المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سيد قطب الرجل بحق


القناص
07-14-2009, 05:44 AM
سيد قطب الرجل بحق

سيد قطب الرجل بحق
محمد المصري
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد.
فحديثنا عن الشخص الذي أحَبهٌ الجميع في مشارق الأرض ومغاربها ،وتأثر به الجميع ، وبلغت دعوته الآفاق بفضل الله وحده ثم بفضل العزمة القوية التي نحسبها مخلصة للأستاذ سيد رحمه الله، وسنتاول بعض الجوانب فى حياة الأستاذ سيد رحمه الله بموضوعية شديدة تحمينا من التحليلات العاطفية قدر المستطاع،وهذا هو المنهج المفترض إتّباعه من قِبل الحركة الإسلامية فى تقييم رجالها وتقييم حركتها،والله من وراء القصد.
*الجوانب التي يتناولها المبحث في شخصية الأستاذ سيد رحمه الله:
1-سيد قطب صحة المفهوم وصحة الحركة.
2-سيد قطب وحديث عن الجاهلية.
3-سيد قطب والكاريزما الزعامية.
5-سيد قطب القدوة والتضحية.
5-سيد قطب والتحرك بهذا الدين.
1-سيد قطب صحة المفهوم وصحة الحركة: تعد كتابات الأستاذ سيد رحمه الله من الكتابات التي تحمل صحة المفاهيم الإسلامية ،من حيث البدء بقضية العقيدة،وتربية قاعدة مؤمنة تتربى على هذه العقيدة، وتكون هذه القاعدة ستاراً لقدر الله بالنصر، وبينت كتابات الأستاذ سيد رحمه الله حقيقة علّة المجتمعات وما هو الداء وما هو الدواء،فالداء يتمثل في تخلف عقيدي يضرب في الأطناب يتبعه تخلفات أخرى في جميع المجالات الأخلاقية والاقتصادية
..وغيرها،وحدد الدواء وهو البدء بما بدء به الأنبياء عليهم السلام وخاصة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الصدع بقضية العقيدة ،وأن تكون هذه هي البداية الصحيحة في حركة التغيير،ولا يبدء بأي خطوة أخرى غيرها،ثم يتربى على هذه العقيدة( قاعدة) هي التي تقود الأمة فى صراعها مع الشيطان وحزبه.
هذا عن صحة المفهوم ، أما عن صحة الحركة ، فكان تحرك الأستاذ سيد رحمه الله يعتمد على العمل وفق هذه المفاهيم وعدم مخالفتها، فقد كتب الكثير من المفكرين عن مفاهيم إسلامية هي في حد ذاتها صحيحة ، ولكن كانت حركتهم مخالفة لتلك المفاهيم ،مما أضفى جواً من( الالتباس) حول مفاهيمهم،ولكن سيداً رحمه الله لم يكن من هذا النوع الذى يتبنى مفاهيم ويتحرك بغيرها.
2-سيد قطب وحديث عن الجاهلية:- فٌهم كلام لسيد قطب رحمه الله عن الجاهلية ، على أنه تكفير للمجتمعات ودعوة للعزلة والانقطاع ، ورَموٌا سيداً بأنه إمام التكفريين، يقول الأستاذ سيد رحمه الله عن الجاهلية(:" نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم . كل ما حولنا جاهلية .. تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم، حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيراً إسلامياً .. هو كذلك من صنع هذه الجاهلية .. فلا بد إذن في منهج الحركة الإسلامية أن نتجرد في فترة الحضانة والتكوين من كل المؤثرات الجاهلية التي نعيش فيها ونستمد منه) هذا الكلام الذى قاله الاستاذ سيد رحمه الله واضح لا لبس فيه وقد أشاد به الشيخ الالبانى فى كتاب (مختصر العلو) ووصفه بالاستاذ الكبير ، أن أمر الجاهلية واضح لكل من عرف الحق واستنار به ،وقد ركز سيد فى دعوته عن "حكم الجاهلية"، أما ما يِفهم على الاستاذ سيد أنه قد وسم المجتمعات بالشرك والكفر، فالذي يقول به الأستاذ سيد ويقول به تلامذته أن الأمة الإسلامية تمر بثلاث مراحل بالنسبة لقيامها بأمر الله
1:-المرحلة الأولى مرحلة الرحمة الشاملة وفى هذه المرحلة تكون الأمة
1-مرحومة فلا بتعاقب عليها البلاء ولا تؤخذ بالسنين.
2-منصورة فلا يتغلب عليها العدو ولا يغزوها في عقر دراها ولو اجتمع عليها أهل الأرض جميعا.
3- معصومة فلا تجتمع على ضلالة
*وشروط هذه الرحمة :
1-لا يستعلن فيها المنكر ولا يستقر بلا تغيره.
2.أن تبقى متحدة متآلفة كالجسد الواحد والبنيان المرصوص يشد بعضة بعضا .
3. أن تقوم برسالتها في الأرض وهى الرسالة التي وجدت من اجلها أناطها الله بها فإذا خرجت عن هذه الشروط نزعت منها هذه الرحمة .
2:- المرحلة الثانية...........مرحلة الالتباس :-
وتتميز هذه المرحلة بعدم تميز الفسطاطات واختلاط الرايات والشارات .
وينبغي على الدعوة في حالة الالتباس والفتنة التي تمر بها الأمة الآن أن يخصوا أمتهم بما خصها الله بها من الرحمة التي تناسب هذه المرحلة .
وهذه الخصائص هي:-
1-انتظار الفى . 3-إرخاء الستر .
2-طلب الموالفة.
4-استمرار الوجود التاريخي للأمة رغم انقطاع الوجود الشرعي .
وهذه الخصائص الأربعة تفرضها علينا فرضا مقاصد الشريعة وقواعدها الكلية .
-وهناك أمور أخرى تفرضها علينا مقاصد الشريعة وقواعدها الكلية اعتبارا للمآلات ونظرا للواقع وهذه الأمور هي:-
1-مراعاة حالة الالتباس في المفاهيم والحركة حتى عند القادة والدعاة والعلماء والخاصة والعامة والى وهذا من الفتن التي عوقبنا بها حتى تخرج منها الأمة إلى الله والى الافتقار الحقيقي والتضرع إلى الله 0
2- عظم البلوى بهذا التباس .
3- غربة الإسلام .
4- خوف الانقطاع إذا لم يعالج الأمر بحكمة وصبر ومثابرة ورباط وهذا يفرض علينا
3-مرحلة الاندراس.:وهى المرحلة الثالثة وفيها يدخل الناس فيها في الشرك والجاهلية المطبقة والكفر الصريح بعد تميز الفسطاطات نسأل الله العفو والعافية وان يتغمدنا برحمته وان يقبضنا إلية غير خزايا ولا نادمين .
وهذا يتطلب منهج للحركة وهو:-
أ-البعث وليس التبشير .
ب-إعادة البناء وليس البدء من جديد كما لو كان نبيا يبعث .
وهذا يتطلب منهجا للإحياء-–يبدأ في رفع الالتباس .-منهجا للتمكين يعتمد على عمل النخبات الرائدة لحل المغاليق في مفاهيم العقيدة والشريعة ،وذلك لجمع الامةعلى الكلمة السواء والخروج من التيه والالتباس ولحل المغاليق في التحرك الاستراتيجي لفك الحصار المضروب على الأمة لجمع كلمتها والخروج عن قهر عدوها .
فالمقصود أن الأمة الآن في مرحاة التباس وأهم صفات مرحلة الالتباس "إثبات الوجود التاريخي للأمة وانتفاء الوجود الشرعي لها المتمثل في قبول شرع الله ورفض ما سواه.
والعزلة المقصودة هي الكراهة والبراءة من الشرك وأهله وعدم المشايعة،حتى تتميز المفاهيم وتتميز الفسطاطات.
3-سيد قطب والكاريزما الزعامية:-
إنّ للزعامة سمات وصفات شخصية لا توجد للجميع ، وهذا مصداق لقوله صلى الله عليه وسلم (الناس كأبل مئة لا تجد فيها راحلة" البخاري ومسلم.
وأفضل التعاريف لمعني الراحلة هوأن معني الراحلة المذكور في الحديث هو(معناه المرضي الأحوال من الناس الكامل الأوصاف الحسن المنظر القوي على الأحمال والأسفار سميت راحلة لأنها ترحل إي يجعل عليها الرحل فهي فاعلة بمعنى مفعولة كعيشة راضية أي مرضية ونظائره ).
فما هى سمات الزعامة وهل تتوفر فى سيد أم لا ، يقول الأستاذ رفاعي سرور موضحاً سمات الزعامة .
1) الإخلاص الملهم للصواب والمجبر للخطأ والمحقق للثواب في كلا الأمرين والمحقق في نفس الوقت للتجرد من الصراعات النفسية والمؤثرات العاطفية والمصلحة الشخصية،وهذا ما نظنه كان متحققاً فى الأستاذ سيد رحمه الله تعالي والله حسيبه.
2) التوكل المعين على خوض التجربة قبل بدئها وعلى تحمل اثارها بعد تمامها.
3) الذكاء المحقق للإحاطة بالقرار واثاره واحتمالاته وبدائله؛ بدقة ذهنية واستشفاف مستقبلي يستوفي حق التفكير في القرار بأسرع وقت ممكن بحيث لا يصل صاحب التفكير إلى مرحلة الاستغراق النظري المضل والمحير.
4) الخبرة المستخلصة من تجارب الماضي المشابهة للتجربة القائمة لتحقيق كل عناصر الصحة والصواب بأسهل الأساليب، وتحقيق أكبر العوامل النبهة للتجربة إلى المزالق والثغرات التي دفع ثمنها أصحاب التجارب السابقة حتى لا يتضاعف الثمن وتتضاءل الحصيلة،وفى هذا المجال نري أن الأستاذ سيد قد أستفاد من تجربة الأستاذ المودودي وإن لم يحذو حذوها حذوها تماماً.
5) العزم الذي يجعل صاحب القرار منطلقاً بقراره بأقصى الاطمئنان الشرعي والحركي والنفسي... اطمئناناً يملؤه ويتعداه منه إلى جميع المحيطين به فيطمئنوا كما اطمأن اطمئناناً واثقاً، بغير غرور يعمي عن الحقيقة، وبغير تردد يضيع الهدف ويحير المشاركين له في الموقف.
6) القوة الشخصية التي يأخذ بها فرصته الكاملة في اتخاذ قراره ويتنبه بها ألى المحاولات الطبيعية المصاحبة لكل قرار جديد والتي يحاول فيها أصحابها نقد أو رفض القرار من المحيطين بصاحب القرار عندما يكون حوله المخلص غير الذكي والذكي الفاقد للخبرة؛ حيث سيتمثل كل فقد لأي عنصر من عناصر الإخلاص والذكاء والخبرة في محاولة معاكسة لصاحب القرار...
7) القوة الشخصية التى ينشئ بها واقعاً جديداً، ويدخل بها في مرحلة جديدة، ويحدث بها متغيرات جديدة بقرار واحد يتطلب رجلاً قوياً .
8) صدق الإيمان الذي يجعله يتعرف على مصلحة الدعوة بكل كيانه ومواهبه.
9) تخطر له الفكر ويلهم الأمر. ويعيش الصواب.
10) يعيش قضيته... يغير ظروفه وينهض بأمته ويحيي حضارته.
11) الصبر الذى يتحمل به المناوأة من المختلفين معه داخل كيانه السياسي، والمتربصين به خارج كيانه، والضاغطيت عليه من العقول غير الفاهمة، والحاقدين عليه من النفوس غير السوية... الصبر الذي يحقق المرحلية المنبطة بلا بطء الخائف، ولا تهور المتحمس.
12) الحبوالألفة: التي تعين علي الأطمئنان لقراره وتخفف من وطأة الخطأ إذا حدث وتعين علي تحمل المعاناة المترتبة علي الخطأ... الحب الذي يجعل الجميع يبذل كل ما في وسعه؛ لإنجاح قرار يحبون صاحبه " خير أمرائكم من تحبونهم "
13) الربانية التي تحمي الزعيم من أي تناقض بين الحق المطلق وإنسانيته.
14) البصيرة التي تحمي الزعيم من غيبة الغاية عن تصوره.
15) العلم الذي يحمي الزعيم من الغفلة بالواقع وطبيعة الأمور.
ففي ضوء رؤيتنا لهذه السمات السابقة،نرى أن سيداً رحمه الله تتوفر فيه الشخصية الكاريزمية المؤثرة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده.
4) سيد قطب القدوة والتضحية:-ضرب سيد قطب المثل في القدوة والتضحية والفداء فهو لم ينحني للطاغوت ،ولم يرضى لدعوته ثمناً بخس ،وإنما أراد شيئا آخر دون ذلك وهو الجنة وهذا هو الطريق المحفوف بالمكاره والصعوبات، لما طلب منه أن يكتب كلمة تأييد لعبد الناصر ليعفو عنه قال :" إن أصبع السبابة الذى يشهد لله بالوحدانية فى الصلاة يأبى أن يكتب كلمة حق واحدة يقربها لحاكم طاغية فإن كنت مسجوناً بحق فأرتضى حكم الحق وإن كنت مسجوناً بباطل فأنا أكبر من أن استرحم الباطل ومن كلامات سيد قطب رحمه الله (:" إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع حتى إذا متنا فى سبيلها دبت فيها الروح وكتبت لها الحياة ".
ومن أقواله أيضاً(إن الحق بطبيعته من الوضوح والظهور بحيث لا يحتاج إلى بيان طويل إنما تنقص الناس الرغبة فى الحق والقدرة على اختيار الطريق )"
وكانت نتيجة اخلاصه وتضحيته والله حسيبه ،أن كان موت سيد نجاة وإحياء لفكره،ودعوة للثبات للكثيرين فى وقت الملمات، فى أحد لقاءات مجلة البيان مع مجموعة من مسلمي بلاد البخاري بعد سقوط الحكم الشيوعي السوفيتي ، تحدث بعضهم وذكر أن من أحد أسباب المحافظة على هويتهم ودينهم أثناء الحكم الشيوعي هو مدارسة فى ظلال القرآن وذلك في الأقبية التي توجد تحت المنازل والبيوت، وكان من آثار استشهاد سيد رحمه الله وتضحيته أن طبعت من كتبه الآف وما زالت تطبع ، حتى أن النصارى المارون فى لبنان كانوا يتسابقون على طباعة كتبه، ويذكر أن أحد الكّتاب المعادين للمنهج الإسلامي فى الحياة ، ذكر أنه يتمنى أن يقتل وتنتشر كتبه مثل ما انتشرت كتب سيد رحمه الله، حتى يذكر صاحب قصص (العائدون إلى الله)أن بعض الحراس فى السجن المكلفين بإتمام عملية الإعدام ،قد تابا والتزاما نتيجة ما رأيا من رابطة جأش سيد واستعانته بالله أثناء تنفيذ الحكم بإعدامه.
5) سيد قطب والتحرك بهذا الدين:- يقول سيد رحمه الله " إن فقه الحركة يختلف اختلافاً أساسيا عن فقه الأوراق ،مع استمداده أصلاً وقيامه على النصوص التي يقوم عليها ويستمد منها فقه الأوراق، والتجارب تجزم بأن الذين لا يند مجون فى الحركة بهذا الدين لا يفقهونه مهما تفرغوا لدراسته فى الكتب لأنها دراسة باردة، وأن اللمحات الكاشفة فى هذا الدين إنما تتجلى للمتحركين به حركة جهادية لتقريره فى حياة الناس ولا تتجلى للمستغرقين فى الكتب العاكفين على الأوراق)وهذا الكلام أذكره دون تعليق يفسد معانيه التى ترسبت فى النفس فور قراءته ،وإن كان من تعليق فهو من كلمات سلفنا الصالح رحمهم الله يقول الشاطبي رحمه الله(والعلم لا يراد به أصلاً إلا العمل، وكل علم لا يفيد عملاً، ولا يتوقف عليه حفظ مقاصد الشريعة، فليس في الشرع ما يدل على استحسانه، والعلم المعتبر شرعاً، الذي مدح الله تعالى ورسوله أهله، على الإطلاق، هو العلم الباعث على العمل، الذي لا يخلِّي صاحبه جارياً مع هداه كيفما كان. بل هو المقيد صاحبه بمقتضاه، الحامل له على قوانينه طوعاً أو كرهاً. وعندئذ يصير العلم وصفاً من الأوصاف الثابتة لصاحبه، يأبى للعالم أن يخالفه ؛ لأن ما صار كالوصف الثابت لا ينصرف صاحبه إلا على وفقه اعتياداً وإن تخلّف فإنما يكون تخلّفه لعنادٍ أو غفلة .
وليس عالماً ذاك الذي لم يعمل بعلمه، ولا يستحق وصف التكريم هذا، فعن علي رضي الله عنه قال: 'يا حملة العلم: اعملوا به، فإن العالم من علم ثم عمل، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم، لا يجاوز تراقيهم، تخالف سريرتهم علانيتهم، ويخالف علمهم عملهم، يقعدون حِلقاً، يباهي بعضهم بعضاً ؛ حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم إلى الله عز وجل'.
وقال الحسن البصري رحمه الله: 'العالم الذي وافق علمه عمله، ومن خالف علمه عمله فذلك راوية سمع شيئاً فقاله' .
وقال الثوري:'العلماء إذا علوا عملوا، فإذا عملوا شُغِلوا...'. وقال:'العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل' ، فالذين لا يعملون بعلمهم، ولا يتسق سلوكهم مع عملهم، فضلاً عن أن يكونوا من الراسخين في العلم، وإنما هم رواة أخبار، وحفظة أسفار، والفقه فيما رووه أمر آخر وراء هذا، أو هم ممن غلب عليهم الهوى فغطّى على قلوبهم.)
فوائد تربوية:-
1) أثر القدوة الحسنة:
والمؤمن لا يخالف قوله فعله، ويبدأ بنفسه أولاً فيحملها على الخير والبر، قبل أن يتوجه بهما إلى غيره؛ ليكون بذلك الأسوة الحسنة، والقدوة المثلى لمن يدعوهم، وليكون لكلامه ذلك التأثير في نفوس السامعين الذين يدعوهم، بل إنه ليس بحاجة إلى كثير عندئذ، فحسْبُ الناس أن ينظروا إلي واقعه وسلوكه، ليروا فيهما الإسلام والإيمان حياً يمشي أمامهم على الأرض، وليشعّ بنوره على من حوله، فيضيء الطريق للسالكين، وتنفتح عليه العيون ويقع في القلوب، فيحمل الناس بذلك على التأسي والاتباع.. فهو يدعو بسلوكه وواقعه قبل أن يدعو بقوله وكلامه.. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم خير أسوة، فقد كان عليه الصلاة والسلام إذا أمر الناس بأمر كان أشد الناس تمسكاً به، وكان يحمل أهل بيته على ذلك قبل أن يدعو غيرهم.
و قَالَ سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ: قُلْتُ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قُلْتُ: بَلَى قَالَتْ:' فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْقُرْآنَ' . فمهما أمره القرآن بشيء امتثله، ومهما نهاه عنه تركه.
وهي إجابة دقيقة، وموجزة جامعة أيضاً، تحمل في طياتها كل ما يخطر على بال المرء من أخلاق الكمال وصفات العظمة، فحسبك أن يكون عليه الصلاة والسلام، ترجمة عملية حية لمبادئ القرآن الكريم، وإذا أردت أن ترى القرآن الكريم واقعاً عملياً في حياة الناس، فانظر إلى خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وادرس سيرته بكل وعي وبقلب مفتوح على الخير، وبعزيمة صادقة، تحمل على التأسي والمتابعة.. فكل واحد منهما يدل على الآخر.
2) دعاوى الإيمان:
وإنها لمصيبة كبيرة، وخسارة ما بعدها خسارة، أن يتحول الإيمان والإسلام في سلوك أصحابه إلى كلمات ودعاوى، لا تتجاوز الحناجر، وأن ينطلق المسلم، يدعو غيره إلى البر والهدى والخير، ولكنه يترك نفسه بمعزل عن ذلك، ويعطيها إجازة تتمتع بها، ولا يحملها حملاً على أن تكون سبّاقة إلى هذه الدعوة والعمل بمقتضاها.
ولقد نعى الله سبحانه، على بني إسرائيل- وبخاصة أولئك الأحبار فيهم- ووبَّخهم علي سلوكهم، فهم يأمرون الناس بالبر، الذي هو جماع الخير، ولكنهم ينسون أنفسهم فلا يأتمرون بما يأمرون الناس به، مع علمهم بجزاء من قصّر في أوامره سبحانه، فقال:**...وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ[44]}[سورة البقرة].
وفي ظلال هذه الآية الكريمة يتحدث الأستاذ سيد قطب رحمه الله عن آثار الدعوة إلى البر والمخالفة عنه في السلوك، فيقول:'ومع أن هذا النص القرآني كان يواجه ابتداءً حالة واقعة من بني إسرائيل فإنه في إيحائه للنفس البشرية، ولرجال الدين بصفة خاصة، دائم لا يخص قوماً دون قوم، ولا يعني جيلاً دون جيل..إن آفة رجال الدين حين يصبح الدين حرفة وصناعة لا عقيدة حارة دافعة أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، يأمرون بالخير ولا يفعلونه، ويدعون إلى البر ويهملونه، ويحرفون الكلام عن مواضعه، ويؤلفون النصوص القاطعة خدمة للغرض والهوى، ويجدون فتاوى وتأويلات، قد تتفق في ظاهرها مع ظاهر النصوص، ولكنها تختلف في حقيقتها عن حقيقة الدين، لتبرير أغراض وأهواء لمن يملكون المال أو السلطان! كما كان يفعل أحبار يهود.
والدعوة إلى البر والمخالفة عنه في سلوك الداعين إليه، هي الآفة التي تصيب النفوس بالشك، لا في الدعاة وحدهم، ولكن في الدعوات ذاتها، وهي تبلبل قلوب الناس وأفكارهم أنهم يسمعون قولاً جميلاً، ويشهدون فعلاً قبيحاً، فتتملكهم الحيرة بين القول والفعل، وتخبو في أرواحهم الشعلة التي توقدها العقيدة، وينطفئ في قلوبهم النور الذي يشعه الإيمان، ولا يعودون يثقون في الدين عدما فقدوا ثقتهم في رجال الدين' .
وبعد:-إننا ونحن نذكر الحبيب قرة العين والفؤاد سيد قطب رحمه الله ينبغي علينا ألا ننطيل النظر فى الرد والرد الآخر ،إنما ينبغي علينا المضي قدماً في المنهج الصحيح الذي ارتضاه الأستاذ سيد رحمه الله، فمسيرة الإحياء الإسلامي اليوم تحتاج إلى دماء جديدة وبذل وبصيرة واستبصار عند الفتن لنصل إلى مرحلة الرحمة الشاملة وما ذلك على الله بعزيز.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

منقول للفائده