محمد طاهر أنعم
08-08-2009, 08:21 PM
حين يتكلم العدو عن مصالحك فاعرف أن وراء ذلك الكلام مقصدا، وحين يقوم الثعلب (أو ما يمثله في واقعنا المعاصر) ناصحا الحيوانات التي يفترسها فإن نصيحته ليس دافعها حب الخير وإنما لها أهداف تصب في النهاية في مصلحته، وحين يطالب الغربيون والصليبيون بحقوق المرأة المسلمة في بلاد العرب والمسلمين فإن ما ينشدونه ليست حقوقها التي تفيدها وتصلح شأنها وحالها، وإنما حقوقا تناسب خططهم وعاداتهم وأهدافهم التي تختبئ خلف معسول كلامهم، وفي عالم الجريمة يقولون: ابحث عن المستفيد الحقيقي من الحادثة لتعرف كيف تمت ومن قام بها.
وفي السنوات الأخيرة لفت نظر كثير من الناس تركيز واهتمام قنوات علمانية اشتهرت بالفساد والانحلال وبث أسوأ ما يمكن أن يتلقاه المشاهدون من برامج وأفلام وأغان وغيرها من وسائل الإفساد والإضلال للمجتمعات المسلمة؛ لفت النظر اهتمامهم بتسويق دروس ومحاضرات وبرامج دينية لفئة معينة من الدعاة الجدد وبأساليب جديدة، استبشرت بها تلك القنوات، وصارت تعلن لها وتدعو المشاهدين لمتابعتها والاستفادة منها.
واهتمام تلك القنوات المشبوهة بهذه الظاهرة الجديدة التي اصطلح على تسميتها (التدين الجديد) لم يكن نتاج توبة أو تراجع عن الفساد التي تميزت به وسارت عليه سنوات طويلة أو رغبة منها في إصلاح المجتمعات المتلقية، وذلك بالنظر إلى دليلين:
الأول: استمرار عرض تلك القنوات لأفسد البرامج والتمثيليات والأفلام والأغاني، والتي يسبق بعضها تلك البرامج الوعظية والدينية أو يتبعها!!
والثاني: إعراض تلك القنوات عن الدعاة والعلماء الحقيقيين أصحاب المنهج الصافي، والذين عرفوا عبر سنوات طويلة بالدعوة إلى الخير والالتزام بالسنة.
ويزيد من لفت النظر حول هذه الظاهرة الغريبة أن القنوات المحتفلة بها والداعية إليها قنوات سعودية في معظمها، وتستهدف الجمهور العربي العام، والجمهور السعودي بشكل أخص، ولعل السبب الدافع لذلك الأمر هو أن السعودية هي منبع الإسلام والسنة، وهي مرتكز الدعوة التوحيدية التي جدد معالمها شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب التميمي، ومازالت تلقي بثمارها الطيبة على عموم العالم الإسلامي جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن، حتى طار خيرها في الآفاق، وتأثرت بأصولها ودعوتها كل بلاد العالم بنسب متفاوتة من بلد إلى آخر ومن مجتمع إلى غيره.
وذلك التسويق من قنوات تعود في ملكيتها واهتمامها واستقطابها للجمهور السعودي الذي لا يعاني نقصا من العلماء ولا الخطباء ولا الوعاظ يؤكد أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن هناك ما يؤجج لهذا الأمر ويشعل جذوته، خاصة بعد معرفة الاهتمام الصليبي والغربي بدراسة الإسلام والتيارات الدينية فيه، والدعوة إلى دعم التيارات المنحرفة وتقويتها في وجه التيار السني الملتزم الذي تنتج عنه حركات وجماعات المقاومة للغزو الفكري والمالي والعسكري بشتى أنواعه، والتي تقض مضاجع الغرب الصليبي الاستعماري.
وقد اشتهر عند المتخصصين والمتابعين تقارير مراكز الدراسات الغربية الداعية إلى دعم التيارات الدينية المعتدلة بزعمهم، وفي مقدمة تلك المراكز مركز راند للدراسات وهو مركز غربي يهتم الساسة في تلك البلاد بتقاريره ونصائحه للتغلغل في بلاد المسلمين وتغيير أماكن القوة والمقاومة فيه لصالح الاستعمار الغربي.
وفي مقدمة القنوات المحتفية بهذه الظاهرة المشبوهة قنوات art المملوكة لرجل الأعمال السعودي صالح كامل؛ وهي مجموعة قنوات متعددة التخصصات، ففيها قنوات أفلام وأخرى خاصة بالغناء والطرب وقنوات رياضية وقنوات أطفال وقنوات غربية مترجمة في شتى المجالات، وقد خصصت رجل الأعمال هذا قناة للشئون الدينية وهي قناة اقرأ، والتي كانت في مقدمة القنوات العربية التي سوقت للتدين الجديد عبر الاهتمام الكبير والإبراز للداعية المصري عمرو خالد والذي يمثل الوجه الأبرز لظاهرة التدين الجديد من الناحية الإعلامية، بل إن عمرو خالد تسنم منصبا قياديا في مجموعة قنوات art يختص بالشئون الدينية، وهي شئون دينية لا علاقة لها بالحرية التي تبث تحت إطارها قنوات العهر والمجون التي تندرج تحت هذه المجموعة، ويلاحظ احتفاء هذه القناة ببعض الدعاة الصوفية مثل المدعو الحبيب زين العابدين الجفري وغيرها من دعاة التصوف في سوريا والسعودية واليمن.
ومن القنوات المهتمة بهذه الظاهرة قنوات روتانا المملوكة للأمير الوليد بن طلال بن عبدالعزيز آل سعود أكبر الأثرياء العرب، وهي قنوات في قمة التبذل والسقوط الأخلاقي، وعددها محدود وليس كسابقتها، فهي سبع قنوات لا غير، بينما تشمل باقات art أكثر من ثلاثين قناة نصفها تقريبا قنوات رياضية عربية وأجنبية، كما تتميز روتانا بأنها قنوات مجانية بدون مقابل، وهي مفتوحة للمشاهدين بدون أثر مالي، بخلاف art وهي بهذا تمثل السفه في التصرف بالمال وإنفاقه في مثل هذه الأعمال التي لا تعود بأي فائدة أو خير على الأمة بل على العكس، وقد خصص هذا الأمير كسابقه قناة للشئون الدينية، وهي قناة الرسالة، والتي أعطى دفة قيادتها للداعية الكويتي المشهور الدكتور طارق السويدان، والتي صارت منافسة لقناة اقرأ في تمييع الدين، وتقديم الموسيقى (الدينية كما يصفونها وموسيقى المقدمات والنهايات) والأفلام والمسلسلات، وحلقات نقاشية حول المسائل الشرعية والتصويت حول ثوابت الشريعة ومعرفة رضا الجمهور عن بعض الأحكام الإلهية الشرعية أو رفضهم لها، وغيرها من مظاهر التدين الجديد المشبوه.
يضاف إلى ذلك اهتمام قنوات mbc المملوكة لعدة شركاء على رأسهم إبراهيم البراهيم السعودي الجنسية بهذه الظاهرة، وهي قنوات مجانية كذلك محدودة العدد (ثمانية قنوات) بدأت تخطو نحو التشفير والاشتراكات بقناة جديدة خاصة بالاشتراكات.
كل ذلك الاحتفاء يؤكد خطورة الظاهرة، خاصة أن قنوات إسلامية رصينة وقديمة لا تلقي بالا لهذه الدعوة المشبوهة للتدين الجديد، ولا تسمح له بالظهور على قنواتها المعروفة منذ سنوات طويلة بالخير والدعوة ونفع المجتمع وانتقاء ما ينفع الناس دون ما يضرهم، فلماذا لا يعرضون ذلك الأمر إن كان فيه خير وهم الحريصون عليه منذ سنوات الساعون إليه بالغالي والنفيس!!
وباستعراض موجز لأهم الأفكار التي يدعو إليها المتدينون الجدد نرى أن هناك أمورا مخالفة بشكل واضح للدعوة التي ينبغي أن يكون عليها أهل العلم والبصيرة حتى يقيموا الدين الذي أمر الله عز وجل بدون تنازل أو ضعف أو تراجع لإرضاء الجمهور أو الغرب أو أصحاب النفوذ والشهوات، فمن تلك الأفكار التي تشمل دعوة المتدينين الجدد مايلي:
1- تمييع عقيدة الولاء والبراء التي جاء بها الإسلام، ومحاولة التفلت الكامل أو شبه الكامل من الحدود الشرعية الواجب مراعاتها في التعامل مع الكفار الأصليين من اليهود والنصارى وغيرهم من ناحية أو مع أهل البدع والأهواء كالشيعة والصوفية من ناحية أخرى، فنجد أن هذه المسألة في ذيل اهتمام هؤلاء الدعاة الجدد، بل يمكن اعتبارها خارج دائرة الاهتمام أصلا وذلك عند الدعاة المثاليين منهم، أما غير المثاليين فإن في تصرفاتهم مصادمة واضحة لتلك الثوابت العقدية، وتزيين للباطل وتسويق له بقصد أو بغير قصد، مما يسبب خطرا أكيدا على الأجيال المعاصرة والتالية والتي تأخذ بعض ثقافتها وتربيتها من هذه الفئة، فتنشأ مشوهة غير مدركة للحدود العقدية وتقع في براثن بعض الشبهات والمزالق الشرعية التي منشؤها هذه الدعوة الجديدة.
2- تأخير ماقدمه الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، والذي جعله الإسلام أول الأولويات، وأهم المبادئ، وركيزة النجاة أو الهلاك، وسبب المفاصلة والحروب والقتل والقتال أو السلام والوئام، وهو التوحيد، والدعوة لتصحيح العقيدة والحذر من الشرك والبدع والضلالات، وهذا المبدأ عند الدعاة الجدد مسألة غير مهمة، بل إنهم يتحاشون الخوض فيها في أحيان كثيرة، وتنصب دعوتهم على حسن الخلق في التعامل مع الآخرين: مسلمين وكفارا، والنهضة بالأمة والبلد بالعمل والنشاط والاختراع والجدية، والتخطيط الحياتي والمجتمعي، وتذوق الفن الإسلامي في جميع المجالات، ونشر الإخوة الإنسانية والمعايير المشتركة بين البشرية، وضرورة مشاركة المرأة للرجل في كافة مناحي الحياة، وأن ينتهج المسلمون نظرة جديدة للمرأة وعملها خارج بيتها.
3- تركيز الدعاة الجدد على قضية الصدمة في المخالفات الشرعية المعاصرة، والإصرار عليها وعدم التراجع عنها، والإعراض عن كل دعوات النصح والحث على التغيير للأفضل، وذلك في مسائل المظاهر الشرعية التي يحقرون منها، ويعتبرونها من قشور الدين، أو بدعوى التيسير على الأمة، والبعد عن التنطع، مثل مسألة اللحية حلقا كاملا كما في حالة الداعية عمرو خالد الذي أعرض عن الدعوات المتكررة له لاتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يحث الناس على محبته والاقتداء به، وأصر على الاستمرار في الحلق الكامل للحيته بشكل دائم في ما يشبه محاولة صدم الأتباع والمتلقين في عدم الاهتمام بمثل هذه القشور التي لا تقدم ولا تؤخر، وليست لها منزلة في الدين، فإن كان هذا الداعية المؤثر، والخاشع في دعائه في نهاية المحاضرات والدروس لا يهتم بهذا الأمر فهو أمر غير مهم بالتأكيد عند أتباعه، أو هكذا يجب أن تصل الرسالة، وكذلك مسألة غطاء الوجه للنساء، والذي يحرص الدعاة الجدد مثل طارق السويدان وعمرو خالد وغيرهم على إظهار نسائهم وطالباتهم سافرات الوجه باعتباره الرأي الأيسر، وللبعد عن التطرف والتنطع في الدين، والغريب اتباع بعض النساء في مجتمعات محافظة كالسعودية واليمن لهذه البدعة وكشف وجوههن بعد سنوات طويلة من حجابها تأثرا بهذه الدعوات الجديدة، أضف إلى ذلك مسائل الاختلاط والموسيقى وما يسمى الفن النبيل كالنحت بصور المخلوقات والتمثيل وغيرها من الملاحظات المتكاثرة.
4- رفض أصحاب التدين الجديد للمرجعية العلمية، وعدم الالتفات للعلماء، وتجاوز دورهم، وتحول أولئك الدعاة الجدد أصحاب الضحالة العلمية الشرعية إلى مفتين يتكلمون في كل شيء حتى المسائل المتخصصة، ويجيبون على الفتاوى ويحللون ويحرمون، ويعتبرون هذا الأمر شيئا مشاعا ينبغي على الناس عدم التخوف منه، لأن الدين يسر وواضح، وأخطر من هذا ما يقوم به الدكتور طارق السويدان من إنزال مسائل شرعية خطيرة للتصويت في قناته (الرسالة) لمعرفة من يوافق على تلك المسائل الدينية ومن يرفضها، مما يسبب سخطا كبيرا لأهل العلم الراسخين من مثل هذه التصرفات غير المسئولة.
وقد صار لهذا التدين الجديد ودعاته جمهور متواجد في أماكن كثيرة، ساعد على زيادته ونموه وانتشاره الإبراز الإعلامي لهؤلاء الدعاة، والتسويق المحموم لهم، ودخولهم إلى شرائح لم تكن ترغب في حضور المساجد أو سماع المواعظ، سواء متابعي القنوات أو رواد الأندية ومرتادي المسارح، وسماعهم لكلام جديد لم يألفوه، وهو يدعو إلى إسلام سهل لا عزيمة فيه ولا جهاد ولا مفاصلة، فيؤدي إلى انضمامهم إليه، لأنه انتساب ميسور لا يحتاج تغييرا كثيرا في الحياة أو المبادئ أو التصورات، كما أنه لا يلزم منه الانخلاع من مظاهر الجاهلية أو الانحراف، فيبقى الصاحب مع صاحبته يراها ويتكلم معها بدون حرج، بل بصبغة إسلامية، ويبقى المعجب بالطرب والغناء والموسيقى في لهوه وطربه مادام شيخه يفتيه بالجواز، وربما يضطر إلى تغيير بعض الأسماء فقط، كما أن الفتاة المبتذلة السافرة الوجه لن تجد حرجا في الانتماء لهذا التدين الجديد فتخرج في زينة لافتة خارج المنزل لأن زوجة الداعية الفلاني وجمهوره من النساء يحضرن سافرات الوجه وبعضهن في لباس لافت وزينة زائدة عن الحد واختلاط مع الرجال وكلام وابتسامات.
وهكذا ينمو مع الأيام مولود مسخ مشوه، ويلحظ عليه وعلى أتباعه ملاحظات متكاثرة عاما بعد عام، وفينة بعد فينة، وينمو التحذير منه ومن خطره، رغم وجود بعض المظاهر الإيجابية فيه والتي لا ينكرها أحد، ولكن ربنا عز وجل أخبرنا عن وجود منافع في الخمر التي هي أم الخبائث ورغم ذلك حرمها علينا، فمجرد وجود مظاهر إيجابية في هذا التدين الجديد لا تجيز غض الطرف المفاسد العظيمة التي يحملها، خاصة وأن القاعدة الشرعية تقول: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
وفي السنوات الأخيرة لفت نظر كثير من الناس تركيز واهتمام قنوات علمانية اشتهرت بالفساد والانحلال وبث أسوأ ما يمكن أن يتلقاه المشاهدون من برامج وأفلام وأغان وغيرها من وسائل الإفساد والإضلال للمجتمعات المسلمة؛ لفت النظر اهتمامهم بتسويق دروس ومحاضرات وبرامج دينية لفئة معينة من الدعاة الجدد وبأساليب جديدة، استبشرت بها تلك القنوات، وصارت تعلن لها وتدعو المشاهدين لمتابعتها والاستفادة منها.
واهتمام تلك القنوات المشبوهة بهذه الظاهرة الجديدة التي اصطلح على تسميتها (التدين الجديد) لم يكن نتاج توبة أو تراجع عن الفساد التي تميزت به وسارت عليه سنوات طويلة أو رغبة منها في إصلاح المجتمعات المتلقية، وذلك بالنظر إلى دليلين:
الأول: استمرار عرض تلك القنوات لأفسد البرامج والتمثيليات والأفلام والأغاني، والتي يسبق بعضها تلك البرامج الوعظية والدينية أو يتبعها!!
والثاني: إعراض تلك القنوات عن الدعاة والعلماء الحقيقيين أصحاب المنهج الصافي، والذين عرفوا عبر سنوات طويلة بالدعوة إلى الخير والالتزام بالسنة.
ويزيد من لفت النظر حول هذه الظاهرة الغريبة أن القنوات المحتفلة بها والداعية إليها قنوات سعودية في معظمها، وتستهدف الجمهور العربي العام، والجمهور السعودي بشكل أخص، ولعل السبب الدافع لذلك الأمر هو أن السعودية هي منبع الإسلام والسنة، وهي مرتكز الدعوة التوحيدية التي جدد معالمها شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب التميمي، ومازالت تلقي بثمارها الطيبة على عموم العالم الإسلامي جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن، حتى طار خيرها في الآفاق، وتأثرت بأصولها ودعوتها كل بلاد العالم بنسب متفاوتة من بلد إلى آخر ومن مجتمع إلى غيره.
وذلك التسويق من قنوات تعود في ملكيتها واهتمامها واستقطابها للجمهور السعودي الذي لا يعاني نقصا من العلماء ولا الخطباء ولا الوعاظ يؤكد أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن هناك ما يؤجج لهذا الأمر ويشعل جذوته، خاصة بعد معرفة الاهتمام الصليبي والغربي بدراسة الإسلام والتيارات الدينية فيه، والدعوة إلى دعم التيارات المنحرفة وتقويتها في وجه التيار السني الملتزم الذي تنتج عنه حركات وجماعات المقاومة للغزو الفكري والمالي والعسكري بشتى أنواعه، والتي تقض مضاجع الغرب الصليبي الاستعماري.
وقد اشتهر عند المتخصصين والمتابعين تقارير مراكز الدراسات الغربية الداعية إلى دعم التيارات الدينية المعتدلة بزعمهم، وفي مقدمة تلك المراكز مركز راند للدراسات وهو مركز غربي يهتم الساسة في تلك البلاد بتقاريره ونصائحه للتغلغل في بلاد المسلمين وتغيير أماكن القوة والمقاومة فيه لصالح الاستعمار الغربي.
وفي مقدمة القنوات المحتفية بهذه الظاهرة المشبوهة قنوات art المملوكة لرجل الأعمال السعودي صالح كامل؛ وهي مجموعة قنوات متعددة التخصصات، ففيها قنوات أفلام وأخرى خاصة بالغناء والطرب وقنوات رياضية وقنوات أطفال وقنوات غربية مترجمة في شتى المجالات، وقد خصصت رجل الأعمال هذا قناة للشئون الدينية وهي قناة اقرأ، والتي كانت في مقدمة القنوات العربية التي سوقت للتدين الجديد عبر الاهتمام الكبير والإبراز للداعية المصري عمرو خالد والذي يمثل الوجه الأبرز لظاهرة التدين الجديد من الناحية الإعلامية، بل إن عمرو خالد تسنم منصبا قياديا في مجموعة قنوات art يختص بالشئون الدينية، وهي شئون دينية لا علاقة لها بالحرية التي تبث تحت إطارها قنوات العهر والمجون التي تندرج تحت هذه المجموعة، ويلاحظ احتفاء هذه القناة ببعض الدعاة الصوفية مثل المدعو الحبيب زين العابدين الجفري وغيرها من دعاة التصوف في سوريا والسعودية واليمن.
ومن القنوات المهتمة بهذه الظاهرة قنوات روتانا المملوكة للأمير الوليد بن طلال بن عبدالعزيز آل سعود أكبر الأثرياء العرب، وهي قنوات في قمة التبذل والسقوط الأخلاقي، وعددها محدود وليس كسابقتها، فهي سبع قنوات لا غير، بينما تشمل باقات art أكثر من ثلاثين قناة نصفها تقريبا قنوات رياضية عربية وأجنبية، كما تتميز روتانا بأنها قنوات مجانية بدون مقابل، وهي مفتوحة للمشاهدين بدون أثر مالي، بخلاف art وهي بهذا تمثل السفه في التصرف بالمال وإنفاقه في مثل هذه الأعمال التي لا تعود بأي فائدة أو خير على الأمة بل على العكس، وقد خصص هذا الأمير كسابقه قناة للشئون الدينية، وهي قناة الرسالة، والتي أعطى دفة قيادتها للداعية الكويتي المشهور الدكتور طارق السويدان، والتي صارت منافسة لقناة اقرأ في تمييع الدين، وتقديم الموسيقى (الدينية كما يصفونها وموسيقى المقدمات والنهايات) والأفلام والمسلسلات، وحلقات نقاشية حول المسائل الشرعية والتصويت حول ثوابت الشريعة ومعرفة رضا الجمهور عن بعض الأحكام الإلهية الشرعية أو رفضهم لها، وغيرها من مظاهر التدين الجديد المشبوه.
يضاف إلى ذلك اهتمام قنوات mbc المملوكة لعدة شركاء على رأسهم إبراهيم البراهيم السعودي الجنسية بهذه الظاهرة، وهي قنوات مجانية كذلك محدودة العدد (ثمانية قنوات) بدأت تخطو نحو التشفير والاشتراكات بقناة جديدة خاصة بالاشتراكات.
كل ذلك الاحتفاء يؤكد خطورة الظاهرة، خاصة أن قنوات إسلامية رصينة وقديمة لا تلقي بالا لهذه الدعوة المشبوهة للتدين الجديد، ولا تسمح له بالظهور على قنواتها المعروفة منذ سنوات طويلة بالخير والدعوة ونفع المجتمع وانتقاء ما ينفع الناس دون ما يضرهم، فلماذا لا يعرضون ذلك الأمر إن كان فيه خير وهم الحريصون عليه منذ سنوات الساعون إليه بالغالي والنفيس!!
وباستعراض موجز لأهم الأفكار التي يدعو إليها المتدينون الجدد نرى أن هناك أمورا مخالفة بشكل واضح للدعوة التي ينبغي أن يكون عليها أهل العلم والبصيرة حتى يقيموا الدين الذي أمر الله عز وجل بدون تنازل أو ضعف أو تراجع لإرضاء الجمهور أو الغرب أو أصحاب النفوذ والشهوات، فمن تلك الأفكار التي تشمل دعوة المتدينين الجدد مايلي:
1- تمييع عقيدة الولاء والبراء التي جاء بها الإسلام، ومحاولة التفلت الكامل أو شبه الكامل من الحدود الشرعية الواجب مراعاتها في التعامل مع الكفار الأصليين من اليهود والنصارى وغيرهم من ناحية أو مع أهل البدع والأهواء كالشيعة والصوفية من ناحية أخرى، فنجد أن هذه المسألة في ذيل اهتمام هؤلاء الدعاة الجدد، بل يمكن اعتبارها خارج دائرة الاهتمام أصلا وذلك عند الدعاة المثاليين منهم، أما غير المثاليين فإن في تصرفاتهم مصادمة واضحة لتلك الثوابت العقدية، وتزيين للباطل وتسويق له بقصد أو بغير قصد، مما يسبب خطرا أكيدا على الأجيال المعاصرة والتالية والتي تأخذ بعض ثقافتها وتربيتها من هذه الفئة، فتنشأ مشوهة غير مدركة للحدود العقدية وتقع في براثن بعض الشبهات والمزالق الشرعية التي منشؤها هذه الدعوة الجديدة.
2- تأخير ماقدمه الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، والذي جعله الإسلام أول الأولويات، وأهم المبادئ، وركيزة النجاة أو الهلاك، وسبب المفاصلة والحروب والقتل والقتال أو السلام والوئام، وهو التوحيد، والدعوة لتصحيح العقيدة والحذر من الشرك والبدع والضلالات، وهذا المبدأ عند الدعاة الجدد مسألة غير مهمة، بل إنهم يتحاشون الخوض فيها في أحيان كثيرة، وتنصب دعوتهم على حسن الخلق في التعامل مع الآخرين: مسلمين وكفارا، والنهضة بالأمة والبلد بالعمل والنشاط والاختراع والجدية، والتخطيط الحياتي والمجتمعي، وتذوق الفن الإسلامي في جميع المجالات، ونشر الإخوة الإنسانية والمعايير المشتركة بين البشرية، وضرورة مشاركة المرأة للرجل في كافة مناحي الحياة، وأن ينتهج المسلمون نظرة جديدة للمرأة وعملها خارج بيتها.
3- تركيز الدعاة الجدد على قضية الصدمة في المخالفات الشرعية المعاصرة، والإصرار عليها وعدم التراجع عنها، والإعراض عن كل دعوات النصح والحث على التغيير للأفضل، وذلك في مسائل المظاهر الشرعية التي يحقرون منها، ويعتبرونها من قشور الدين، أو بدعوى التيسير على الأمة، والبعد عن التنطع، مثل مسألة اللحية حلقا كاملا كما في حالة الداعية عمرو خالد الذي أعرض عن الدعوات المتكررة له لاتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يحث الناس على محبته والاقتداء به، وأصر على الاستمرار في الحلق الكامل للحيته بشكل دائم في ما يشبه محاولة صدم الأتباع والمتلقين في عدم الاهتمام بمثل هذه القشور التي لا تقدم ولا تؤخر، وليست لها منزلة في الدين، فإن كان هذا الداعية المؤثر، والخاشع في دعائه في نهاية المحاضرات والدروس لا يهتم بهذا الأمر فهو أمر غير مهم بالتأكيد عند أتباعه، أو هكذا يجب أن تصل الرسالة، وكذلك مسألة غطاء الوجه للنساء، والذي يحرص الدعاة الجدد مثل طارق السويدان وعمرو خالد وغيرهم على إظهار نسائهم وطالباتهم سافرات الوجه باعتباره الرأي الأيسر، وللبعد عن التطرف والتنطع في الدين، والغريب اتباع بعض النساء في مجتمعات محافظة كالسعودية واليمن لهذه البدعة وكشف وجوههن بعد سنوات طويلة من حجابها تأثرا بهذه الدعوات الجديدة، أضف إلى ذلك مسائل الاختلاط والموسيقى وما يسمى الفن النبيل كالنحت بصور المخلوقات والتمثيل وغيرها من الملاحظات المتكاثرة.
4- رفض أصحاب التدين الجديد للمرجعية العلمية، وعدم الالتفات للعلماء، وتجاوز دورهم، وتحول أولئك الدعاة الجدد أصحاب الضحالة العلمية الشرعية إلى مفتين يتكلمون في كل شيء حتى المسائل المتخصصة، ويجيبون على الفتاوى ويحللون ويحرمون، ويعتبرون هذا الأمر شيئا مشاعا ينبغي على الناس عدم التخوف منه، لأن الدين يسر وواضح، وأخطر من هذا ما يقوم به الدكتور طارق السويدان من إنزال مسائل شرعية خطيرة للتصويت في قناته (الرسالة) لمعرفة من يوافق على تلك المسائل الدينية ومن يرفضها، مما يسبب سخطا كبيرا لأهل العلم الراسخين من مثل هذه التصرفات غير المسئولة.
وقد صار لهذا التدين الجديد ودعاته جمهور متواجد في أماكن كثيرة، ساعد على زيادته ونموه وانتشاره الإبراز الإعلامي لهؤلاء الدعاة، والتسويق المحموم لهم، ودخولهم إلى شرائح لم تكن ترغب في حضور المساجد أو سماع المواعظ، سواء متابعي القنوات أو رواد الأندية ومرتادي المسارح، وسماعهم لكلام جديد لم يألفوه، وهو يدعو إلى إسلام سهل لا عزيمة فيه ولا جهاد ولا مفاصلة، فيؤدي إلى انضمامهم إليه، لأنه انتساب ميسور لا يحتاج تغييرا كثيرا في الحياة أو المبادئ أو التصورات، كما أنه لا يلزم منه الانخلاع من مظاهر الجاهلية أو الانحراف، فيبقى الصاحب مع صاحبته يراها ويتكلم معها بدون حرج، بل بصبغة إسلامية، ويبقى المعجب بالطرب والغناء والموسيقى في لهوه وطربه مادام شيخه يفتيه بالجواز، وربما يضطر إلى تغيير بعض الأسماء فقط، كما أن الفتاة المبتذلة السافرة الوجه لن تجد حرجا في الانتماء لهذا التدين الجديد فتخرج في زينة لافتة خارج المنزل لأن زوجة الداعية الفلاني وجمهوره من النساء يحضرن سافرات الوجه وبعضهن في لباس لافت وزينة زائدة عن الحد واختلاط مع الرجال وكلام وابتسامات.
وهكذا ينمو مع الأيام مولود مسخ مشوه، ويلحظ عليه وعلى أتباعه ملاحظات متكاثرة عاما بعد عام، وفينة بعد فينة، وينمو التحذير منه ومن خطره، رغم وجود بعض المظاهر الإيجابية فيه والتي لا ينكرها أحد، ولكن ربنا عز وجل أخبرنا عن وجود منافع في الخمر التي هي أم الخبائث ورغم ذلك حرمها علينا، فمجرد وجود مظاهر إيجابية في هذا التدين الجديد لا تجيز غض الطرف المفاسد العظيمة التي يحملها، خاصة وأن القاعدة الشرعية تقول: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.