخرى من الصفحات السود ، حق فيها الوعيد على من كذبوا بالوعيد .
محمد رشيد
08-21-2009, 08:55 AM
مبحث 16
موقف الناس في تلقي الدعوة بذلك المنهج
[من فصل: نقلة بعيدة. كتاب معالم في الطريق]
وقد يكره الناس هذا في أول الأمر، وقد يجفلون منه ويشفقون. ولكن الناس كذلك كرهوا مثل هذا وأشفقوا منه في أول العهد بالدعوة إلى الإسلام. أجفلوا وآذاهم أن يحقر محمد -صلى الله عليه وسلم- تصوراتهم، ويعيب آلهتهم، وينكر أوضاعهم، ويعتزل عاداتهم وتقاليدهم، ويتخذ لنفسه وللقلة المؤمنة معه أوضاعاً وقيماً وتقاليد غير أوضاع الجاهلية وقيمها وتقاليدها.
ثم ماذا؟ ثم فاؤوا إلى الحق الذي لم يعجبهم أول مرة، والذي أجفلوا منه:
{كأنهم حمر مستنفرة فرّت من قسورة}.. [المدثر: 50-51]
والذي حاربوه ودافعوه بكل ما يملكون من قوة وحيلة، والذي عذبوا أهله عذاباً شديداً وهم ضعاف في مكة، ثم قاتلوهم قتالاً عنيداً وهم أقوياء في المدينة..
ولم تكن الدعوة في أول عهدها في وضع أقوى ولا أفضل منها الآن .. كانت مجهولة مستنكرة من الجاهلية، وكانت محصورة في شعاب مكة، مطاردة من أصحاب الجاه والسلطان فيها، وكانت غريبة في زمانها في العالم كله. وكانت تحف بها امبراطوريات ضخمة عاتية تنكر كل مبادئها وأهدافها. ولكنها مع هذا كله كانت قوية، كما هي اليوم قوية، وكما هي غداً قوية.. إن عناصر القوة الحقيقية كامنة في طبيعة هذه العقيدة ذاتها، ومن ثَمَّ فهي تملك أن تعمل في أسوأ الظروف وأشدها حرجاً. إنها تكمن في الحق البسيط الواضح الذي تقوم عليه. وفي تناسقها مع الفطرة التي لا تملك أن تقاوم سلطانها طويلاً، وفي قدرتها على قيادة البشرية صعداً في طريق التقدم، في أية مرحلة كانت البشرية من التأخر أو التقدم الاقتصادي والاجتماعي والعلمي والعقلي.. فلا تخرم حرفاً واحداً من أصولها، ولا تربت على شهوات الجاهلية، ولا تتدسس إليها تدسساً. إنما تصدع بالحق صدعاً مع إشعار الناس بأنها خير ورحمة وبركة..
والله الذي خلق البشر يعلم طبيعة تكوينهم ومداخل قلوبهم ويعلم كيف تستجيب حين تصدع بالحق صدعاً. في صراحة وقوة. بلا تلعثم ولا وصوصة!
إن النفس البشرية فيها الاستعداد للانتقال الكامل من حياة إلى حياة. وذلك قد يكون أيسر عليها من التعديلات الجزئية في أحيان كثيرة.. والانتقال الكامل من نظام حياة إلى نظام آخر أعلى منه وأكمل وأنظف، انتقال له ما يبرره في منطق النفس .. ولكن ما الذي يبرر الانتقال من نظام الجاهلية إلى نظام الإسلام، إذا كان النظام الإسلامي لا يزيد إلا تغييراً طفيفاً هنا، وتعديلاً طفيفاً هناك؟ إن البقاء على النظام المألوف أقرب إلى المنطق. لأنه على الأقل نظام قائم، قابل للإصلاح والتعديل، فلا ضرورة لطرحه، والانتقال إلى نظام غير قائم ولا مطبق، مادام أنه شبيه به في معظم خصائصه!
كذلك نجد بعض الذين يتحدثون عن الإسلام يقدمونه للناس كأنه متهم يحاولون هم دفع التهمة عنه! ومن بين ما يدفعون به أن الأنظمة الحاضرة تفعل كذا وكذا مما تعيب على الإسلام مثله، وأن الإسلام لم يصنع شيئاً -في هذه الأمور- إلا ما تصنعه الحضارات الحديثة بعد ألف وأربعمئة عام!
وهان ذلك دفاعاً! وساء ذلك دفاعاً!
إن الإسلام لا يتخذ المبررات له من النظم الجاهلية والتصرفات النكدة التي تنبعث منها. وهذه الحضارات التي تبهر الكثيرين وتهزم أرواحهم ليست سوى نظم جاهلية في صميمها. وهي نظم معيبة مهلهلة هابطة حين تقاس إلى الإسلام .. ولا عبرة بأن حال أهلها بخير من حال السكان في ما يسمى الوطن الإسلامي أو العالم الإسلامي! فهؤلاء صاروا إلى هذا البؤس بتركهم للإسلام لا لأنهم مسلمون .. وحجة الإسلام التي يدلي بها للناس: إنه خير منها بما لا يقاس، وإنه جاء ليغيّرها لا ليقرّها، وليرفع البشرية عن وهدتها لا ليبارك تمرغها في هذا الوحل الذي يبدو في ثوب "الحضارة" ..
فلا تبلغ بنا الهزيمة أن نتلمس للإسلام مشابهات في بعض الأنظمة القائمة، وفي بعض المذاهب القائمة، وفي بعض الأفكار القائمة. فنحن نرفض هذه الأنظمة في الشرق أو في الغرب سواء.. إننا نرفضها كلها لأنها منحطة ومتخلفة بالقياس إلى ما يريد الإسلام أن يبلغ بالبشرية إليه.
وحين نخاطب الناس بهذه الحقيقة، ونقدم لهم القاعدة العقيدية للتصور الإسلامي الشامل، يكون لديهم في أعماق فطرتهم ما يبرر الانتقال من تصور إلى تصور، ومن وضع إلى وضع. ولكننا لا نخاطبهم بحجة مقنعة حين نقول لهم: تعالوا من نظام قائم فعلاً إلى نظام آخر غير مطبق، لا يغير في نظامكم القائم إلا قليلاً. وحجته إليكم أنكم تفعلون في هذا الأمر وذاك مثلما يفعل هو، ولا يكلفكم إلا تغيير القليل من عاداتكم وأوضاعكم وشهواتكم، وسيبقى لكم كل ما تحرصون عليه منها ولا يمسه مساً خفيفاً !!
هذا الذي يبدو سهلاً في ظاهرة، ليس مغرياً في طبيعته، فضلاً على أنه ليس هو الحقيقة .. فالحقيقة أن الإسلام يبدل التصورات والمشاعر، كما يبدل النظم والأوضاع، كما يبدل الشرائع والقوانين تبديلاً أساسياً لا يمت بصلة إلى قاعدة الحياة الجاهلية، التي تحياها البشرية .. ويكفي أن ينقلهم جملة وتفصيلاً من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ..
{فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}..
{ومن كفر فإن الله غني عن العالمين}..
والمسألة في حقيقتها هي مسألة كفر وإيمان، مسألة شرك وتوحيد، مسألة جاهلية وإسلام. وهذا ما ينبغي أن يكون واضحاً .. إن الناس ليسوا مسلمين -كما يدّعون- وهم يحيون حياة الجاهلية. وإذا كان فيهم من يحب أن يخدع نفسه أو يخدع الآخرين، فيعتقد أن الإسلام يمكن أن يستقيم مع هذه الجاهلية فله ذلك. ولكن انخداعه أو خداعه لا يغير من حقيقة الواقع شيئاً.. ليس هذا إسلاماً، وليس هؤلاء مسلمين. والدعوة اليوم إنما تقوم لترد هؤلاء الجاهلين إلى الإسلام، ولتجعل منهم مسلمين من جديد.
ونحن لا ندعو الناس إلى الإسلام لننال منهم أجراً. ولا نريد علوّاً في الأرض ولا فساداً. ولا نريد شيئاً خاصاً لأنفسنا إطلاقاً، وحسابنا وأجرنا ليس على الناس. إنما نحن ندعو الناس إلى الإسلام لأننا نحبهم ونريد لهم الخير .. مهما آذونا .. لأن هذه هي طبيعة الداعية إلى الإسلام، وهذه هي دوافعه .. ومن ثَمَّ يجب أن يعلموا منا حقيقة الإسلام، وحقيقة التكاليف التي سيطلبها إليهم، في مقابل الخير العميق الذي يحمله لهم. كما يجب أن يعرفوا رأينا في حقيقة ما هم عليه من الجاهلية .. إنها الجاهلية وليست في شيء من الإسلام، إنها الهوى ما دام أنها ليست هي الشريعة. إنها الضلال ما دام أنها ليست هي الحق.. فماذا بعد الحق إلا الضلال!
وليس في إسلامنا ما نخجل منه، وما نضطر للدفاع عنه، وليس فيه ما نتدسس به للناس تدسساً، أو ما نتلعثم في الجهر به على حقيقته .. إن الهزيمة الروحية أمام الغرب وأمام الشرق وأمام أوضاع الجاهلية هنا وهناك هي التي تجعل بعض الناس .. المسلمين .. يتلمس للإسلام موافقات جزئية من النظم البشرية، أو يتلمس من أعمال الحضارة الجاهلية ما يسند به أعمال الإسلام وقضاءه في بعض الأمور..
إنه إذا كان هناك من يحتاج للدفاع والتبرير والاعتذار فليس هو الذي يقدم الإسلام للناس. وإنما هو ذاك الذي يحيا في هذه الجاهلية المهلهلة المليئة بالمتناقضات وبالنقائض والعيوب، ويريد أن يتلمس المبررات للجاهلية. وهؤلاء هم الذين يهاجمون الإسلام ويلجئون بعض محبيه الذين يجهلون حقيقته إلى الدفاع عنه، كأنه متهم مضطر للدفاع عن نفسه في قفص الاتهام!
بعض هؤلاء كانوا يواجهوننا -نحن القلائل المنتسبين إلى الإسلام- في أمريكا في السنوات التي قضيتها هناك -وكان بعضنا يتخذ موقف الدفاع والتبرير .. وكنت على العكس أتخذ موقف المهاجم للجاهلية الغربية .. سواء في معتقداتها الدينية المهلهلة. أو في أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية المؤذية .. هذه التصورات عن الأقانيم وعن الخطيئة وعن الفداء، وهي لا تستقيم في عقل ولا ضمير .. وهذه الرأسمالية باحتكارها ورباها وما فيها من بشاعة كالحة .. وهذه الفردية الآُثرة التي ينعدم معها التكافل إلا تحت مطارق القانون .. وهذا التصور المادي التافه الجاف للحياة .. وحرية البهائم التي يسمونها حرية الاختلاط .. وسوق الرقيق التي يسمونها حرية المرأة .. والسخف والحرج والتكلف المضاد لواقع الحياة في نظم الزواج والطلاق، والتفريق العنصري الحادّ الخبيث .. ثم .. ما في الإسلام من منطق وسمو وإنسانية وبشاشة، وتطلع إلى آفاق تطلع البشرية دونها ولا تبلغها. ومن مواجهة الواقع في الوقت ذاته ومعالجته معالجة تقوم على قواعد الفطرة الإنسانية السليمة.
وكانت هذه حقائق نواجهها في واقع الحياة الغربية .. وهي حقائق كانت تخجل أصاحبها حين تعرض في ضوء الإسلام.. ولكن ناساً -يدّعون الإسلام- ينهزمون أمام ذلك النتن الذي تعيش فيه الجاهلية، حتى ليتلمسون للإسلام مشابهات في هذا الركاب المضطرب البائس في الغرب. وفي تلك الشناعة المادية البشعة في الشرق أيضاً!
محمد رشيد
08-21-2009, 08:55 AM
[ الفصل الرابع ]
واجب الدعاة تجاه الضغوط الهادفة إلى تغيير منهج الدعوة
مبحث 17
مناورة الإحراج بغياب التفصيلات الجزئية
[من مقدمة سورة الأنعام]
إن الجاهلية التي حولنا كما أنها تضغط على أعصاب بعض المخلصين من أصحاب الدعوة الإسلامية فتجعلهم يستعجلون خطوات المنهج الإسلامي، كذلك هي تتعمد أحيانا أن تحرجهم فتسألهم: أين تفصيلات نظامكم الذي تدعون إليه؟ وماذا أعددتم لتنفيذه من بحوث ومن تفصيلات ومن مشروعات؟ وهي في هذا تتعمد أن تعجلهم عن منهجهم، وأن تجعلهم يتجاوزون مرحلة بناء العقيدة؛ وأن يحولوا منهجهم الرباني عن طبيعته، التي تتبلور فيها النظرية من خلال الحركة، ويتحدد فيها النظام من خلال الممارسة، وتسن فيها التشريعات في ثنايا مواجهة الحياة الواقعية بمشكلاتها الحقيقية..
ومن واجب أصحاب الدعوة الإسلامية ألا يستجيبوا للمناورة! من واجبهم أن يرفضوا إملاء منهج غريب على حركتهم وعلى دينهم! من واجبهم ألا يستخفهم من لا يوقنون!
ومن واجبهم أن يكشفوا مناورة الإحراج وأن يستعلوا عليها؛ وأن يتحركوا بدينهم وفق منهج هذا الدين في الحركة. فهذا من أسرار قوته، وهذا هو مصدر قوتهم كذلك.
إن المنهج في الإسلام يساوي الحقيقة؛ ولا انفصام بينهما.. وكل منهج غريب لا يمكن أن يحقق الإسلام في النهاية. والمناهج الغربية الغريبة يمكن أن تحقق أنظمتها البشرية؛ ولكنها لا يمكن أن تحقق نظامنا الرباني.. فالتزام المنهج ضروري كالتزام العقيدة وكالتزام النظام في كل حركة إسلامية. لا في الحركة الإسلامية الأولى كما يظن بعض الناس!
* * *
مبحث 18
ضغط الأوضاع القائمة وأثرها على الخطاب الدعوي
[من فصل: نقلة بعيدة، كتاب معالم في الطريق]
ولست في حاجة بعد هذا إلى أن أقول: إننا نحن الذين نقدم الإسلام للناس، ليس لنا أن نجاري الجاهلية في شيء من تصوراتها، ولا في شئ من أوضاعها، ولا في شئ من تقاليدها. مهما يشتد ضغطها علينا.
إن وظيفتنا الأولى هي إحلال التصورات الإسلامية والتقاليد الإسلامية في مكان هذه الجاهلية. ولن يتحقق هذا بمجاراة الجاهلية والسير معها خطوات في أول الطريق، كما قد يخيل إلى البعض منا .. إن هذا معناه إعلان الهزيمة منذ أول الطريق..
إن ضغط التصورات الاجتماعية السائدة، والتقاليد الاجتماعية الشائعة، ضغط ساحق عنيف، وبخاصة في دنيا المرأة.. ولكن لا بد مما ليس منه بد. لابد أن نثبت أولاً، ولابد أن نستعلي ثانياً، ولابد أن نُرى الجاهلية حقيقة الدرك الذي هي فيه بالقياس إلى الآفاق العليا المشرفة للحياة الإسلامية التي نريدها.
ولن يكون هذا بأن نجاري الجاهلية في بعض الخطوات، كما أنه لن يكون بأن نقاطع الآن وننزوي عنها وننعزل .. كلا، إنما هي المخالطة مع التميز، والأخذ والعطاء مع الترفع، والصدع بالحق في مودة، والاستعلاء بالإيمان في تواضع. والامتلاء بعد هذا كله بالحقيقة الواقعة. وهي أننا نعيش في وسط جاهلية، وأننا أهدى طريقاً من هذه الجاهلية، وإنها نقلة بعيدة واسعة، هذه النقلة من الجاهلية إلى الإسلام، وإنها هوة فاصلة لا يقام فوقها معبر للالتقاء في منتصف الطريق، ولكن لينتقل عليه أهل الجاهلية إلى الإسلام، سواء كانوا ممن يعيشون فيما يسمى الوطن الإسلامي، ويزعمون أنهم مسلمون، أو كانوا يعيشون في غير الوطن الإسلامي، وليخرجوا من الظلمات إلى النور، ولينجوا من هذه الشقوة التي هم فيها، وينعموا بالخير الذي ذقناه نحن الذين عرفنا الإسلام وحاولنا أن نعيش به .. وإلا فلنقل ما أمر الله سبحانه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقوله:
** لكم دينكم ولي دين } ... [الكافرون: 6]
* * *
مبحث 19
صون الدعوة عن اللغو والجدال.. ورصانة الداعية
[من مقدمة سورة الأنعام]
فقل لهم يا محمد : من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس ، مما يجعله اليهود صحائف يخفون بعضها ويظهرون بعضها قضاء للباناتهم من وراء هذا التلاعب الكريه! كذلك واجههم بأن الله علمهم بما يقص عليهم من الحقائق والأخبار ما لم يكونوا يعلمون؛ فكان حقاً عليهم أن يشكروا فضل الله؛ ولا ينكروا أصله بإنكار أن الله نزل هذا العلم على رسوله وأوحى به إليه.
ولم يترك لهم أن يجيبوا على ذلك السؤال . إنما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحسم القول معهم في هذا الشأن؛ وألا يجعله مجالاً لجدل لا يثيره إلا اللجاج :
** قل : الله . ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } . .
قل : الله أنزله . . ثم لا تحفل جدالهم ولجاجهم ومراءهم ، ودعهم يخوضون لاهين لاعبين . وفي هذا من التهديد ، قدر ما فيه من الاستهانة ، قدر ما فيه من الحق والجد؛ فحين يبلغ العبث أن يقول الناس مثل ذلك الكلام ، يحسن احترام القول وحسم الجدل وتوفير الكلام!
* * *
[من الظلال على سورة الأعراف]
** وأعرض عن الجاهلين } . . من الجهالة ضد الرشد ، والجهالة ضد العلم . . وهما قريب من قريب . . والإعراض يكون بالترك والإهمال؛ والتهوين من شأن ما يجهلون به من التصرفات والأقوال؛ والمرور بها مر الكرام؛ وعدم الدخول معهم في جدال لا ينتهي إلى شيء إلا الشد والجذب ، وإضاعة الوقت والجهد . . وقد ينتهي السكوت عنهم ، والإعراض عن جهالتهم إلى تذليل نفوسهم وترويضها ، بدلاً من الفحش في الرد واللجاج في العناد . فإن لم يؤد إلى هذه النتيجة فيهم ، فإنه يعزلهم عن الآخرين الذين في قلوبهم خير . إذ يرون صاحب الدعوة محتملاً معرضاً عن اللغو ، ويرون هؤلاء الجاهلين يحمقون ويجهلون فيسقطون من عيونهم ويُعزلون!
وما أجدر صاحب الدعوة أن يتبع هذا التوجيه الرباني العليم بدخائل النفوس!
ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشر . وقد يثور غضبه على جهالة الجهال وسفاهة السفهاء وحمق الحمقى . . وإذا قدر عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد يعجز عنها من وراءه من أصحاب الدعوة . . وعند الغضب ينزغ الشيطان في النفس ، وهي ثائرة هائجة مفقودة الزمام! . . لذا يأمره ربه أن يستعيذ بالله؛ لينفثىء غضبه ، ويأخذ على الشيطان طريقه :
** وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم } . .
وهذا التعقيب : ** إنه سميع عليم } . . يقرر أن الله سبحانه سميع لجهل الجاهلين وسفاهتهم؛ عليم بما تحمله نفسك من أذاهم . . وفي هذا ترضية وتسرية للنفس . . فحسبها أن الجليل العظيم يسمع ويعلم! وماذا تبتغي نفس بعدما يسمع الله ويعلم ما تلقى من السفاهة والجهل وهي تدعو إليه الجاهلين؟!
ثم يتخذ السياق القرآني طريقاً آخر للإيحاء إلى نفس صاحب الدعوة بالرضى والقبول ، وذكر الله عند الغضب لأخذ الطريق على الشيطان ونزغه اللئيم :
** إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } .
* * *
مبحث 20
توزيع جهود الدعاة بين الداخل والخارج
[من الظلال على سورة الأنعام]
وليس الرسول - صلى الله عليه وسلم - مسؤولاً عن عملهم ، وهو لم يوكل بقلوبهم فالوكيل عليها هو الله :
** وما جعلناك عليهم حفيظاً ، وما أنت عليهم بوكيل } . .
وهذا التوجيه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحدد المجال الذي يتناوله اهتمام الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعمله . كما يحدد هذا المجال لخلفائه وأصحاب الدعوة إلى دينه في كل أرض وفي كل جيل . .
إن صاحب الدعوة لا يجوز أن يعلق قلبه وأمله وعمله بالمعرضين عن الدعوة ، المعاندين ، الذين لا تتفتح قلوبهم لدلائل الهدى وموحيات الإيمان . . إنما يجب أن يفرغ قلبه ، وأن يوجه أمله وعمله للذين سمعوا واستجابوا . فهؤلاء في حاجة إلى بناء كيانهم كله على القاعدة التي دخلوا الدين عليها . . قاعدة العقيدة . . وفي حاجة لإنشاء تصور لهم كامل عميق عن الوجود والحياة على أساس هذه العقيدة . وفي حاجة إلى بناء أخلاقهم وسلوكهم؛ وبناء مجتمعهم الصغير على هذا الأساس نفسه . وهذا كله يحتاج إلى الجهد . ويستحق الجهد . فأما الواقفون على الشق الآخر ، فجزاؤهم الإهمال والإعراض بعد الدعوة والبلاغ . . وحين ينمو الحق في ذاته فإن الله يجري سنته ، فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق . . إن على الحق أن يوجد ومتى وجد الحق في صورته الصادقة الكاملة ، فإن شأن الباطل هين ، وعمره كذلك قريب!
ومع أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالإعراض عن المشركين ، فقد وجه المؤمنين إلى أن يكون هذا الإعراض في أدب ، وفي وقار ، وفي ترفع ، يليق بالمؤمنين . . لقد أمروا ألا يسبوا آلهة المشركين مخافة أن يحمل هذا أولئك المشركين على سب الله سبحانه - وهم لا يعلمون جلال قدره وعظيم مقامه - فيكون سب المؤمنين لآلهتهم المهينة الحقيرة ذريعة لسب الله الجليل العظيم :
** ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم . كذلك زينا لكل أمة عملهم . ثم إلى ربهم مرجعهم ، فينبئهم بما كانوا يعملون } .
إن الطبيعة التي خلق الله الناس بها ، أن كل من عمل عملاً ، فإنه يستحسنه ، ويدافع عنه! فإن كان يعمل الصالحات استحسنها ودافع عنها . وإن كان يعمل السيئات استحسنها ودافع عنها . وإن كان على الهدى رآه حسناً ، وإن كان على الضلال رآه حسناً كذلك! فهذه طبيعة في الإنسان . . وهؤلاء يدعون من دون الله شركاء . . مع علمهم وتسليمهم بأن الله هو الخالق الرازق . . ولكن إذا سب المسلمون آلهتهم هؤلاء اندفعوا وعدوا عما يعتقدونه من ألوهية الله ، دفاعاً عما زين لهم من عبادتهم وتصوراتهم وأوضاعهم وتقاليدهم! . . فليدعهم المؤمنون لما هم فيه :
** ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون } . .
وهو أدب يليق بالمؤمن ، المطمئن لدينه ، الواثق من الحق الذي هو عليه . الهادىء القلب ، الذي لا يدخل فيما لا طائل وراءه من الأمور .فإن سب آلهتهم لا يؤدي بهم إلى الهدى ولا يزيدهم إلا عناداً . فما للمؤمنين وهذا الذي لا جدوى وراءه . وإنما قد يجرهم إلى سماع ما يكرهون . من سب المشركين لربهم الجليل العظيم؟
* * *
[من الظلال على سورة الأنعام]
إنها عزة هذه العقيدة ، واستعلاؤها على قيم الأرض الزائفة ، وتخلصها من الاعتبارات البشرية الصغيرة . .
لقد أُمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقدمها للناس دون زخرف ولا طلاء؛ ودون إطماع في شيء من قيم الأرض ولا إغراء . . كذلك أمر أن يوجه عنايته إلى من يرجى منهم الانتفاع بالدعوة ، وأن يؤوي إليه الذين يتلقونها مخلصين؛ ويتجهون بقلوبهم إلى الله وحده يريدون وجهه؛ وألا يقيم وزناً بعد ذلك لشيء من قيم المجتمع الجاهلي الزائفة؛ ولا لشيء من اعتبارات البشر الصغيرة :
** وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ، لعلهم يتقون } . .
أنذر به هؤلاء الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ، حالة أن ليس من دونه ولي ينصرهم ولا شفيع يخلصهم . ذلك أنه ما من شفيع يشفع عند الله إلا بإذنه ، وهو لا يشفع يومئذ - بعد الإذن - إلا لمن ارتضى الله أن يتشفع عند الله فيهم . . فهؤلاء الذين تستشعر قلوبهم خوف ذلك اليوم الذي ليس فيه - من دون الله - ولي ولا شفيع ، أحق بالإنذار ، وأسمعُ له ، وأكثر انتفاعاً به . . لعلهم أن يتوقوا في حياتهم الدنيا وما يعرضهم لعذاب الله في الآخرة . فالإنذار بيان كاشف كما أنه مؤثر موحٍ . بيان يكشف لهم ما يتقونه ويحذرونه ، ومؤثر يدفع قلوبهم للتوقي والحذر؛ فلا يقعون فيما نهوا عنه بعدما تبين لهم :
** ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } . .
لا تطرد هؤلاء الذين أخلصوا نفوسهم لله؛ فاتجهوا لعبادته ودعائه في الصباح والمساء؛ يريدون وجهه سبحانه! ولا يبتغون إلا وجهه ورضاه . . وهي صورة للتجرد ، والحب ، والأدب . . فإن الواحد منهم لا يتوجه إلا إلى الله وحده بالعبادة والدعاء . وهو لا يبغي وجه الله ، إلا إذا تجرد . وهو لا يبغي وجه الله وحده حتى يكون قلبه قد أحب . وهو لا يفرد الله - سبحانه - بالدعاء والعبادة ابتغاء وجهه إلا ويكون قد تعلم الأدب ، وصار ربانياً يعيش لله وبالله . .
ولقد كان أصل القصة أن جماعة من « أشراف » العرب ، أنفوا أن يستجيبوا إلى دعوة الإسلام؛ لأن محمداً - صلى الله عليه وسلم - يؤوي إليه الفقراء الضعاف ، من أمثال صهيب وبلال وعمار وخباب وسلمان وابن مسعود . . ومن إليهم . . وعليهم جباب تفوح منها رائحة العرق لفقرهم؛ ومكانتهم الاجتماعية لا تؤهلهم لأن يجلس معهم سادات قريش في مجلس واحد! فطلب هؤلاء الكبراء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يطردهم عنه . . فأبى . . فاقترحوا أن يخصص لهم مجلساً ويخصص للأشراف مجلساً آخر ، لا يكون فيه هؤلاء الفقراء الضعاف ، كي يظل للسادة امتيازهم واختصاصهم ومهابتهم في المجتمع الجاهلي! فهمّ - صلى الله عليه وسلم - رغبة في إسلامهم أن يستجيب لهم في هذه . فجاءه أمر ربه :
** ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } . .
روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص ، قال كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ستة نفر . فقال المشركون للنبي - صلى الله عليه وسلم - : اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا! قال : وكنت أنا وابن مسعود ، ورجل من هذيل ، وبلال ، ورجلان لست أسميهما . . فوقع في نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شاء الله أن يقع . فحدث نفسه . فأنزل الله عز وجل : ** ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } . .
ولقد تقوّل أولئك الكبراء على هؤلاء الضعاف ، الذين يخصهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمجلسه وبعنايته؛ وطعنوا فيهم وعابوا ما هم فيه من فقر وضعف وما يسببه وجودهم في مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نفور السادة وعدم إقبالهم على الإسلام . . فقضى الله سبحانه في هذه الدعوى بقضائه الفصل؛ ورد دعواهم من أساسها ودحضها دحضاً:
** ما عليك من حسابهم من شيء ، وما من حسابك عليهم من شيء ، فتطردهم فتكون من الظالمين } . .
فإن حسابهم على أنفسهم ، وحسابك على نفسك . وكونهم فقراء مقدر عليهم في الرزق هذا حسابهم عند الله ، لا شأن لك به . كذلك غناك وفقرك هو حسابك عند الله لا شأن لهم به . ولا دخل لهذه القيم في قضية الإيمان والمنزلة فيه . فإن أنت طردتهم من مجلسك بحساب الفقر والغنى كنت لا تزن بميزان الله ، ولا تقوّم بقيمه . . فكنت من الظالمين . . وحاشا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكون من الظالمين!
وبقي فقراء الجيوب أغنياء القلوب في مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبقي ضعاف الجاه الأقوياء بالله في مكانهم الذي يؤهلهم له إيمانهم؛ والذي يستحقونه بدعائهم لله لا يبتغون إلا وجهه . واستقرت موازين الإسلام وقيمه على المنهج الذي قرره الله . .
محمد رشيد
08-21-2009, 08:56 AM
[الفصل الخامس]
مشقّات الدعوة وبيان وظيفة الداعية
مبحث21
لزوم المشقة في طريق الدعوة
[من الظلال على سورة آل عمران]
والصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة . إنه طريق طويل شاق ، حافل بالعقبات والأشواك مفروش بالدماء والأشلاء وبالإيذاء والابتلاء . . الصبر على أشياء كثيرة : الصبر على شهوات النفس ورغائبها ، وأطماعها ومطامحها ، وضعفها ونقصها ، وعجلتها وملالها من قريب! والصبر على شهوات الناس ونقصهم وضعفهم وجهلهم وسوء تصورهم ، وانحراف طباعهم ، وأثرتهم ، وغرورهم ، والتوائهم ، واستعجالهم للثمار! والصبر على تنفج الباطل ، ووقاحة الطغيان ، وانتفاش الشر ، وغلبة الشهوة ، وتصعير الغرور والخيلاء! والصبر على قلة الناصر ، وضعف المعين ، وطول الطريق ووساوس الشيطان في ساعات الكرب والضيق! والصبر على مرارة الجهاد لهذا كله ، وما تثيره في النفس من انفعالات متنوعة . من الألم والغيظ ، والحنق ، والضيق ، وضعف الثقة أحياناً في الخير ، وقلة الرجاء أحياناً في الفطرة البشرية؛ والملل والسأم واليأس أحياناً والقنوط! والصبر بعد ذلك كله على ضبط النفس في ساعة القدرة والانتصار والغلبة ، واستقبال الرخاء في تواضع وشكر ، وبدون خيلاء وبدون اندفاع إلى الانتقام ، وتجاوز القصاص الحق إلى الاعتداء! والبقاء في السراء والضراء على صلة بالله ، واستسلام لقدره ، ورد الأمر إليه كله في طمأنينة وثقة وخشوع . .
والصبر على هذا كله - وعلى مثله - مما يصادف السالك في هذا الطريق الطويل . . لا تصوره حقيقة الكلمات . فالكلمات لا تنقل المدلول الحقيقي لهذه المعاناة . إنما يدرك هذا المدلول من عانى مشقات الطريق؛ وتذوقها انفعالات وتجارب ومرارات!
والذين آمنوا كانوا قد ذاقوا جوانب كثيرة من ذلك المدلول الحقيقي . فكانوا أعرف بمذاق هذا النداء . كانوا يعرفون معنى الصبر الذي يطلب الله إليهم أن يزاولوه . .
والمصابرة . . وهي مفاعلة من الصبر . . مصابرة هذه المشاعر كلها ، ومصابرة الأعداء الذين يحاولون جاهدين أن يفلوا من صبر المؤمنين . . مصابرتها ومصابرتهم ، فلا ينفد صبر المؤمنين على طول المجاهدة . بل يظلون أصبر من أعدائهم وأقوى : أعدائهم من كوامن الصدور ، وأعدائهم من شرار الناس سواء . فكأنما هو رهان وسباق بينهم وبين أعدائهم ، يدعون فيه إلى مقابلة الصبر بالصبر ، والدفع بالدفع ، والجهد بالجهد ، والإصرار بالإصرار . . ثم تكون لهم عاقبة الشوط بأن يكونوا أثبت وأصبر من الأعداء . . وإذا كان الباطل يصر ويصبر ويمضي في الطريق ، فما أجدر الحق أن يكون أشد إصراراً وأعظم صبراً على المضي في الطريق!
* * *
[من الظلال على سورة الأعراف]
﴿ كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ، لتنذر به ، وذكرى للمؤمنين ﴾ . .
كتاب أنزل إليك للإنذار به والتذكير . . كتاب للصدع بما فيه من الحق ولمواجهة الناس بما لا يحبون؛ ولمجابهة عقائد وتقاليد وارتباطات؛ ولمعارضة نظم وأوضاع ومجتمعات . فالحرج في طريقه كثير ، والمشقة في الإنذار به قائمة . . لا يدرك ذلك - كما قلنا في التعريف بالسورة - إلا من يقف بهذا الكتاب هذا الموقف؛ وإلا من يعاني من الصدع به هذه المعاناة؛ وإلا من يستهدف من التغيير الكامل الشامل في قواعد الحياة البشرية وجذورها ، وفي مظاهرها وفروعها ، ما كان يستهدفه حامل هذا الكتاب أول مرة - صلى الله عليه وسلم - ليواجه به الجاهلية الطاغية في الجزيرة العربية وفي الأرض كلها . .
وهذا الموقف ليس مقصوراً على ما كان في الجزيرة العربية يومذاك ، وما كان في الأرض من حولها . . إن الإسلام ليس حادثاً تاريخياً ، وقع مرة ، ثم مضى التاريخ وخلفه وراءه! . . إن الإسلام مواجهة دائمة لهذه البشرية إلى يوم القيامة . . وهو يواجهها كما واجهها أول مرة ، كلما انحرفت هي وارتدت إلى مثل ما كانت فيه أول مرة! . . إن البشرية تنتكس بين فترة وأخرى وترجع إلى جاهليتها - وهذه هي « الرجعية » البائسة المرذولة - وعندئذ يتقدم الإسلام مرة أخرى ليؤدي دوره في انتشالها من هذه « الرجعية » مرة أخرى كذلك؛ والأخذ بيدها في طريق التقدم والحضارة؛ ويتعرض حامل دعوته والمنذر بكتابه للحرج الذي تعرض له الداعية الأولى - صلى الله عليه وسلم - وهو يواجه البشرية بغير ما استكانت إليه من الارتكاس في وحل الجاهلية؛ والغيبوبة في ظلامها الطاغي! ظلام التصورات وظلام الشهوات . وظلام الطغيان والذل . وظلام العبودية للهوى الذاتي ولأهواء العبيد أيضاً! ويتذوق من يتعرض لمثل هذا الحرج ، وهو يتحرك لاستنقاذ البشرية من مستنقع الجاهلية ، طعم هذا التوجيه الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم :
** كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ، لتنذر به وذكرى للمؤمنين } . .
* * *
مبحث 22
الخطة الثابتة لقمع الدعوة!
[من الظلال على سورة الأعراف]
** وقال الملأ الذين كفروا من قومه : لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون } . .
إنها ملامح المعركة التي تتكرر ولا تتغير . . إن الطواغيت يتوجهون أولاً إلى الداعية ليكف عن الدعوة . فإذا استعصم بإيمانه وثقته بربه ، واستمسك بأمانة التبليغ وتبعته ، ولم يرهبه التخويف بالذي يملكه الطغاة من الوسائل . . تحولوا إلى الذين اتبعوه يفتنونهم عن دينهم بالوعيد والتهديد ، ثم بالبطش والعذاب . . إنهم لا يملكون حجة على باطلهم ، ولكن يملكون أدوات البطش والإرهاب؛ ولا يستطيعون إقناع القلوب بجاهليتهم - وبخاصة تلك التي عرفت الحق فما عادت تستخف بالباطل - ولكنهم يستطيعون البطش بالمصرين على الإيمان ، الذي أخلصوا الدينونة لله فأخلصوا له السلطان .
ولكنه من سنة الله الجارية أنه عندما يتمحض الحق والباطل ، ويقفان وجهاً لوجه في مفاصلة كاملة تجري سنة الله التي لا تتخلف . . وهكذا كان . .
** فأخذتهم الرجفة ، فأصبحوا في دارهم جاثمين } . .
الرجفة والجثوم ، جزاء التهديد والاستطالة ، وبسط الأيدي بالأذى والفتنة . .
* * *
مبحث 23
مصدرا المشقة في الدعوة الإسلامية
[من الظلال على سورة الأنعام]
إن طريق الدعوة إلى الله شاق، محفوف بالمكاره، ومع أن نصر الله للحق آت لا ريب فيه، إلا أن هذا النصر إنما يأتي في موعده الذي يقدره الله، وفق علمه وحكمته، وهو غيب لا يعلم موعده أحد - حتى ولا الرسول - والمشقة في هذا الطريق تنشأ من عاملين أساسيين: من التكذيب والإعراض اللذين تقابل بهما الدعوة في أول الأمر، والحرب والأذى اللذين يعلنان على الدعاة.. ثم من الرغبة البشرية في نفس الداعية في هداية الناس إلى الحق الذي تذوقه، وعرف طعمه، والحماسة للحق والرغبة في استعلانه! وهذه الرغبة لا تقل مشقة عن التكذيب والإعراض والحرب والأذى. فكلها من دواعي مشقة الطريق!
* * *
مبحث 24
عظيم المشقة مع رواسب الجاهلية.. موسى عليه السلام أنموذج
[من الظلال على سورة الأعراف]
وسنرى متاعب موسى - عليه السلام - في المحاولة الضخمة التي يحاولها؛ وثقلة الجبلات التي أخلدت إلى الأرض طويلاً ، حتى ما تريد أن تنهض من الوحل الذي تمرغت فيه طويلاً ، وقد حسبته الأمر العادي الذي ليس غيره!
وسنرى من خلال متاعب موسى - عليه السلام - متاعب كل صاحب دعوة ، يواجه نفوساً طال عليها الأمد ، وهي تستمرئ حياة الذل تحت قهر الطاغوت - وبخاصة إذا كانت هذه النفوس قد عرفت العقيدة التي يدعوها إليها ، ثم طال عليها الأمد ، فبهتت صورتها ، وعادت شكلاً لا روح فيه؟
إن جهد صاحب الدعوة - في مثل هذه الحال - لهو جهد مضاعف . ومن ثم يجب أن يكون صبره مضاعفاً كذلك . . يجب أن يصبر على الالتواءات والانحرافات ، وثقلة الطبائع وتفاهة الاهتمامات؛ ويجب أن يصبر على الانتكاس الذي يفاجئه في هذه النفوس بعد كل مرحلة ، والاندفاع إلى الجاهلية عند أول بادرة!
ولعل هذا جانب من حكمة الله في عرض قصة بني إسرائيل على الأمة المسلمة ، في هذه الصورة المفصلة المكررة . لترى فيها هذه التجربة . كما قلنا من قبل . ولعل فيها زاداً لأصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل .
* * *
مبحث 25
طريقة القرآن في معالجة مشقات الدعوة بأنواعها
[من الظلال على سورة الأنعام]
والتوجيه القرآني في هذه الموجة من السياق يعالج هذه المشقة من جانبيها.. ذلك حين يقرر أن الذين يكذبون بهذا الدين أو يحاربون دعوته، يعلمون علم اليقين أن ما يدعون إليه هو الحق، وأن الرسول الذي جاء به من عندالله صادق. ولكنهم مع هذا العلم لا يستجيبون، ويستمرون في جحودهم عناداً وإصراراً، لأن لهم هوى في الإعراض والتكذيب! وأن هذا الحق يحمل معه دليل صدقه، وهو يخاطب الفطرة فتستجيب له، متى كانت هذه الفطرة حية، وأجهزة الاستقبال فيها صالحة: ** إنما يستجيب الذين يسمعون } .. فأما الذين يجحدون فإن قلوبهم ميتة وهم موتى وهو صم وبكم في الظلمات. والرسول لا يسمع الموتى ولا يسمع الصم الدعاء. والداعية ليس عليه أن يبعث الموتى. فذلك من شأن الله.. هذا كله من جانب، ومن الجانب الآخر، فإن نصر الله آت لا ريب فيه.. كل ما هنالك أنه يجري وفق سنة الله وبقدر الله، وكما أن سنة الله لا تستعجل، وكلماته لا تتبدل، من ناحية مجيء النصر في النهاية، فكذلك هي لا تتبدل ولا تستعجل من ناحية الموعد المرسوم.. والله لا يعجل لأن الأذى والتكذيب يلحق بالدعاة - ولو كانوا هم الرسل - فإن استسلام صاحب الدعوة نفسه لقدر الله بلا عجلة، وصبره على الأذى بلا تململ، ويقينه في العاقبة بلا شك.. كلها مطلوبة من وراء تأجيل النصر إلى موعده المرسوم.
* * *
[من الظلال على سورة الأعراف]
** قل : ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون . إن وليي الله الذي نزل الكتاب ، وهو يتولى الصالحين . والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون . . وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا ، وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } . .
إنها كلمة صاحب الدعوة ، في وجه الجاهلية . . ولقد قالها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أمره ربه؛ وتحدى بها المشركين في زمانه وآلهتهم المدعاة :
** قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون } . .
لقد قذف في وجوههم ووجوه آلهتهم المدعاة بهذا التحدي . . وقال لهم : ألا يألوا جهداً في جمع كيدهم وكيد آلهتهم؛ بلا إمهال ولا إنظار! وقالها في لهجة الواثق المطمئن إلى السند الذي يرتكن إليه ، ويحتمي به من كيدهم جميعاً :
** إن وليي الله ، الذي نزل الكتاب ، وهو يتولى الصالحين } . .
فأعلن بها عمن إليه يرتكن . إنه يرتكن إلى الله . . الذي نزل الكتاب . فدل بتنزيله على إرادته - سبحانه - في أن يواجه رسوله الناس بالحق الذي فيه؛ كما قدر أن يعلي هذا الحق على باطل المبطلين . . وأن يحمي عباده الصالحين الذين يبلغونه ويحملونه ويثقون فيه .
وإنها لكلمة صاحب الدعوة إلى الله - بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - في كل مكان وفي كل زمان :
** قل : ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون } . . ** إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين } .
إنه لا بد لصاحب الدعوة إلى الله أن يتجرد من أسناد الأرض؛ وأن يستهين كذلك بأسناد الأرض . .
إنها في ذاتها واهية واهنة ، مهما بدت قوية قادرة : ** يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له : إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له ، وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه . ضعف الطالب والمطلوب! } ** مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً ، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون! } وصاحب الدعوة إلى الله يرتكن إلى الله . فما هذه الأولياء والأسناد الأخرى إذن؟ وماذا تساوي في حسه؛ حتى لو قدرت على أذاه؟! إنما تقدر على أذاه بإذن ربه الذي يتولاه . لا عجزاً من ربه عن حمايته من أذاها - سبحانه وتعالى! - ولا تخلياً منه سبحانه عن نصرة أوليائه . . ولكن ابتلاء لعباده الصالحين للتربية والتمحيص والتدريب . واستدراجاً لعباده الطالحين للإعذار والإمهال والكيد المتين!
لقد كان أبو بكر - رضي الله عنه - يردد ، والمشركون يتناولونه بالأذى؛ ويضربون وجهه الكريم بالنعال المخصوفة يحرفونها إلى عينيه ووجهه ، حتى تركوه وما يعرف له فم من عين! . . كان يردد طوال هذا الاعتداء المنكر الفاجر على أكرم من أقلت الأرض بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم : « رب ما أحلمك! رب ما أحلمك! رب ما أحلمك! . . » كان يعرف في قرارة نفسه ما وراء هذا الأذى من حلم ربه! لقد كان واثقاً أن ربه لا يعجز عن التدميرعلى أعدائه؛ كما كان واثقاً أن ربه لا يتخلى عن أوليائه!
ولقد كان عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - يقول ، وقد تناوله المشركون بالأذى - لأنه أسمعهم القرآن في ناديهم إلى جوار الكعبة - حتى تركوه وهو يترنح لا يصلب قامته! . . كان يقول بعد هذا الأذى المنكر الفاجر الذي ناله : « والله ما كانوا أهون عليّ منهم حينذاك! » . . كان يعرف أنهم يحادون الله - سبحانه - وكان يستيقن أن الذي يحاد الله مغلوب هين على الله . فينبغي أن يكون مهيناً عند أولياء الله .
ولقد كان عبد الله بن مظعون - رضي الله عنه - يقول ، وقد خرج من جوار عتبة بن ربيعة المشرك ، لأنه لم يستسغ لنفسه أن يحتمي بجوار مشرك فيكف عنه الأذى ، وإخوان له في الله يؤذون في سبيل الله . وقد تجمع عليه المشركون - بعد خروجه من جوار عتبة - فآذوه حتى خسروا عينه . . كان يقول لعتبة وهو يراه في هذا الحال فيدعوه أن يعود إلى جواره : « لأنا في جوار من هو أعز منك! » . . وكان يرد على عتبة إذ قال له : « يا ابن أخي لقد كانت عينك في غنى عمَّا أصابها! » . . يقول : « لا والله وللأخرى أحق لما يصلحها في سبيل الله! » . . كان يعلم أن جوار ربه أعز من جوار العبيد . وكان يستيقن أن ربه لا يتخلى عنه ، ولو تركه يؤذى في سبيله هذا الأذى لترتفع نفسه إلى هذا الأفق العجيب : « لا والله . وللأخرى أحق لما يصلحها في سبيل الله » . .
هذه نماذج من ذلك الجيل السامق الذي تربى بالقرآن في حجر محمد - صلى الله عليه وسلم - في ظلال ذلك التوجيه الرباني الكريم :
** قل : ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون . إن وليي الله الذي نزل الكتاب ، وهو يتولى الصالحين } . .
ثم ماذا كان بعد هذا الأذى الذي احتملوه من كيد المشركين . وهذا الاعتصام بالله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين؟
كان ما يعرفه التاريخ! كانت الغلبة والعزة والتمكين لأولياء الله ، وكانت الهزيمة والهوان والدثور للطواغيت الذين قتلهم الصالحون . وكانت التبعية ممن بقي منهم - ممن شرح الله صدره للإسلام - لهؤلاء السابقين ، الذين احتملوا الأذى بثقة في الله لا تتزعزع ، وبعزمة في الله لا تلين!
إن صاحب الدعوة إلى الله - في كل زمان وفي كل مكان - لن يبلغ شيئاً إلا بمثل هذه الثقة ، وإلا بمثل هذه العزمة ، وإلا بمثل ذلك اليقين :
** إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين } . .
* * *
[من الظلال على سورة الأعراف]
وبعد ، فإن ذكر الله - كما توجه إليه هذه النصوص - ليس مجرد الذكر بالشفة واللسان . ولكنه الذكر بالقلب والجنان . فذكر الله إن لم يرتعش له الوجدان ، وإن لم يخفق له القلب ، وإن لم تعش به النفس . . إن لم يكن مصحوباً بالتضرع والتذلل والخشية والخوف . . لن يكون ذكراً . . بل قد يكون سوء أدب في حق الله سبحانه . إنما هو التوجه إلى الله بالتذلل والضراعة ، وبالخشية والتقوى . . إنما هو استحضار جلال الله وعظمته ، واستحضار المخافة لغضبه وعقابه ، واستحضار الرجاء فيه والالتجاء إليه . . حتى يصفو الجوهر الروحي في الإنسان ، ويتصل بمصدره اللدني الشفيف المنير . .
فإذا تحرك اللسان مع القلب؛ وإذا نبست الشفاه مع الروح؛ فليكن ذلك في صورة لا تخدش الخشوع ولا تناقض الضراعة . ليكن ذلك في صوت خفيض ، لا مكاء وتصدية ، ولا صراخاً وضجة ، ولا غناء وتطرية!
** واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول } . .
** بالغدو والآصال } . .
في مطالع النهار وفي أواخره . فيظل القلب موصولاً بالله طرفي النهار . وذكر الله لا يقتصر على هذه الآونة ، فذكر الله ينبغي أن يكون في القلب في كل آن؛ ومراقبة الله يجب أن تكون في القلب في كل لحظة . ولكن هذين الآنين إنما تطالع فيهما النفس التغير الواضح في صفحة الكون . . من ليل إلى نهار . . ومن نهار إلى ليل . ويتصل فيهما القلب بالوجود من حوله؛ وهو يرى يد الله تقلب الليل والنهار؛ وتغير الظواهر والأحوال . . وإن الله - سبحانه - ليعلم أن القلب البشري يكون في هذين الآنين أقرب ما يكون إلى التأثر والاستجابة . . ولقد كثر في القرآن التوجيه إلى ذكر الله سبحانه وتسبيحه في الآونة التي كأنما يشارك الكون كله فيها في التأثير على القلب البشري وترقيقه وإرهافه وتشويقه للاتصال بالله . . ** فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب . ومن الليل فسبحه وأدبار السجود } ** ومن آثار الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى } . . ** واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً . ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً } ولا داعي للقول بأن هذا الأمر بالذكر في هذه الآونة قد كان قبل فرض الصلاة المكتوبة في أوقاتها المعلومة . مما يوحي بأن فرض الصلاة المكتوبة قد أغنى عن هذا الأمر في هذه الآونة . فهذا الذكر أشمل من الصلاة ، وأوقاته ليست مقصورة على مواقيت الصلاة المكتوبة . كما أنه قد يكون في صور غير صورة الصلاة - المكتوبة وغير المكتوبة - في صورة الذكر بالقلب ، أو بالقلب واللسان دون بقية حركات الصلاة . . بل إنه لأشمل من ذلك كذلك . إنه التذكر الدائم والاستحضار الدائم لجلال الله - سبحانه - ومراقبته في السر والعلن ، وفي الصغيرة والكبيرة ، وفي الحركة والسكنة ، وفي العمل والنية . . وإنما ذكر البكرة والأصيل والليل . . لما في هذه الأونة من مؤثرات خاصة يعلم الله ما تصنع في القلب البشري ، الذي يعلم خالقه فطرته وطبيعة تكوينة!
** ولا تكن من الغافلين } . .
الغافلين عن ذكر الله . . لا بالشفة واللسان ، ولكن بالقلب والجنان . . الذكر الذي يخفق به القلب؛ فلا يسلك صاحبه طريقاً يخجل أن يطلع عليه الله فيه؛ ويتحرك حركة يخجل أن يراه الله عليها ، ولا يأتي صغيرة أو كبيرة إلا وحساب الله فيها . . فذلك هو الذكر الذي يرد به الأمر هنا؛ وإلا فما هو ذكر لله ، إذا كان لا يؤدي إلى الطاعة والعمل والسلوك والاتباع .
اذكر ربك ولا تغفل عن ذكره؛ ولا يغفل قلبك عن مراقبته؛ فالإنسان أحوج أن يظل على اتصال بربه ، ليتقوى على نزغات الشيطان : ** وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ، إنه سميع عليم } . ولقد كانت السورة من قبل معرضاً للمعركة بين الإنسان والشيطان في أوائلها ، وظل سياقها يعرض موكب الإيمان وشياطين الجن والإنس تعترض طريقه ، كما ذكر الشيطان في نبأ الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين . وكما ذكر في أواخرها نزغ الشيطان والاستعاذة منه بالله السميع العليم . . وهو سياق متصل ، ينتهي بالتوجيه إلى ذكر الله تضرعاً وخيفة ، والنهي عن الغفلة . . ويأتي هذا الأمر وهذا النهي في صدد توجيه الله سبحانه لرسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ العفو ويأمر بالعرف ويعرض عن الجاهلين . . فإذا هو تكملة لمعالم الطريق ، وتزويد لصاحب الدعوة بالزاد الذي يقوى به على مشاق الطريق . .
ثم يضرب الله مثلاً بالذين عنده من الملائكة المقربين : الذين لا ينزغ في أنفسهم شيطان ، فليس له في تركيب طبيعتهم مكان! ولا تستبد بهم نزوة ، ولا تغلبهم شهوة . ومع هذا فهم دائبون على تسبيح الله وذكره ، لا يستكبرون عن عبادته ولا يقصرون . وللإنسان أحوج منهم إلى الذكر والعبادة والتسبيح . وطريقه شاق! وطبيعته قابلة لنزغ الشيطان! وقابلة للغفلة المردية! وجهده محدود . لولا هذا الزاد في الطريق الكؤود :
** إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ، ويسبحونه . وله يسجدون } . .
إن العبادة والذكر عنصر أساسي في منهج هذا الدين . . إنه ليس منهج معرفة نظرية . وجدل لاهوتي ، إنه منهج حركة واقعية لتغيير الواقع البشري . وللواقع البشري جذوره وركائزه في نفوس الناس وفي أوضاعهم سواء . وتغيير هذا الواقع الجاهلي إلى الواقع الرباني الذي يريده الله للناس وفق منهجه مسألة شاقة عسيرة؛ تحتاج إلى جهد طويل ، وإلى صبر عميق . وطاقة صاحب الدعوة محدودة . ولا قبل له بمواجهة هذه المشقة دون زاد يستمده من ربه . إنه ليس العلم وحده ، وليست المعرفة وحدها . إنما هي العبادة لله والاستمداد منه . . هي الزاد ، وهي السند ، وهي العون؛ في الطريق الشاق الطويل!
ومن ثم هذا التوجيه الأخير في السورة التي بدأت بقول الله سبحانه لرسول الكريم ، ** كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ، لتنذر به ، وذكرى للمؤمنين } والتي تضمن سياقها عرض موكب الإيمان ، بقيادة الرهط الكريم من رسل الله الكرام؛ وما يعترض طريقه من كيد الشيطان الرجيم؛ ومن مكر شياطين الجن والإنس؛ ومن معارضة المتجبرين في الأرض ، وحرب الطواغيت المتسلطين على رقاب العباد .
إنه زاد الطريق . وعدة الموكب الكريم في هذا الطريق . .
* * *
مبحث 26
تحقيق وظيفة الداعية
[من الظلال على سورة الأنعام]
﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39) ﴾
في هذه الموجة من موجات السياق المتدفق في السورة ، يتجه الحديث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطيب الله - سبحانه - خاطره في أوله ، مما يلاقيه من تكذيب قومه له ، وهو الصادق الأمين ، فإنهم لا يظنون به الكذب ، إنما هم مصرون على الجحود بآيات الله وعدم الاعتراف بها وعدم الإيمان ، لأمر آخر غير ظنهم به الكذب! كما يواسيه بما وقع لإخوانه الرسل قبله من التكذيب والأذى ، وما وقع منهم من الصبر والاحتمال ، ثم ما انتهى إليه أمرهم من نصر الله لهم . وفق سنته التي لا تتبدل . . حتى إذا انتهى من المواساة والتسرية والتطمين ، التفت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرر له الحقيقية الكبرى في شأن هذه الدعوة . . إنها تجري بقدر الله وفق سنته ، وليس للداعية فيها إلا التبليغ والبيان . . إن الله هو الذي يتصرف في الأمر كله ، فليس على الداعية إلا أن يمضي وفق هذا الأمر ، لا يستعجل خطوة ولا يقترح على الله شيئاً . حتى ولو كان هو النبي الرسول! ولا يستمع إلى مقترحات المكذبين - ولا الناس عامة - في منهج الدعوة ، ولا في اقتراح براهين وآيات معينة عليه . . والأحياء الذين يسمعون سيستجيبون ، أما موتى القلوب فهم موتى لا يستجيبون ، والأمر إلى الله إن شاء أحياهم وإن شاء أبقاهم موتى حتى يرجعوا إليه يوم القيامة.
* * *
[من الظلال على سورة الرعد]
** وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب } . .
إن هذا القول إنما يقال للنبي صلى الله عليه وسلم الرسول الذي أوحي إليه من ربه .وكلف مخاطبة الناس بهذه العقيدة . . وخلاصة هذا القول : إن أمر هذا الدين ليس إليه هو ، ومآل هذه الدعوة ليس من اختصاصه! إنما عليه البلاغ وليس عليه هداية الناس . فالله وحده هو الذي يملك الهداية . سواء حقق الله بعض وعده له من مصير القوم أو أدركه الأجل قبل تحقيق وعد الله ، فهذا أو ذاك لا يغير من طبيعة مهمته . . البلاغ . . وحسابهم بعد ذلك على الله . . وليس بعد هذا تجريد لطبيعة الداعية وتحديد لمهمته . فواجبه محدد ، والأمر كله في هذه الدعوة وفي كل شيء آخر لله .
بذلك يتعلم الدعاة إلى الله أن يتأدبوا في حق الله! إنه ليس لهم أن يستعجلوا النتائج والمصائر . . ليس لهم أن يستعجلوا هداية الناس ، ولا أن يستعجلوا وعد الله ووعيده للمهتدين وللمكذبين . . ليس لهم أن يقولوا : لقد دعونا كثيراً فلم يستجب لنا إلا القليل؛ أو لقد صبرنا طويلاً فلم يأخذ الله الظالمين بظلمهم ونحن أحياء! . . إنْ عليهم البلاغ . . أما حساب الناس في الدنيا أو في الآخرة فهذا ليس من شأن العبيد . إنما هو من شأن الله! فينبغي تأدباً في حق الله واعترافاً بالعبودية له أن يترك له سبحانه ، يفعل فيه ما يشاء ويختار . .
* * *
[من الظلال على سورة الغاشية]
** لست عليهم بمسيطر } . . فأنت لا تملك من أمر قلوبهم شيئاً . حتى تقهرها وتقسرها على الإيمان . فالقلوب بين أصابع الرحمن ، لا يقدر عليها إنسان .
فأما الجهاد الذي كتب بعد ذلك فلم يكن لحمل الناس على الإيمان . إنما كان لإزالة العقبات من وجه الدعوة لتبلغ إلى الناس . فلا يمنعوا من سماعها . ولا يفتنوا عن دينهم إذا سمعوها . كان لإزالة العقبات من طريق التذكير . الدور الوحيد الذي يملكه الرسول .
وهذا الإيحاء بأن ليس للرسول من أمر هذه الدعوة شيء إلا التذكير والبلاغ يتكرر في القرآن لأسباب شتى . في أولها إعفاء أعصاب الرسول من حمل هم الدعوة بعد البلاغ ، وتركها لقدر الله يفعل بها ما يشاء . فإلحاح الرغبة البشرية بانتصار دعوة الخير وتناول الناس لهذا الخير ، إلحاح عنيف جداً يحتاج إلى هذا الإيحاء المتكرر بإخراج الداعية لنفسه ولرغائبه هذه من مجال الدعوة ، كي ينطلق إلى أدائها كائنة ما كانت الاستجابة ، وكائنة ما كانت العاقبة . فلا يعني نفسه بهمّ من آمن وهمّ من كفر . ولا يشغل باله بهذا الهم الثقيل حين تسوء الأحوال من حول الدعوة ، وتقل الاستجابة ، ويكثر المعرضون والمخاصمون .
ومما يدل على إلحاح الرغبة البشرية في انتصار دعوة الله وتذوق الناس لما فيها من خير ورحمة ، هذه التوجيهات المتكررة للرسول صلى الله عليه وسلم وهو من هو تأدباً بأدب الله ومعرفة لحدوده ولقدر الله . . ومن ثم اقتضى إلحاح هذه الرغبة هذا العلاج الطويل المتكرر في شتى الأحيان . .
ولكن إذا كان هذا هو حد الرسول ، فإن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد . ولا يذهب المكذبون ناجين ، ولا يتولون سالمين . إن هنالك الله وإليه تصير الأمور :
** إلا من تولى وكفر . فيعذبه الله العذاب الأكبر } . .
* * *
[من الظلال على سورة البقرة]
** ليس عليك هداهم ، ولكن الله يهدي من يشاء . وما تنفقوا من خير فلأنفسكم . وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله . وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون } . .
روى ابن أبي حاتم - بإسناده - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يأمر بألا يتصدق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية : ** ليس عليك هداهم . . إلى آخرها } . . فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين . .
إن أمر القلوب وهداها وضلالها ليس من شأن أحد من خلق الله - ولو كان هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنه من أمر الله وحده . فهذه القلوب من صنعه؛ ولا يحكمها غيره ، ولا يصرفها سواه ، ولا سلطان لأحد عليها إلا الله . وما على الرسول إلا البلاغ . فأما الهدى فهو بيد الله يعطيه من يشاء ، ممن يعلم - سبحانه - أنه يستحق الهدى ، ويسعى إليه . وإخراج هذا الأمر من اختصاص البشر يقرر الحقيقة التي لا بد أن تستقر في حس المسلم ليتوجه في طلب الهدى إلى الله وحده ، وليتلقى دلائل الهدى من الله وحده . . ثم هي تفسح في احتمال صاحب الدعوة لعناد الضالين ، فلا يضيق صدره بهم وهو يدعوهم؛ ويعطف عليهم ، ويرتقب إذن الله لقلوبهم في الهدي ، وتوفيقهم إليه بمعرفته حين يريد .
** ليس عليك هداهم ، ولكن الله يهدي من يشاء } . .
فلتفسح لهم صدرك ، ولتفض عليهم سماحتك ، ولتبذل لهم الخير والعون ما احتاجوا إليه منك . وأمرهم إلى الله . وجزاء المنفق عند الله .
ومن هنا نطلع على بعض الآفاق السامية السمحة الوضيئة التي يرفع الإسلام قلوب المسلمين إليها ، ويروضهم عليها . . إن الإسلام لا يقرر مبدأ الحرية الدينية وحده؛ ولا ينهى عن الإكراه على الدين فحسب . إنما يقرر ما هو أبعد من ذلك كله . يقرر السماحة الإنسانية المستمدة من توجيه الله - سبحانه - يقرر حق المحتاجين جميعاً في أن ينالوا العون والمساعدة - ما داموا في غير حالة حرب مع الجماعة المسلمة - دون نظر إلى عقيدتهم . ويقرر أن ثواب المعطين محفوظ عند الله على كل حال ، ما دام الإنفاق ابتغاء وجه الله . وهي وثبة بالبشرية لا ينهض بها إلا الإسلام؛ ولا يعرفها على حقيقتها إلا أهل الإسلام :
** وما تنفقوا من خير فلأنفسكم ، وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله . وما تنفقوا من خير يوف إليكم ، وأنتم لا تظلمون } . .
* * *
محمد رشيد
08-21-2009, 08:58 AM
[الفصل السادس]
المدخل الدعوي الصحيح إلى النفس البشرية
مبحث 27
الفطرة هي مدخل الدعوة والآيات الكونية هي الدلائل
[من الظلال على سورة الأنعام]
** إنما يستجيب الذين يسمعون } . .
وفريق ميت ، معطل الفطرة ، لا يسمع ولا يستقبل ، ومن ثم لا يتأثر ولا يستجيب . . ليس الذي ينقصه أن هذا الحق لا يحمل دليله - فدليله كامن فيه ، ومتى بلغ إلى الفطرة وجدت فيها مصداقه ، فاستجابت إليه حتماً - إنما الذي ينقص هذا الفريق من الناس هو حياة الفطرة ، وقيام أجهزة الاستقبال فيها بمجرد التلقي! وهؤلاء لا حيلة فيهم للرسول ، ولا مجال معهم للبرهان . إنما يتعلق أمرهم بمشيئة الله . إن شاء بعثهم إن علم منهم ما يستحق أن يحييهم ، وإن شاء لم يبعثهم في هذه الحياة الدنيا ، وبقوا أمواتاً بالحياة حتى يرجعوا إليه في الآخرة .
** والموتى يبعثهم الله . ثم إليه يرجعون } . .
هذه هي قصة الاستجابة وعدم الاستجابة! تكشف حقيقة الموقف كله ، وتحدد واجب الرسول وعمله ، وتترك الأمر كله لصاحب الأمر يقضي فيه بما يريد .
ومن خطاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهذه الحقيقة ، ينتقل السياق إلى حكاية ما يطلبه المشركون من إنزال خارقة ، وإلى بيان ما في هذا الطلب من الجهالة بسنة الله ، ومن سوء إدراك لرحمته بهم ألا يستجيب لهذا الاقتراح الذي في أعقابه التدمير لهم لو أجيبوا إليه! ويعرض جانباً من دقة التدبير الإلهي وإحاطته بالأحياء جميعاً ، يوحي بحكمة السنة الشاملة للأحياء جميعاً . وينتهي بتقرير ما وراء الهدى والضلال من أسرار وسنن تجري بها مشيئة الله طليقة .
** وقالوا : لولا نزل عليه آية من ربه! قل : إن الله قادر على أن ينزل آية ، ولكن أكثرهم لا يعلمون . وما من دابة في الأرض ، ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ، ثم إلى ربهم يحشرون . والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات . من يشأ الله يضلله ، ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } . .
لقد كانوا يطلبون آية خارقة كالخوارق المادية التي صاحبت الرسالات السابقة ، ولا يقنعون بآية القرآن الباقية ، التي تخاطب الإدراك البشري الراشد ، وتعلن عهد الرشد الإنساني ، وتحترم هذا الرشد فتخاطبه هذا الخطاب الراقي؛ والتي لا تنتهي بانتهاء الجيل الذي يرى الخارقة المادية؛ بل تظل باقية تواجه الإدراك البشري بإعجازها إلى يوم القيامة . .
وكانوا يطلبون خارقة ، ولا يفطنون إلى سنة الله في أخذ المكذبين بالدعوة بعد مجيء الخارقة ، وإهلاكهم في الدنيا . ولا يدركون حكمة الله في عدم مجيئهم بهذه الخارقة ، وهو يعلم أنهم سيجحدون بها بعد وقوعها - كما وقع في الأقوام قبلهم - فيحق عليهم الهلاك ، بينما يريد الله أن يمهلهم ليؤمن منهم من يؤمن . فمن لم يؤمن استخرج الله من ظهره ذرية مؤمنة . ولا يشكرون نعمة الله عليهم في إمهالهم ، وذلك بعدم الاستجابة لاقتراحهم ، الذي لا يعلمون جرائره!
والقرآن يذكر اقتراحهم هذا ، ويعقب عليه بأن أكثرهم لا يعلمون ما وراءه ولا يعلمون حكمة الله في عدم الاستجابة ، ويقرر قدرة الله على تنزيل الآية ، ولكن حكمته هي التي تقتضي ، ورحمته التي كتبها على نفسه هي التي تمنع البلاء :
** وقالوا : لولا نزل عليه آية من ربه! قل : إن الله قادر على أن ينزل أية . ولكن أكثرهم لا يعلمون } .
ويأخذ السياق القرآني طريقه إلى قلوبهم من مدخل آخر لطيف . ويوقظ فيها قوى الملاحظة والتدبر لما في الوجود حولهم من دلائل الهدى وموحيات الإيمان ، لو تدبروه وعقلوه :
** وما من دابة في الأرض ، ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ، ما فرطنا في الكتاب من شيء ، ثم إلى ربهم يحشرون } . .
إن الناس ليسوا وحدهم في هذا الكون ، حتى يكون وجودهم مصادفة ، وحتى تكون حياتهم سدى! إن حولهم أحياء أخرى ، كلها ذات أمر منتظم ، يوحي بالقصد والتدبير والحكمة ، ويوحي كذلك بوحدة الخالق ، ووحدة التدبير الذي يأخذ به خلقه كله . .
إنه ما من دابة تدب على الأرض - وهذا يشمل كل الأحياء من حشرات وهوام وزواحف وفقاريات - وما من طائر يطير بجناحيه في الهواء - وهذا يشمل كل طائر من طير أو حشرة غير ذلك من الكائنات الطائرة . . ما من خلق حي في هذه الأرض كلها إلا وهو ينتظم في أمة ، ذات خصائص واحدة ، وذات طريقة في الحياة واحدة كذلك . . شأنها في هذا شأن أمة الناس . . ما ترك الله شيئاً من خلقه بدون تدبير يشمله ، وعلم يحصيه . . وفي النهاية تحشر الخلائق إلى ربها . . فيقضي في أمرها بما يشاء . .
إن هذه الآية القصيرة - فوق تقريرها الحاسم في حقيقة الحياة والأحياء - لتهز القلب بما ترسم من آفاق الإشراف الشامل ، والتدبير الواسع ، والعلم المحيط ، والقدرة القادرة ، لله ذي الجلال . . وكل جانب من هذه الجوانب لا نملك التوسع في الحديث عنه حتى لا نخرج عن منهج الظلال ، فنجاوزه إذن لنتمشى مع السياق . . إذ المقصود الأول هنا هو توجيه القلوب والعقول ، إلى أن وجود هذه الخلائق بهذا النظام ، وشمولها بهذا التدبير ، وإحصاءها في علم الله ، ثم حشرها إلى ربها في نهاية المطاف . . توجيه القلوب والعقول إلى ما في هذه الحقيقة الهائلة الدائمة من دلائل وأمارات ، أكبر من الآيات والخوارق التي يراها جيل واحد من الناس!
وتختم هذه الجولة - أو هذه الموجة - بتقرير ما وراء الهدى والضلال من مشيئة الله وسنته ، وما يدلان عليه من فطرة الناس في حالات الهدى وحالات الضلال :
** والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات . من يشأ الله يضلله ، ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } . .
وهو إعادة لتقرير الحقيقة التي مضت في هذه الجولة عن استجابة الذين يسمعون ، وموت الذين لا يستجيبون . ولكن في صورة أخرى ومشهد آخر . . إن الذين كذبوا بآيات الله هذه المبثوثة في صفحات الوجود ، وآياته الأخرى المسجلة في صفحات هذا القرآن ، إنما كذبوا لأن أجهزة الاستقبال فيهم معطلة . . إنهم صم لا يسمعون ، بكم لا يتكلمون ، غارقون في الظلمات لا يبصرون! إنهم كذلك لا من ناحية التكوين الجثماني المادي . فإن لهم عيوناً وآذاناً وأفواهاً . . ولكن إدراكهم معطل ، فكأنما هذه الحواس لا تستقبل ولا تنقل! . . وإنه لكذلك فهذه الآيات تحمل في ذاتها فاعليتها وإيقاعها وتأثيرها ، لو أنها استقبلت وتلقاها الإدراك! وما يعرض عنها معرض إلا وقد فسدت فطرته ، فلم يعد صالحاً لحياة الهدى ، ولم يعد أهلاً لذلك المستوى الراقي من الحياة .
ووراء ذلك كله مشيئة الله . . المشيئة الطليقة التي قضت أن يكون هذا الخلق المسمى بالإنسان على هذا الاستعداد المزدوج للهدى والضلال ، عن اختيار وحكمة ، لا عن اقتضاء أو إلزام . . وكذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم . بمشيئته تلك ، التي تعين من يجاهد ، وتضل من يعاند . ولا تظلم أحداً من العباد . .
إن اتجاه الإنسان إلى طلب الهدى ، أو اتجاهه إلى الضلال ، كلاهما ينشأ من خلقته التي فطره الله عليها بمشيئته . فهذا الاتجاه وذاك مخلوق ابتداء بمشيئة الله . والنتائج التي تترتب على هذا الاتجاه وذاك من الاهتداء والضلال إنما ينشئها الله بمشيئته كذلك . فالمشيئة فاعلة ومطلقة . والحساب والجزاء إنما يقومان على اتجاه الإنسان . الذي يملكه ، وإن كان الاستعداد للاتجاه المزدوج هو في الأصل من مشيئة الله . .
* * *
ثم إنه إذا كان لهذا الدين أصالته من ناحية مقوماته وخصائصه، التي يريد الله أن تسود البشرية. فإن له كذلك أصالته في منهجه في العمل، وفي أسلوبه في خطاب الفطرة البشرية.. إن الذي نزل هذا الدين بمقوماته وخصائصه، وبمنهجه الحركي وأسلوبه، هو - سبحانه - الذي خلق الإنسان، ويعلم ما توسوس به نفسه..
وفي هذه الموجة من السورة نموذج من مخاطبته للفطرة الإنسانية.. نموذج من نماذج متنوعة شتى.. فهو يربط الفطرة البشرية بالوجود الكوني، ويدع الإيقاعات الكونية تواجه الفطرة البشرية، ويثير انتباه الكينونة البشرية لتلقي هذه الإيقاعات.. وهو يعلم أنها تستجيب لها متى بلغتها بعمقها وقوتها: ** إنما يستجيب الذين يسمعون } ..
والنموذج الذي يواجهنا في هذه الموجة هو:
** وقالوا: لولا نزل عليه آية من ربه! قل: إن الله قادر على أن ينزل آية. ولكن أكثرهم لا يعلمون } ..
وفي هذه الآية يحكي قول الذين يكذبون ويعارضون ويطلبون خارقة يراها جيلهم وتنتهي.. ثم يلمس قلوبهم بما يكمن وراء هذا الاقتراح لو أجيب! إنه الأخذ والتدمير! والله قادر على أن ينزل الآية.. ولكن رحمته هي التي اقتضت ألا ينزلها، وحكمته هي التي اقتضت ألا يستجيب لهم فيها..
وفجأة ينقلهم من هذا الركن الضيق في التصور والتفكير، إلى الكون الواسع. إلى الآيات الكبرى من حولهم. الآيات التي تتضاءل دونها تلك الآية التي يطلبونها. الآيات الباقية في صلب الكون للأجيال كلها من قبلهم ومن بعدهم تراها:
** وما من دابة في الأرض، ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم. ما فرطنا في الكتاب من شيء. ثم إلى ربهم يحشرون } . .
وهي حقيقة هائلة.. هي حقيقة تستطيع ملاحظتهم وحدها حينذاك - حيث لم يكن لهم علم منظم - أن تشهد بها.. حقيقة تجمع الحيوان والطير والحشرات من حولهم في أمم.. لها سماتها وخصائصها وتنظيماتها كذلك.. وهي الحقيقة التي تتسع مساحة رؤيتها كلما تقدم علم البشر، ولكن علمهم لا يزيد شيئاً على أصلها! وإلى جانبها الحقيقة الغيبية الموصولة بها، وهي إحاطة علم الله اللدني بكل شيء، وتدبير الله لكل شيء.. وهي الحقيقة التي تشهد بها تلك الحقيقة المشهودة..
فأين تذهب الخارقة المادية التي كانوا يطلبون، أمام الخارقة الكبرى التي يرونها حيثما امتدت أبصارهم وملاحظتهم وقلوبهم فيما كان وفيما سيكون؟
إن المنهج القرآني - في هذا النموذج - لا يزيد على أن يربط الفطرة بالوجود، وأن يفتح النوافذ بين الوجود والفطرة، وأن يدع هذا الوجود الهائل العجيب يوقع إيقاعاته الهائلة العميقة في الكيان الإنساني..
إنه لا يقدم للفطرة جدلاً لاهوتياً ذهنياً نظرياً. ولا يقدم لها جدلاً كلامياً (كعلم التوحيد) الغريب على المنهج الإسلامي. ولا يقدم لها فلسفة عقلية أو حسية، إنما يقدم لها هذا الوجود الواقعي - بعالميه عالم الغيب وعالم الشهادة - ويدعها تتفاعل معه وتتجاوب، وتتلقى عنه وتستجيب، ولكن في ظل منهج ضابط لا يدعها - وهي تتلقى من الوجود - تضل في المتاهات والدروب.
ثم يختم الفقرة بالتعقيب على موقف المكذبين بهذه الآيات الكبرى:
** والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات. من يشأ الله يضلله، ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } ..
فيقرر حقيقة حالة المكذبين وطبيعتهم.. إنهم صم وبكم في الظلمات.. ويقرر سنة الله في الهدى والضلال.. إنها تعلق مشيئة الله بهذا أو ذاك، وفق الفطرة التي فطر الله عليها العباد.
* * *
[من الظلال على سورة الأعراف]
وعرب الجزيرة الذين كانوا يخاطبون بهذا القرآن أول مرة ما كانوا يدركون بعلومهم مدى هذا التوازن والتناسق في ملكوت السماوات والأرض ، وما خلق الله من شيء . . ولكن الفطرة الإنسانية بذاتها تلتقي مع هذا الكون في أعماقها؛ وتتجاوب معه بلغة غير منطوقة إلا في هذه الأعماق . ويكفي أن ينظر الإنسان بالقلب المفتوح والعين المبصرة إلى هذا الكون حتى يتلقى إيقاعاته وإيحاءاته تلقياً موحياً هادياً .
ولقد اهتدى الإنسان بفطرته - وهو يتلقى إيقاعات هذا الوجود في حسه - إلى أن له إلهاً . ولم تغب عن حسه قط هذه الحقيقة . إنما كان يخطئ في تحديد صفة الإله الحق ، حتى تهديه الرسالات إلى الرؤية الصحيحة.. فأما الملحدون الجدد - أصحاب « الاشتراكية العلمية »! - فهم أمساخ شائهو الفطرة . بل إنهم إنما ينكرون الفطرة ، ويعاندون ما يجدونه في أنفسهم من إلحاحها . . وعندما صعد أحدهم إلى الفضاء الجوي ، ورأى ذلك المشهد الباهر - مشهد الأرض كرة معلقة في الفضاء - هتفت فطرته : ما الذي يمسكها هكذا في الفضاء؟ ولكنه حين هبط إلى الأرض ، وتذكر إرهاب الدولة ، قال : إنه لم يجد الله هناك! وكتم إلحاح فطرته وصراخها في أعماقه ، أمام شيء من ملكوت السماوات والأرض!
إن الله الذي يخاطب الإنسان بهذا القرآن لهو الذي خلق هذا الإنسان ، والذي يعلم فطرة هذا الإنسان!
وأخيراً يلمس قلوبهم بطائف الموت الذي قد يكون مخبأ لهم - من قريب - في عالم المجهول المغيب؛ وهم عنه غافلون :
** وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } . .
فما يدريهم أن أجلهم قريب؟ وما يبقيهم في غفلتهم سادرين؛ وهم عن غيب الله محجوبون؟ وهم في قبضته لا يفلتون؟
إن هذه اللسمة بالأجل المغيب - الذي قد يكون قد اقترب - لتهز القلب البشري هزة عميقة! لعله أن يستيقظ ويتفتح ويرى . . والله منزل هذا القرآن وخالق هذا الإنسان يعلم أن هذه اللمسة لا تبقي قلباً غافلاً . . ولكن بعض القلوب قد يعاند بعد ذلك ويكابر!
** فبأي حديث بعده يؤمنون؟ } !
وما بعد هذه الحديث من حديث تهتز له القلوب أو تلين . .
إن هذه اللمسات التي تعددت في الآية الواحدة؛ لتكشف لنا عن منهج هذا القرآن في خطاب الكينونة البشرية . . إنه لا يدع جانباً واحداً منها لا يخاطبه ، ولا يدع وتراً منها واحداً لا يوقع عليه؛ إنه لا يخاطب الذهن ولكنه لا يهمله؛ ففي الطريق - وهو يهز الكيان البشري كله - يلسمه ويوقظه . إنه لا يسلك إليه طريق الجدل البارد ، ولكنه يستحييه لينظر ويتفكر وحرارة الحياة تسري فيه وتيارها الدافق . . وهكذا ينبغي أن يتجه منهج الدعوة إلى الله دائماً.. فالإنسان هو الإنسان لم يتبدل خلقاً آخر . والقرآن هو القرآن كلام الله الباقي ، وخطاب الله لهذا الإنسان لا يتغير . . مهما تعلم ومهما « تطور! » . .
* * *
[من الظلال على سورة الأنعام]
إن القلب الذي لا يؤمن بآيات الله المبثوثة في هذا الوجود - بعد توجيهه إليها على هذا النحو العجيب الذي تكفل به هذا الكتاب العجيب - ولا توحي آيات الله المبثوثة في الأنفس والآفاق إليه أن يبادر إلى ربه ، ويثوب إلى كنفه . . إن هذالقلب هو قلب مقلوب . . والذي عاق هؤلاء عن الإيمان في أول الأمر ، ما الذي يُدري المسلمين الذين يقترحون إجابة طلبهم ، أن يعوقهم عن الإيمان بعد ظهور الخارقة؟ إن الله هو الذي يعلم حقيقة هذه القلوب . . وهو يذر المكذبين في طغيانهم يعمهون ، لأنه يعلم منهم أنهم يستحقون جزاء التكذيب؛ كما يعلم عنهم أنهم لا يستجيبون . . لا يستجيبون ولو نزل إليهم الملائكة كما يقترحون! ولو بعث لهم الموتى يكلمونهم - كما اقترحوا كذلك! - ولو حشر الله عليهم كل شيء في هذا الوجود يواجههم ويدعوهم إلى الإيمان! . . إنهم لا يؤمنون - إلا أن يشاء الله - والله سبحانه لا يشاء ، لأنهم هم لا يجاهدون في الله ليهديهم الله إليه . . وهذه هي الحقيقة التي يجهلها أكثر الناس عن طبائع القلوب . .
إنه ليس الذي ينقص الذين يلجون في الضلال أنه لا توجد أمامهم دلائل وبراهين . . إنما الذي ينقصهم آفة في القلب ، وعطل في الفطرة ، وانطماس في الضمير . .
وإن الهدى جزاء لا يستحقه إلا الذين يتجهون إليه ، والذين يجاهدون فيه..
* * *
مبحث 28
محاججة النفس المعاندة بحالات انكشاف فطرتها
[من الظلال على سورة الأنعام]
هذا طرف من وسائل المنهج الرباني في خطاب الفطرة الإنسانية بهذه العقيدة يضم إلى ذلك الطرف الذي سبق بيانه في الفقرة السابقة وفيما قبلها وما بعدها كذلك في سياق السورة .
لقد خاطبها هناك بما في عوالم الأحياء من آثار التدبير الإلهي والتنظيم؛ وبما في علم الله من إحاطة وشمول . وهو هنا يخاطبها ببأس الله؛ وبموقف الفطرة إزاءه حين يواجهها في صورة من صوره الهائلة ، التي تهز القلوب ، فيتساقط عنها ركام الشرك؛ وتتعرى فطرتها من هذا الركام الذي يحجب عنها ما هو مستقر في أعماقها من معرفتها بربها ، ومن توحيدها له أيضاً :
** قل : أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة . . أغير الله تدعون . . إن كنتم صادقين } . .
إنها مواجهة الفطرة بتصور الهول . . عذاب الله في الدنيا عذابَ الهلاك والدمار؛ أو مجيء الساعة على غير انتظار . . والفطرة حين تلمس هذه اللمسة؛ وتتصور هذا الهول؛ تدرك - ويعلم الله سبحانه أنها تدرك - حقيقة هذا التصور ، وتهتز له؛ لأنه يمثل حقيقة كامنة فيها ، يعلم بارئها سبحانه أنها كامنة فيها ويخاطبها بها على سبيل التصور؛ فتهتز لها وترتجف وتتعرى!
وهو يسألهم ويطلب إليهم الجواب بالصدق من ألسنتهم؛ ليكون تعبيراً عن الصدق في فطرتهم:
** أغير الله تدعون . . إن كنتم صادقين } .
ثم يبادر فيقرر الجواب الصادق ، المطابق لما في فطرتهم بالفعل ، ولو لم تنطق به ألسنتهم :
** بل إياه تدعون . . فيكشف ما تدعون إليه إن شاء . . وتنسون ما تشركون } .
بل تدعونه وحده؛ وتنسون شرككم كله! . . إن الهول يعرّي فطرتكم - حينئذ - فتتجه بطلب النجاة إلى الله وحده . وتنسى أنها أشركت به أحداً . بل تنسى هذا الشرك ذاته . . إن معرفتها بربها هي الحقيقة المستقرة فيها؛ فأما هذا الشرك فهو قشرة سطحية طارئة عليها ، بفعل عوامل أخرى . قشرة سطحية في الركام الذي ران عليها . فإذا هزها الهول تساقط هذا الركام ، وتطايرت هذه القشرة ، وتكشفت الحقيقة الأصيلة ، وتحركت الفطرة حركتها الفطرية نحو بارئها ، ترجوه أن يكشف عنها الهول الذي لا يد لها به ، ولا حيلة لها فيه . .
هذا شأن الفطرة في مواجهة الهول؛ يواجه السياق القرآني به المشركين . . فأما شأن الله - سبحانه - فيقرره في ثنايا المواجهة . فهو يكشف ما يدعونه إليه - إن شاء - فمشيئته طليقة، لا يرد عليها قيد . فإذا شاء استجاب لهم فكشف عنهم ما يدعون كله أو بعضه؛ وإن شاء لم يستجب ، وفق تقديره وحكمته وعلمه .
* * *
مبحث 29
دليل على كذب المعاندين وفساد طويتهم
[من الظلال على سورة الأنعام]
لقد كان المشركون في معرض العناد واللجاج يقولون : إن الله لم يرسل رسولاً من البشر؛ ولم ينزل كتاباً يوحي به إلى بشر . بينما كان إلى جوارهم في الجزيرة أهل الكتاب من اليهود؛ ولم يكونوا ينكرون عليهم أنهم أهل كتاب ، ولا أن الله أنزل التوارة على موسى - عليه السلام - إنما هم كانوا يقولون ذلك القول في زحمة العناد واللجاج ، ليكذبوا برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - لذلك يواجههم القرآن الكريم بالتنديد بقولتهم : ما أنزل الله على بشر من شيء؛ كما يواجههم بالكتاب الذي جاء به موسى من قبل :
** وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا : ما أنزل الله على بشر من شيء } . .
وهذا القول الذي كان يقوله مشركو مكة في جاهليتهم ، يقوله أمثالهم في كل زمان؛ ومنهم الذين يقولونه الآن؛ ممن يزعمون أن الأديان من صنع البشر؛ وأنها تطورت وترقت بتطور البشر وترقيهم . لا يفرقون في هذا بين ديانات هي من تصورات البشر أنفسهم ، كالوثنيات كلها قديماً وحديثاً ، ترتقي وتنحط بارتقاء أصحابها وانحطاطهم ، ولكنها تظل خارج دين الله كله . وبين ديانات جاء بها الرسل من عند الله ، وهي ثابتة على أصولها الأولى؛ جاء بها كل رسول؛ فتقبلتها فئة وعتت عنها فئة؛ ثم وقع الانحراف عنها والتحريف فيها ، فعاد الناس إلى جاهليتهم في انتظار رسول جديد ، بذات الدين الواحد الموصول .
وهذا القول يقوله - قديماً أو حديثاً - من لا يقدر الله حق قدره؛ ومن لا يعرف كرم الله وفضله ، ورحمته وعدله . . إنهم يقولون : إن الله لا يرسل من البشر رسولا ولو شاء لأنزل ملائكة! كما كان العرب يقولون . أو يقولون : إن خالق هذا الكون الهائل لا يمكن أن يعني بالإنسان « الضئيل » في هذه الذرة الفلكية التي اسمها الأرض! بحيث يرسل له الرسل؛ وينزل على الرسل الكتب لهداية هذا المخلوق الصغير في هذا الكوكب الصغير! وذلك كما يقول بعض الفلاسفة في القديم والحديث! أو يقولون : إنه ليس هناك من إله ولا من وحي ولا من رسل . . إنما هي أوهام الناس أو خداع بعضهم لبعض باسم الدين! كما يقول الماديون الملحدون!
* * *
مبحث 30
إبراهيم عليه السلام..أنموذج على يقظة الفطرة
[من الظلال على سورة الأنعام]
﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر : أتتخذ أصناماً آلهة؟ إني أراك وقومك في ضلال مبين . . وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ، وليكون من الموقنين . . فلما جن عليه الليل رأى كوكباً . قال : هذا ربي ، فلما أفل قال : لا أحب الآفلين . فلما رأى القمر بازغاً قال : هذا ربي ، فلما أفل قال : لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين . فلما رأى الشمس بازغة قال : هذا ربي ، هذا أكبر ، فلما أفلت قال : يا قوم إني بريء مما تشركون . إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً ، وما أنا من المشركين ﴾ . .
إنه مشهد رائع باهر هذا الذي يرسمه السياق القرآني في هذه الآيات . . مشهد الفطرة وهي - للوهلة الأولى - تنكر تصورات الجاهلية في الأصنام وتستنكرها . وهي تنطلق بعد إذ نفضت عنها هذه الخرافة في شوق عميق دافق تبحث عن إلهها الحق ، الذي تجده في ضميرها ، ولكنها لا تتبينه في وعيها وإدراكها . وهي تتعلق في لهفتها المكنونة بكل ما يلوح أنه يمكن أن يكون هو هذا الإله! حتى إذا اختبرته وجدته زائفاً ، ولم تجد فيه المطابقة لما هو مكنون فيها من حقيقة الإله وصفته . . ثم وهي تجد الحقيقة تشرق فيها وتتجلى لها . وهي تنطلق بالفرحة الكبرى ، والامتلاء الجياش ، بهذه الحقيقة ، وهي تعلن في جيشان اللقيا عن يقينها الذي وجدته من مطابقة الحقيقة التي انتهت إليها بوعيها للحقيقة التي كانت كامنة من قبل فيها! . . إنه مشهد رائع باهر هذا الذي يتجلى في قلب إبراهيم - عليه السلام - والسياق يعرض التجربة الكبرى التي اجتازها في هذه الآيات القصار . . إنها قصة الفطرة مع الحق والباطل . وقصة العقيدة كذلك يصدع بها المؤمن ولا يخشى فيها لومة لائم؛ ولا يجامل على حسابها أباً ولا أسرة ولا عشيرة ولا قوماً . . كما وقف إبراهيم من أبيه وقومه هذه الوقفة الصلبة الحاسمة الصريحة :
** وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر : أتتخذ أصناماً آلهة؟ أني أراك وقومك في ضلال مبين } . .
إنها الفطرة تنطق على لسان إبراهيم . إنه لم يهتد بعد بوعيه وإدراكه - إلى إلهه - ولكن فطرته السليمة تنكر ابتداء أن تكون هذه الأصنام التي يعبدها قومه آلهة - وقوم إبراهيم من الكلدانيين بالعراق كانوا يعبدون الأصنام كما كانوا يعبدون الكواكب والنجوم - فالإله الذي يعبد ، والذي يتوجه إليه العباد في السراء والضراء ، والذي خلق الناس والأحياء . . هذا الإله في فطرة إبراهيم لا يمكن أن يكون صنماً من حجر ، أو وثناً من خشب . . وإذا لم تكن هذه الأصنام هي التي تخلق وترزق وتسمع وتستجيب - وهذا ظاهر من حالها للعيان - فما هي بالتي تستحق أن تعبد؛ وما هي بالتي تتخذ آلهة حتى على سبيل أن تتخذ واسطة بين الإله الحق والعباد!
وإذن فهو الضلال البين تحسه فطرة إبراهيم - عليه السلام - للوهلة الأولى . وهي النموذج الكامل للفطرة التي فطر الله الناس عليها . . ثم هي النموذج الكامل للفطرة وهي تواجه الضلال البين ، فتنكره وتستنكره ، وتجهر بكلمة الحق وتصدع ، حينما يكون الأمر هو أمر العقيدة :
** أتتخذ أصناماً آلهة؟ إني أراك وقومك في ضلال مبين } . .
كلمة يقولها إبراهيم - عليه السلام - لأبيه . وهو الأواه الحليم الرضي الخلق السمح اللين . كما ترد أوصافه في القرآن الكريم . ولكنها العقيدة هنا . والعقيدة فوق روابط الأبوة والبنوة ، وفوق مشاعر الحلم والسماحة . وإبراهيم هو القدوة التي أمر الله المسلمين من بنيه أن يتأسوا بها . والقصة تعرض لتكون أسوة ومثالاً . .
وكذلك استحق إبراهيم - عليه السلام - بصفاء فطرته وخلوصها للحق أن يكشف الله لبصيرته عن الأسرار الكامنة في الكون ، والدلائل الموحية بالهدى في الوجود :
** وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ، وليكون من الموقنين } . .
بمثل هذه الفطرة السليمة ، وهذه البصيرة المفتوحة؛ وعلى هذا النحو من الخلوص للحق ، ومن إنكار الباطل في قوة . . نري إبراهيم حقيقة هذا الملك . . ملك السماوات والأرض . . ونطلعه على الأسرار المكنونة في صميم الكون ، ونكشف له عن الآيات المبثوثة في صحائف الوجود ، ونصل بين قلبه وفطرته وموحيات الإيمان ودلائل الهدى في هذا الكون العجيب . لينتقل من درجة الإنكار على عبادة الآلهة الزائفة ، إلى درجة اليقين الواعي بالإله الحق . .
وهذا هو طريق الفطرة البديهي العميق . . وعي لا يطمسه الركام . وبصر يلحظ ما في الكون من عجائب صنع الله . وتدبر يتبع المشاهد حتى تنطق له بسرها المكنون . . وهداية من الله جزاء على الجهاد فيه . .
وكذلك سار إبراهيم - عليه السلام - وفي هذا الطريق وجد الله . . وجده في إدراكه ووعيه ، بعد أن كان يجده فحسب في فطرته وضميره . . ووجد حقيقة الألوهية في الوعي والإدراك مطابقة لما استكن منها في الفطرة والضمير .
فلنتابع الرحلة الشائقة مع فطرة إبراهيم الصادقة . . إنها رحلة هائلة وإن كانت تبدو هينة ميسرة! رحلة من نقطة الإيمان الفطري إلى نقطة الإيمان الوعي! الإيمان الذي يقوم عليه التكليف بالفرائض والشرائع؛ والذي لا يكل الله - سبحانه - جمهرة الناس فيه إلى عقولهم وحدها ، فيبينه لهم في رسالات الرسل ، ويجعل الرسالة - لا الفطرة ولا العقل البشري - هي حجته عليهم ، وهي مناط الحساب والجزاء ، عدلاً منه ورحمة ، وخبرة بحقيقة الإنسان وعلماً . .
فأما إبراهيم - عليه السلام - فهو إبراهيم! خليل الرحمن وأبو المسلمين . .
** فلما جن عليه الليل رأى كوكباً . قال : هذا ربي ، فلما أفل قال : لا أحب الآفلين } . .
إنها صورة لنفس إبراهيم ، وقد ساورها الشك - بل الإنكار الجازم - لما يعبد أبوه وقومه من الأصنام . وقد باتت قضية العقيدة هي التي تشغل باله ، وتزحم عالمه . . صورة يزيدها التعبير شخوصا بقوله : ** فلما جن عليه الليل } . . كأنما الليل يحتويه وحده ، وكأنما يعزله عن الناس حوله ، ليعيش مع نفسه وخواطره وتأملاته ، ومع همه الجديد الذي يشغل باله ويزحم خاطره :
** فلما جن عليه الليل رأى كوكباً ، قال : هذا ربي } . .
وكان قومه يعبدون الكواكب والنجوم - كما أسلفنا - فلما أن يئس من أن يكون إلهه الحق - الذي يجده في فطرته في صورة غير مدركة ولا واعية - صنماً من تلك الأصنام ، فلعله رجا أن يجده في شيء مما يتوجه إليه قومه بالعبادة!
وما كانت هذه أول مرة يعرف فيها إبراهيم أن قومه يتجهون بالعبادة إلى الكواكب والنجوم . وما كانت هذه أول مرة يرى فيها إبراهيم كوكباً . . ولكن الكوكب - الليلة - ينطق له بما لم ينطق من قبل ، ويوحي إلى خاطره بما يتفق مع الهم الذي يشغل باله ، ويزحم عليه عالمه :
** قال : هذا ربي } . .
فهو بنوره وبزوغه وارتفاعه أقرب - من الأصنام - إلى أن يكون رباً! . . ولكن لا! إنه يكذب ظنه : ** فلما أفل قال : لا أحب الآفلين } . .
إنه يغيب . . يغيب عن هذه الخلائق . فمن ذا يرعاها إذن ومن ذا يدبر أمرها . . إذا كان الرب يغيب؟! لا ، إنه ليس رباً ، فالرب لا يغيب!
إنه منطق الفطرة البديهي القريب . . لا يستشير القضايا المنطقية والفروض الجدلية ، إنما ينطلق مباشرة في يسر وجزم . لأن الكينونة البشرية كلها تنطق به في يقين عميق . .
** لا أحب الآفلين } . .
فالصلة بين الفطرة وإلهها هي صلة الحب؛ والآصرة هي آصرة القلب . . وفطرة إبراهيم « لا تحب » الآفلين ، ولا تتخذ منهم إلهاً . إن الإله الذي تحبه الفطرة . . لا يغيب . . !
** فلما رأى القمر بازغاً قال : هذا ربي . فلما أفل قال : لئن لم يهدني ربي لآكونن من القوم الضالين } . .
إن التجربة تتكرر . وكأن إبراهيم لم ير القمر قط؛ ولم يعرف أن أهله وقومه يعبدونه! فهو الليلة في نظره جديد :
** قال : هذا ربي } . .
بنوره الذي ينسكب في الوجود؛ وتفرده في السماء بنوره الحبيب . . ولكنه يغيب! . . والرب - كما يعرفه إبراهيم بفطرته وقلبه - لا يغيب!
هنا يحس إبراهيم أنه في حاجة إلى العون من ربه الحق الذي يجده في ضميره وفطرته ، ربه الذي يحبه ، ولكنه بعد لم يجده في إدراكه ووعيه . . ويحس أنه ضال مضيع إن لم يدركه ربه بهدايته . إن لم يمد إليه يده . ويكشف له عن طريقه :
** قال : لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين } . .
** فلما رأى الشمس بازغة قال : هذا ربي . هذا أكبر . فلما أفلت قال : يا قوم إني بريء مما تشركون . إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً ، وما أنا من المشركين }.
إنها التجربة الثالثة مع أضخم الأجرام المنظورة وأشدها ضوءاً وحرارة . . الشمس . . والشمس تطلع كل يوم وتغيب . ولكنها اليوم تبدو لعيني إبراهيم كأنها خلق جديد . إنه اليوم يرى الأشياء بكيانه المتطلع إلى إله يطمئن به ويطمئن إليه؛ ويستقر على قرار ثابت بعد الحيرة المقلقة والجهد الطويل :
** قال : هذا ربي . هذا أكبر } .
ولكنها كذلك تغيب . .
هنا يقع التماس ، وتنطلق الشرارة ، ويتم الاتصال بين الفطرة الصادقة والله الحق ، ويغمر النور القلب ويفيض على الكون الظاهر وعلى العقل والوعي . . هنا يجد إبراهيم إلهه . . يجده في وعيه وإدراكه كما هو في فطرته وضميره . . هنا يقع التطابق بين الإحساس الفطري المكنون والتصور العقلي الواضح . .
وهنا يجد إبراهيم إلهه . ولكنه لا يجده في كوكب يلمع ، ولا في قمر يطلع ، ولا في شمس تسطع . . ولا يجده فيما تبصر العين ، ولا فيما يحسه الحس . . إنه يجده في قلبه وفطرته ، وفي عقله ووعيه ، وفي الوجود كله من حوله . . إنه يجده خالقاً لكل ما تراه العين ، ويحسه الحس، وتدركه العقول .
وعندئذ يجد في نفسه المفاصلة الكاملة بينه وبين قومه في كل ما يعبدون من آلهة زائفة؛ ويبرأ في حسم لا مواربة فيه من وجهتهم ومنهجهم وما هم عليه من الشرك - وهم لم يكونوا يجحدون الله البتة ، ولكنهم كانوا يشركون هذه الأرباب الزائفة - وإبراهيم يتجه إلى الله وحده بلا شريك :
** قال : يا قوم إني بريء مما تشركون . إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين } . .
فهو الاتجاه إلى فاطر السماوات والأرض . الاتجاه الحنيف الذي لا ينحرف إلى الشرك . وهي الكلمة الفاصلة ، واليقين الجازم ، والاتجاه الأخير . . فلا تردد بعد ذلك ولا حيرة فيما تجلى للعقل من تصور مطابق للحقيقة التي في الضمير . .
* * *
[الفصل السابع]
منهج التعامل مع المعاندين والملحدين
مبحث 31
المعاندون للدعوة طالبوا الآيات
[من الظلال على سورة الأنعام]
﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39) ﴾
وهم يطلبون آية خارقة على نحو ما كان يقع للأقوام من قبلهم ، والله قادر على أن ينزل آية . ولكنه سبحانه لا يريد - لحكمة يراها - فإذا كبر على الرسول إعراضهم فليحاول هو إذن بجهده البشري أن يأتيهم بآية! . . إن الله - سبحانه - هو خالق الخلائق جميعاً ، وعنده أسرار خلقهم ، وحكمة اختلاف خصائصهم وطباعهم . وهو يترك المكذبين من البشر صماً وبكماً في الظلمات ، ويضل من يشاء ويهدي من يشاء وفق ما يعلمه من حكمة الخلق والتنويع . .
﴿قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون . فإنهم لا يكذبونك . ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ ..
إن مشركي العرب في جاهليتهم - وخاصة تلك الطبقة التي كانت تتصدى للدعوة من قريش - لم يكونوا يشكون في صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - فلقد عرفوه صادقاً أميناً ، ولم يعلموا عنه كذبة واحدة في حياته الطويلة بينهم قبل الرسالة ، كذلك لم تكن تلك الطبقة التي تتزعم المعارضة لدعوته تشك في صدق رسالته ، وفي أن هذا القرآن ليس من كلام البشر ، ولا يملك البشر أن يأتوا بمثله . .
ولكنهم - على الرغم من ذلك - كانوا يرفضون إظهار التصديق ، ويرفضون الدخول في الدين الجديد! إنهم لم يرفضوا لأنهم يكذبون النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن لأن في دعوته خطراً على نفوذهم ومكانتهم .. وهذا هو السبب الذي من أجله قرروا الجحود بآيات الله ، والبقاء على الشرك الذي كانوا فيه . .
والأخبار التي تقرر الأسباب الحقيقية لموقف قريش هذا وحقيقة ظنهم بهذا القرآن كثيرة :
قال ابن اسحاق : حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري : أنه حُدِّث ، أن أبا سفيان بن حرب ، وأبا جهل بن هشام ، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي ، حليف بني زهرة ، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي من الليل في بيته فأخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع فيه . وكل لا يعلم بمكان صاحبة . فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الصبح تفرقوا ، فجمعهم الطريق ، فتلاوموا ، وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائهم لأوقعتم في نفسه شيئاً . ثم انصرفوا . حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ، فجمعهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة . ثم انصرفوا . حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه ، فباتوا يستمعون له . حتى إذا طلع الفجر تفرقوا . فجمعهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض : لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود . فتعاهدوا على ذلك . . ثم تفرقوا . . فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته ، فقال : أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال : يا أبا ثعلبة ، والله لقد سمعت أشياء أعرفها ، وأعرف ما يراد بها ، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها . قال الأخنس : وأنا والذي حلفت به . ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل ، فدخل عليه في بيته ، فقال : يا أبا الحكم ، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال : ماذا سمعت؟ قال : تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف . . أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تجاثينا على الركب ، وكنا كفرسي رهان ، قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء ، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه! قال : فقام عنه الأخنس وتركه . .
وروى ابن جرير - من طريق أسباط عن السدي - في قوله : ** قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } . . لما كان يوم بدر ، قال الأخنس بن شريق لبني زهرة : يا بني زهرة إن محمداً ابن أختكم ، فأنتم أحق من ذب عن ابن أخته ، فإن كان نبياً لم تقاتلوه اليوم ، وإن كان كاذباً كنتم أحق من كف عن ابن أخته . قفوا حتى ألقى أبا الحكم ، فإن غَلب محمد رجعتم سالمين ، وإن غُلب محمد فإن قومكم لن يصنعوا بكم شيئاً - فيومئذ سمي الأخنس وكان اسمه أُبي - فالتقى الأخنس بأبي جهل ، فخلا به ، فقال : يا أبا الحكم أخبرني عن محمد : أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ها هنا من قريش غيري وغيرك يستمع كلامنا! فقال أبو جهل : ويحك! والله إن محمداً لصادق ، وما كذب محمد قط ، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة ، فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله : ﴿ فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ﴾ .
* * *
مبحث 32
الملحدون.. (العلمانيون المعاصرون)
[من الظلال على سورة الأنعام]
هذا هو موقف الفطرة من الشرك الذي تزاوله أحياناً ، بسبب ما يطرأ عليها من الانحراف ، نتيجة عوامل شتى ، تغطي على نصاعة الحقيقة الكامنة فيها . . حقيقة اتجاهها إلى ربها ومعرفتها بوحدانيته . . فما هو موقفها من الإلحاد وإنكار وجود الله أصلاً؟
نحن نشك شكاً عميقاً - كما قلنا من قبل - في أن أولئك الذين يمارسون الإلحاد في صورته هذه صادقون فيما يزعمون أنهم يعتقدونه . نحن نشك في أن هناك خلقاً أنشأته يد الله ، ثم يبلغ به الأمر حقيقة أن ينطمس فيه تماماً طابع اليد التي أنشأته؛ وفي صميم كينونته هذا الطابع ، مختلطاً بتكوينه متمثلاً في كل خلية وفي كل ذرة!
إنما هو التاريخ الطويل من العذاب البشع ، ومن الصراع الوحشي مع الكنيسة ، ومن الكبت والقمع ، ومن أنكار الكنيسة للدوافع الفطرية للناس مع استغراقها هي في اللذائذ المنحرفة . . إلى آخر هذا التاريخ النكد الذي عاشته أوربا قروناً طويلة . . هو الذي دفع الأوربيين في هذه الموجة من الإلحاد في النهاية . . فراراً في التيه ، من الغول الكريه .
ذلك إلى استغلال اليهود لهذا الواقع التاريخي؛ ودفع النصارى بعيداً عن دينهم؛ ليسلس لهم قيادهم ، ويسهل عليهم إشاعة الانحلال والشقاء فيهم ، وليتيسر لهم استخدامهم - كالحمير - على حد تعبير « التلمود » و « بروتوكولات حكماء صهيون » . . وما كان اليهود ليبلغوا من هذا كله شيئاً إلا باستغلال ذلك التاريخ الأوربي النكد ، لدفع الناس إلى الإلحاد هرباً من الكنيسة .
ومع كل هذا الجهد الناصب ، المتمثل في محاولة « الشيوعية » - وهي إحدى المنظمات اليهودية - لنشر الإلحاد ، خلال أكثر من نصف قرن ، بمعرفة كل أجهزة الدولة الساحقة ، فإن الشعب الروسي نفسه لم يزل في أعماق فطرته الحنين إلى عقيدة في الله . . ولقد اضطر « ستالين » الوحشي - كما يصوره خلفه خروشوف! - أن يهادن الكنسية ، في أثناء الحرب العالمية الثانية ، وأن يفرج عن كبير الأساقفة ، لأن ضغط الحرب كان يلوي عنقه للاعتراف للعقيدة في الله بأصالتها في فطرة الناس . . مهما يكن رأيه ورأي القليلين من الملحدين من ذوي السلطان حوله .
ولقد حاول اليهود - بمساعدة « الحمير » الذين يستخدمونهم من الصليبيين - أن ينشروا موجة من الإلحاد في نفوس الأمم التي تعلن الإسلام عقيدة لها وديناً . ومع أن الإسلام كان قد بهت وذبل في هذه النفوس . . فإن الموجة التي أطلقوها عن طريق « البطل » أتاتورك في تركيا . . انحسرت على الرغم من كل ما بذلوه لها - وللبطل - من التمجيد والمساعدة . وعلى كل ما ألفوه من الكتب عن البطل والتجربة الرائدة التي قام بها . . ومن ثم استداروا في التجارب الجديدة يستفيدون من تجربة أتاتورك ، ألا يرفعوا على التجارب الرائدة راية الإلحاد . إنما يرفعون عليها راية الإسلام . كي لا تصدم الفطرة ، كما صدمتها تجربة أتاتورك . ثم يجعلون تحت هذه الراية ما يريدون من المستنقعات والقاذورات والانحلال الخلقي ، ومن أجهزة التدمير للخامة البشرية بجملتها في الرقعة الإسلامية .
غير أن العبرة التي تبقى من وراء ذلك كله ، هي أن الفطرة تعرف ربها جيداً ، وتدين له بالوحدانية ، فإذا غشي عليها الركام فترة ، فإنها إذا هزها الهول تساقط عنها ذلك الركام كله وتعرت منه جملة ، وعادت إلى بارئها كما خلقها أول مرة . . مؤمنة طائعة خاشعة . . أما ذلك الكيد كله فحسبه صيحة حق تزلزل قوائمه ، وترد الفطرة إلى بارئها سبحانه . ولن يذهب الباطل ناجياً ، وفي الأرض من يطلق هذه الصيحة . ولن يخلوا وجه الأرض مهما جهدوا ممن يطلق هذه الصيحة .
* * *
[من الظلال على سورة الأنعام]
ولم يكن العرب - في جاهليتهم - ينكرون أن الله هو خالق هذا الكون ، وخالق الناس ، ورازقهم كذلك من ملكه ، الذي ليس وراءه ملك تقتات منه العباد! . . وكذلك لم تكن الجاهليات الأخرى تنكر هذه الحقائق - على قلة من الفلاسفة الماديين من الإغريق! - ولم تكن هنالك هذه المذاهب المادية التي تنتشر اليوم بشكل أوسع مما عرف أيام الإغريق . . لذلك لم يكن الإسلام يواجه في الجاهلية العربية إلا الانحراف في التوجه بالشعائر التعبدية لآلهة - مع الله - على سبيل الزلفى والقربى من الله! - وإلا الانحراف في تلقي الشرائع والتقاليد التي تحكم حياة الناس . . أي أنه لم يكن يواجه الإلحاد في وجود الله - سبحانه - كما يقول اليوم « ناس »! أو كما يتبجحون بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير!
والحق أن هؤلاء الذين يجادلون في وجود الله اليوم قلة . وسيظلون قلة . إنما الانحراف الأساسي هو ذاته الذي كان في الجاهلية . وهو تلقي الشرائع في شؤون الحياة من غير الله . . وهذا هو الشرك التقليدي الأساسي الذي قامت عليه الجاهلية العربية ، وكل الجاهليات أيضاً!
والقلة الشاذة التي تجادل في وجود الله اليوم لا تعتمد على « العلم » وإن كانت هذه دعواها. فالعلم البشري ذاته لا يملك أن يقرر هذا الإلحاد ولا يجد عليه دليلاً لا من هذا العلم ولا من طبيعة الكون . . إنما هي لوثة سببها الأول الشرود من الكنيسة وإلهها الذي كانت تستذل به الرقاب من غير أصل من الدين . . ثم نقص في التكوين الفطري لهؤلاء المجادلين ، ينشأ عنه تعطل في الوظائف الأساسية للكينونة البشرية . . كما يقع للأمساخ من المخلوقات . . !
ومع أن حقيقة الخلق والتقدير فيه - كحقيقة انبثاق الحياة أيضاً - لم تكن تساق في القرآن لإثبات وجود الله - إذ كان الجدال في وجوده تعالى سخفاً لا يستحق من جدية القرآن العناية به - إنما كانت تساق لرد الناس إلى الرشاد ، كي ينفذوا في حياتهم ما تقتضيه تلك الحقيقة من ضرورة إفراد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والحاكمية في حياتهم كلها؛ وعبادته وحده بلا شريك . .
مع هذا فإن حقيقة الخلق والتقدير فيه - كحقيقة انبثاق الحياة أيضاً - تقذف في وجوه الذين يجادلون في الله - سبحانه - بالحجة الدامغة التي لا يملكون بإزائها إلا المراء . وإلا التبجح الذي يصل إلى حد الاستهتار في كثير من الأحيان!
* * *
[من الظلال على سورة الأنعام]
والحقيقة أن هناك شكاً كثيراً فيما إذا كان هؤلاء الملحدون يصدقون أنفسهم! فأغلب الظن أنها بدأت مناورة في وجه الكنيسة؛ ثم استغلها اليهود لرغبتهم في تدمير قاعدة الحياة البشرية الأساسية ، كي لا يبقى على وجه الأرض من يقوم على هذه القاعدة غيرهم - كما يقولون في بروتوكولات حكماء صهيون - ومن ثم تنهار البشرية وتقع تحت سيطرتهم ، بما أنهم هم وحدهم الذين سيحافظون على مصدر القوة الحقيقية الذي توفره العقيدة!
(هذا آخر ما تيسر لي جمعه من المادة والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات)
الطيب
09-27-2009, 04:57 AM
لله درك ياشيخ محمد وأسأل الله أن يجعل هذا الجهد المحمود والعمل المبارك في ميزان حسناتك يوم القيامة، ورغم أنني في الحقيقة تصفحت على عجل فإني فعلا اراه مشروع جبار يستحق مايبذل من أجله من الوقت والجهد وارجو الله أن ينفع به كما اسأل الله أن يوفقك شيخنا الكريم وأن يسدد خطاك وأن يفتح عليك من خزائن علمه ويلهمك الرشد والصواب. وأرجو اخي الكريم إن أمكن أن ترفق الملف اذا كان مطبوع ومنسق حتى يتسنى لنا سحبه للاستفادة منه. جزاك الله خيرا شيخنا الفاضل
محمد رشيد
09-29-2009, 12:56 AM
هناك بالفعل مشروع ضخم في الطريق أسأل الله تعالى أن يرى النور قريبا إن شاء الله..
عبد العزيز غياث
11-03-2011, 05:30 PM
ماشاء الله
دروس قيمة وجهد مبارك طيب
كتب الله أجركم
vBulletin 3.8.2