ابو الزبير
07-04-2009, 08:57 AM
مشاعر الشيخ سلمان تجاه تونس
زرت بلداً إسلامياً, كنت أحمل عنه انطباعاً غير جيد، وسمعت غير مرّة أنه يضطهد الحجاب، ويحاكم صورياً، ويسجن ويقتل، وذات مؤتمر أهداني أخ كريم كتاباً ضخماً عن الإسلام المضطهد في ذلك البلد العريق في عروبته وإسلاميته.
ولست أجد غرابة في أن شيئاً من هذا القيل حدث ذات حين؛ في مدرسة أو جامعة, أو بتصرف شخصي, أو إيعاز أمني, أو ما شابه.
بيد أني وجدت أن مجريات الواقع الذي شاهدته مختلفاً شيئاً ما ؛ فالحجاب شائع جداً دون اعتراض، ومظاهر التديّن قائمة، والمساجد تزدحم بروّادها من أهل البر والإيمان، وزرت إذاعة مخصصة للقرآن؛ تُسمع المؤمنين آيات الكتاب المنزل بأصوات عذبة نديّة، ولقيت بعض أولئك القرّاء الصُّلحاء؛ بل وسمعت لغة الخطاب السياسي؛ فرأيتها تتكئ الآن على أبعاد عروبية وإسلامية، وهي في الوقت ذاته ترفض العنف والتطرف والغلو، وهذا معنى صحيح، ومبدأ مشترك لا نختلف عليه.
استوحيت من التفاوت الذي أدركته بين ما شاهدته وبين ما كنت أسمعه أهمية الانفتاح بين الأمصار الإسلامية, وضرورته في تصحيح الصورة الذهنية المنقولة، كضرورته في تغيير الأوضاع القائمة, وإحداث التأثير الإيجابي المتبادل، وأنه في جو العزلة والانغلاق تشيع الظنون، وتكبر الأحداث الصغيرة، وتتسع الهوّة والفجوة، ويفقد الناس المعلومات فيلجؤون إلى الشائعات، أو الحقائق الجزئية ليعتمدوها في تكوين النظرة الكلية.
لست أعني أنني وجدت عالماً من المثل والكمالات والفضائل، وقد لا تخطئ عينك أو أذنك همساً يسأل بتردد وخوف، وكأنه يحاذر عيوناً أن تراه وآذاناً أن تسمعه.
بيد أن الصورة كانت مختلفة شيئاً ما، وهذا ما حدا بي إلى أن أقول لجلسائي إن علينا أن نفرّق بين الإسلام وبين الحركات الإسلامية.
قد يضيق نظام حكم ما بالحركات الإسلامية؛ بسبب الخوف وعدم الاطمئنان, أو المغالبة السياسية أو المزاحمة، وقد يقع لبعض الحركات أن تنفتح نحو السياسة وتضخم دورها وأهميتها، وكأن الإمساك بأزمتها يعني نهاية المشكلة والمعاناة، وهي رؤية ضيقة تجاوزتها حركات كثيرة؛ أدرَكَتْ أن التغيير يجب أن يستهدف سلوك الفرد وعقله, ومنحه الخبرات والمهارات والمعارف والأفكار الصحيحة، وليس أن نتصارع على الكراسي والمناصب بإقصائية متبادلة، وكل طرف يقول: أنا أو الدمار.
والعاقل يدرك اليوم أن الاقتصاد يمثل قوة ضغط لا يستهان بها، وقُل مثل ذلك في الإعلام، أو في التعليم، أو في مؤسسات المجتمع المدني، ومعاناة الأمة ليست في ساستها فحسب، بل في أنماط تفكيرها، ومسالك عيشها بما يتوجب معه اعتماد نظرة أوسع أفقاً، وأبعد عن المصادرة والأحادية والإقصاء والتصارع على السلطة، وأكثر هدوءاً وإدراكاً لإمكانيات الإصلاح والتغيير.
أسلوب المغالبة السياسية ضَيّقَ على كثير من المناشط, وحرمها من حقها المشروع في الحياة والمشاركة.
وهذا له حديث خاص قادم بإذن الله..
ما أردت قوله: أن من المجتمعات والأنظمة ما يضيق ذرعاً بحركة إسلامية تزاحمه في سلطته, أو تعتمد معارضة صرفة قد لا يحتملها، ولكن قد لا يضيق ذرعاً بالإسلام ذاته، بل ربما تقبله بقناعة، أو تقبله على أساس الأمر الواقع، أو حاول أن يعوض ويمنع الدعاية السلبية ضده باعتماد مدرسة إسلامية قد تكون ملونة باللون الذي يحب ويختار، ولكنها تستجيب لحاجة التدين في النفوس.
ليس إِدّاً من القول أن نصرح بأن الإسلام أكبر من الحركات وأبقى, والحركات هي محاولة بشرية يعتريها الخطأ, وتفتقر إلى التصحيح والاستدراك الدائم, ومحاربة روح التعصب والإصرار والإمعان، وقبول المراجعة، وتعاهد الناس بالتفريق بين التدين بالإسلام الذي هو حق الله على عباده؛ كما في محكمات الكتاب والسنة، وبين رؤية ظرفية اجتهادية, قد يحتشد حولها جمع من الناس فيصيبون ويخطؤون.
الإسلام أكبر من الدول والحكومات و المؤسسات، وكل أوعيته تذهب وتجيء ويبقى الإسلام, (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر/9].
وللحديث أطراف ذات أهمية؛ سأستكمل عرضها في مناسبات قادمة بإذن الله
فرد على الشيخ سيف الدين عابد برسالة سماها
رسالة من سيف الدين عابد الى سلمان العودة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى أله ومن والاه
يقول الحق سبحانه
( ما كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ). [آل عمران/79]
قال البغوي - رحمه الله ـ في تفسيره (ج 2 / ص 60) واختلفوا في قوله : ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾، قال علي وابن عباس والحسن:" كونوا فقهاء علماء" وقال قتادة: "حكماء وعلماء" وقال سعيد بن جبير: العالم الذي يعمل بعلمه، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس: "فقهاء معلمين". وقيل: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، وقال عطاء: "علماء حكماء نُصحاء لله في خلقه"، قال أبو عبيدة:" سمعت رجلا عالمًا يقول: الرباني العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي، العالم بأنباء الأمة ما كان وما يكون، وقيل: "الربانيون فوق الأحبار"، والأحبار: العلماء، والربانيون: الذين جمعوا مع العلم البصارة بسياسة الناس. قال المؤرّج : "كونوا ربانيين تدينون لربكم، من الربوبية" ...وقال المبرد: "هم أرباب العلم سُموا به لأنهم يربون العلم، ويقومون به ويربون المتعلمين بصغار العلوم"
إن من أهمّ أدوار العلماء، كما هو معلوم، حفظ الدين وبيان أحكامه، وإزالة اللبس عمّا غمّ على الناس منه،
وأن لا يخفوا على الناس حكما من أحكاما رغبة أو رهبة.
وحري بمن أراد أن ينزل منازل الأنبياء في وراثته للعلم والتبليغ عنهم لحفظ شريعتهم أن يتقرب إلى الله بشيء من صفاتهم، فيتصف بالتقوى، ويتصف بالورع والخشية من الله، ويتصف بأمانة التبليغ، ويتصف بإحقاق الحقوق، ويتصف بقوة البيان للحقّ كما بقوة البيان للباطل.
فالعالم إمّا أن يكون ربانيا بنقائه وصفائه وتقواه، وإما أن يكون غير ذلك بما ابتدع وأضلّ وأخفى من دين الله
قال ابن الاعرابي : " إذا كان الرجل عالما، عاملا، معلما، قيل له رباني، فإن خرم خصلة منها، لم يقل له رباني "
والعلم دين، ومن سلامة الدّين أن يسلم العلم وتصحّ مصادره، فلا يؤخذ من جاهل، ولا من الذين يغيّرون ويبدلون، ذلك أن المسلم لا يضمن سلامة دينه إن لم تتحقق سلامة من أخذ علمه عنه،
قال عبد الله بن مسعود http://naqed.info/forums/style_emoticons/default/rda.gif: " لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، فإذا أخذوه من أصاغرهم وشرارهم هلكوا"
والمسألة ليست بحثا في هذا العالم أو ذاك من ناحية أنه بحث مجرد، بل المسألة أننا نريد أن ناخذ ديننا ونستقيم في السير بحسبه بغض النظر عن أهمية هذا العالم أو ذاك، ففي النهاية لن يُحاسب الله العالم الذي ضلّ وأضل ويترك من اتبعه دون حساب، فكلّ تحت المساءلة واقعون، وأمام الله واقفون، وعلى النار سيعرضون، ولن ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
أيها الشيخ سلمان العودة، لقد زرت بلدا يعلم القاصي والداني ممن يهتم بأمر الاسلام والمسلمين أنه بلد ضاعت فيه الحقوق
ولم تسلم فيه أعراض المسلمين، ولم تراعى فيه ذممهم، ولا تُصان فيه شريعة الله، فهي منتهكة جهارا نهارا، لا يخفون تعديهم على الله ودين الله وعباد الله،
لقد زرت بلدا أيها الشيخ ضُربت فيه الأعناق، وامتُهنت فيه الحرائر من المسلمات، واعتدي فيه على كلّ مظهر من مظاهر القرب من الله ( بمنهجية ممنهجة ) وبقوانين لا يخفى فيها العداء لله ولدين الله ومحاربته!!
ألم تسمع أيها الشيخ بمحاربة ومطاردة المحجبات العفيفات ومنعهن من الدخول إلى حرم الجامعات والمعاهد والمدارس إلا بعد أن يبدين الطاعة ( لولي الأمر ) فيتكشّفن ويبدين ما حرّم الله أن يبدين؟
ألم يصل إلى مسامعكم الكريمة أنّ الحجاب ينزع عن المسلمات الطاهرات عنوة؟
ألم يعطوك أيها الشيخ ( بطاقة المصلّي) ويحددوا لك المسجد الذي تعبد الله فيه وتمنع من غيره أم أنهم رأوا أن ذلك لا ينطبق عليك كما ينطبق على كلّ أهل تونس من المسلمين؟!
ألم يقل لك أحد من البشر أن العُهر في تونس مقنّن تقنين رعاية لا تقنين منع وتجريم؟
وفوق ذلك وقبله وبعده، هل أوصلك علمك وعظيم اطّلاعك على شرع الله أن زين العابدين حاكم مسلم واجب الطاعة؟! أم أنه علماني لا يقيم وزنا لله ولا لدين الله، ويحاربه محاربة قذرة في كل سكناته وحركاته، وفي كلّ قوانينه وأنظمته؟ أم أنك لا ترى من يقرّ بالربا أنه قد آذن بحرب من الله؟
أيها الشيخ سلمان العودة:
لقد قلت كلاما ناقض وعاكس كلّ ما هو عليه حال تونس وحكّام تونس
والسؤال: لماذا قلته؟
رهبة؟
أم طمعا؟
أم خوفا؟؟
ألم يجل في خاطرك ولو لهنيهة من الوقت أن من أفتى تقيّة والناس تجهل فقد أضاعهم وضيّعهم؟؟
أن لم تكن تعلم ما تقول أيها الشيخ فاعلم أنك بما قلته عن تونس في مقالك هو تسويغ للحكم فيها
وتلميع للحاكم ونظامه، وتجميل لوجه بشع بشاعة من جاهر بمحاربة الله ورسوله والمؤمنين
وإعطاء كل المسوغات لذاك النظام أن يوغل في محاربته للمسلمين ولشريعة الله، ذلك أنه سيعتمد الآن على قولك وقول من هم مثلك حين مدحتموه
لو أنك يا شيخ عودة من آحاد الناس لكانت النصيحة واجبة في الخفاء قبل الإعلان، لمظنة الجهل ولرفع عذره عندك
أمّا وأنك لست من آحادهم، ولأن من يستقي منك ويأخذ عنك، ويثق برأيك من الناس كثر فقد لزم أن يكون النصح لك على مستوى معرفة الناس بك، أي عامة لا خاصة، فلعلك ترجع عمّا بدر منك، وتستغفر ربّك الذي يعلم الجهر وما خفي، وأن تجعل دين الله فوق كلّ مصلحة دنيوية كائنة ما كانت، وأن تعلم أن في الرجوع إلى الله في كلّ أمر فيه الخير كلّ الخير لك وللمسلمين أجمعين، وأن ترتفع فوق ذاتك فلا تجعل مقياس الرجوع من عدمه صورتك أو ما ينطبع عند الناس في أذهانهم عنك، فيكون الرجوع لله خالصا.
فإنك تلبس حلية طيبة ( العلم ) فخذها بحقها أو اتركها إخلاصا لله وشريعة الله
ولا تضعنّ في ذمّتك أهوالا تشيب منها الولدان حين يسألك المسلمون في تونس أمام الله قائلين لك: لم ظلمتنا؟ لم أعنت الظالم علينا بكلمتك؟
وحين تحاسبك الحرائر يوم لا ينفعك مال ولا سلطان أمام الله قائلين لك: لم فضحت عورتنا وكشفتها؟ حين أعنت الحاكم وزينت له سوء عمله؟
ولم تريدنا – تضيف الحرائر – أن نكتسي بالعري، وأن نزيل عن أجسادنا طهارة أمرنا الله بها؟؟
نعم أيها الشيخ، أنت قلت لهم ولهنّ ذلك حين نفيت عن الحاكم ونظامه في تونس أنهم يحاربون الله ورسوله والمؤمنين، أنت عالم وتعلم أن الكلمة التي قلتها وإن كانت غير مباشرة فإنها لا تعطي غير هذه المعاني!!
فهل تصبر أمام الله؟
وهل عندك الجلد أن تتحمّل ما قلت أمام العلي الجبار المتعال؟
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا )
وصدق ربّي وهو يقول:
( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا )
والحمد لله ربّ العالمين
سيف الدين عابد
ملاحظة إن كان لأحدنا تعقيبا على كلام الشيخ فليسلك مسلك صاحب الرسالة في الأدب والإحترام والله الموفق
__________________
زرت بلداً إسلامياً, كنت أحمل عنه انطباعاً غير جيد، وسمعت غير مرّة أنه يضطهد الحجاب، ويحاكم صورياً، ويسجن ويقتل، وذات مؤتمر أهداني أخ كريم كتاباً ضخماً عن الإسلام المضطهد في ذلك البلد العريق في عروبته وإسلاميته.
ولست أجد غرابة في أن شيئاً من هذا القيل حدث ذات حين؛ في مدرسة أو جامعة, أو بتصرف شخصي, أو إيعاز أمني, أو ما شابه.
بيد أني وجدت أن مجريات الواقع الذي شاهدته مختلفاً شيئاً ما ؛ فالحجاب شائع جداً دون اعتراض، ومظاهر التديّن قائمة، والمساجد تزدحم بروّادها من أهل البر والإيمان، وزرت إذاعة مخصصة للقرآن؛ تُسمع المؤمنين آيات الكتاب المنزل بأصوات عذبة نديّة، ولقيت بعض أولئك القرّاء الصُّلحاء؛ بل وسمعت لغة الخطاب السياسي؛ فرأيتها تتكئ الآن على أبعاد عروبية وإسلامية، وهي في الوقت ذاته ترفض العنف والتطرف والغلو، وهذا معنى صحيح، ومبدأ مشترك لا نختلف عليه.
استوحيت من التفاوت الذي أدركته بين ما شاهدته وبين ما كنت أسمعه أهمية الانفتاح بين الأمصار الإسلامية, وضرورته في تصحيح الصورة الذهنية المنقولة، كضرورته في تغيير الأوضاع القائمة, وإحداث التأثير الإيجابي المتبادل، وأنه في جو العزلة والانغلاق تشيع الظنون، وتكبر الأحداث الصغيرة، وتتسع الهوّة والفجوة، ويفقد الناس المعلومات فيلجؤون إلى الشائعات، أو الحقائق الجزئية ليعتمدوها في تكوين النظرة الكلية.
لست أعني أنني وجدت عالماً من المثل والكمالات والفضائل، وقد لا تخطئ عينك أو أذنك همساً يسأل بتردد وخوف، وكأنه يحاذر عيوناً أن تراه وآذاناً أن تسمعه.
بيد أن الصورة كانت مختلفة شيئاً ما، وهذا ما حدا بي إلى أن أقول لجلسائي إن علينا أن نفرّق بين الإسلام وبين الحركات الإسلامية.
قد يضيق نظام حكم ما بالحركات الإسلامية؛ بسبب الخوف وعدم الاطمئنان, أو المغالبة السياسية أو المزاحمة، وقد يقع لبعض الحركات أن تنفتح نحو السياسة وتضخم دورها وأهميتها، وكأن الإمساك بأزمتها يعني نهاية المشكلة والمعاناة، وهي رؤية ضيقة تجاوزتها حركات كثيرة؛ أدرَكَتْ أن التغيير يجب أن يستهدف سلوك الفرد وعقله, ومنحه الخبرات والمهارات والمعارف والأفكار الصحيحة، وليس أن نتصارع على الكراسي والمناصب بإقصائية متبادلة، وكل طرف يقول: أنا أو الدمار.
والعاقل يدرك اليوم أن الاقتصاد يمثل قوة ضغط لا يستهان بها، وقُل مثل ذلك في الإعلام، أو في التعليم، أو في مؤسسات المجتمع المدني، ومعاناة الأمة ليست في ساستها فحسب، بل في أنماط تفكيرها، ومسالك عيشها بما يتوجب معه اعتماد نظرة أوسع أفقاً، وأبعد عن المصادرة والأحادية والإقصاء والتصارع على السلطة، وأكثر هدوءاً وإدراكاً لإمكانيات الإصلاح والتغيير.
أسلوب المغالبة السياسية ضَيّقَ على كثير من المناشط, وحرمها من حقها المشروع في الحياة والمشاركة.
وهذا له حديث خاص قادم بإذن الله..
ما أردت قوله: أن من المجتمعات والأنظمة ما يضيق ذرعاً بحركة إسلامية تزاحمه في سلطته, أو تعتمد معارضة صرفة قد لا يحتملها، ولكن قد لا يضيق ذرعاً بالإسلام ذاته، بل ربما تقبله بقناعة، أو تقبله على أساس الأمر الواقع، أو حاول أن يعوض ويمنع الدعاية السلبية ضده باعتماد مدرسة إسلامية قد تكون ملونة باللون الذي يحب ويختار، ولكنها تستجيب لحاجة التدين في النفوس.
ليس إِدّاً من القول أن نصرح بأن الإسلام أكبر من الحركات وأبقى, والحركات هي محاولة بشرية يعتريها الخطأ, وتفتقر إلى التصحيح والاستدراك الدائم, ومحاربة روح التعصب والإصرار والإمعان، وقبول المراجعة، وتعاهد الناس بالتفريق بين التدين بالإسلام الذي هو حق الله على عباده؛ كما في محكمات الكتاب والسنة، وبين رؤية ظرفية اجتهادية, قد يحتشد حولها جمع من الناس فيصيبون ويخطؤون.
الإسلام أكبر من الدول والحكومات و المؤسسات، وكل أوعيته تذهب وتجيء ويبقى الإسلام, (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر/9].
وللحديث أطراف ذات أهمية؛ سأستكمل عرضها في مناسبات قادمة بإذن الله
فرد على الشيخ سيف الدين عابد برسالة سماها
رسالة من سيف الدين عابد الى سلمان العودة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى أله ومن والاه
يقول الحق سبحانه
( ما كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ). [آل عمران/79]
قال البغوي - رحمه الله ـ في تفسيره (ج 2 / ص 60) واختلفوا في قوله : ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾، قال علي وابن عباس والحسن:" كونوا فقهاء علماء" وقال قتادة: "حكماء وعلماء" وقال سعيد بن جبير: العالم الذي يعمل بعلمه، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس: "فقهاء معلمين". وقيل: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، وقال عطاء: "علماء حكماء نُصحاء لله في خلقه"، قال أبو عبيدة:" سمعت رجلا عالمًا يقول: الرباني العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي، العالم بأنباء الأمة ما كان وما يكون، وقيل: "الربانيون فوق الأحبار"، والأحبار: العلماء، والربانيون: الذين جمعوا مع العلم البصارة بسياسة الناس. قال المؤرّج : "كونوا ربانيين تدينون لربكم، من الربوبية" ...وقال المبرد: "هم أرباب العلم سُموا به لأنهم يربون العلم، ويقومون به ويربون المتعلمين بصغار العلوم"
إن من أهمّ أدوار العلماء، كما هو معلوم، حفظ الدين وبيان أحكامه، وإزالة اللبس عمّا غمّ على الناس منه،
وأن لا يخفوا على الناس حكما من أحكاما رغبة أو رهبة.
وحري بمن أراد أن ينزل منازل الأنبياء في وراثته للعلم والتبليغ عنهم لحفظ شريعتهم أن يتقرب إلى الله بشيء من صفاتهم، فيتصف بالتقوى، ويتصف بالورع والخشية من الله، ويتصف بأمانة التبليغ، ويتصف بإحقاق الحقوق، ويتصف بقوة البيان للحقّ كما بقوة البيان للباطل.
فالعالم إمّا أن يكون ربانيا بنقائه وصفائه وتقواه، وإما أن يكون غير ذلك بما ابتدع وأضلّ وأخفى من دين الله
قال ابن الاعرابي : " إذا كان الرجل عالما، عاملا، معلما، قيل له رباني، فإن خرم خصلة منها، لم يقل له رباني "
والعلم دين، ومن سلامة الدّين أن يسلم العلم وتصحّ مصادره، فلا يؤخذ من جاهل، ولا من الذين يغيّرون ويبدلون، ذلك أن المسلم لا يضمن سلامة دينه إن لم تتحقق سلامة من أخذ علمه عنه،
قال عبد الله بن مسعود http://naqed.info/forums/style_emoticons/default/rda.gif: " لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، فإذا أخذوه من أصاغرهم وشرارهم هلكوا"
والمسألة ليست بحثا في هذا العالم أو ذاك من ناحية أنه بحث مجرد، بل المسألة أننا نريد أن ناخذ ديننا ونستقيم في السير بحسبه بغض النظر عن أهمية هذا العالم أو ذاك، ففي النهاية لن يُحاسب الله العالم الذي ضلّ وأضل ويترك من اتبعه دون حساب، فكلّ تحت المساءلة واقعون، وأمام الله واقفون، وعلى النار سيعرضون، ولن ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
أيها الشيخ سلمان العودة، لقد زرت بلدا يعلم القاصي والداني ممن يهتم بأمر الاسلام والمسلمين أنه بلد ضاعت فيه الحقوق
ولم تسلم فيه أعراض المسلمين، ولم تراعى فيه ذممهم، ولا تُصان فيه شريعة الله، فهي منتهكة جهارا نهارا، لا يخفون تعديهم على الله ودين الله وعباد الله،
لقد زرت بلدا أيها الشيخ ضُربت فيه الأعناق، وامتُهنت فيه الحرائر من المسلمات، واعتدي فيه على كلّ مظهر من مظاهر القرب من الله ( بمنهجية ممنهجة ) وبقوانين لا يخفى فيها العداء لله ولدين الله ومحاربته!!
ألم تسمع أيها الشيخ بمحاربة ومطاردة المحجبات العفيفات ومنعهن من الدخول إلى حرم الجامعات والمعاهد والمدارس إلا بعد أن يبدين الطاعة ( لولي الأمر ) فيتكشّفن ويبدين ما حرّم الله أن يبدين؟
ألم يصل إلى مسامعكم الكريمة أنّ الحجاب ينزع عن المسلمات الطاهرات عنوة؟
ألم يعطوك أيها الشيخ ( بطاقة المصلّي) ويحددوا لك المسجد الذي تعبد الله فيه وتمنع من غيره أم أنهم رأوا أن ذلك لا ينطبق عليك كما ينطبق على كلّ أهل تونس من المسلمين؟!
ألم يقل لك أحد من البشر أن العُهر في تونس مقنّن تقنين رعاية لا تقنين منع وتجريم؟
وفوق ذلك وقبله وبعده، هل أوصلك علمك وعظيم اطّلاعك على شرع الله أن زين العابدين حاكم مسلم واجب الطاعة؟! أم أنه علماني لا يقيم وزنا لله ولا لدين الله، ويحاربه محاربة قذرة في كل سكناته وحركاته، وفي كلّ قوانينه وأنظمته؟ أم أنك لا ترى من يقرّ بالربا أنه قد آذن بحرب من الله؟
أيها الشيخ سلمان العودة:
لقد قلت كلاما ناقض وعاكس كلّ ما هو عليه حال تونس وحكّام تونس
والسؤال: لماذا قلته؟
رهبة؟
أم طمعا؟
أم خوفا؟؟
ألم يجل في خاطرك ولو لهنيهة من الوقت أن من أفتى تقيّة والناس تجهل فقد أضاعهم وضيّعهم؟؟
أن لم تكن تعلم ما تقول أيها الشيخ فاعلم أنك بما قلته عن تونس في مقالك هو تسويغ للحكم فيها
وتلميع للحاكم ونظامه، وتجميل لوجه بشع بشاعة من جاهر بمحاربة الله ورسوله والمؤمنين
وإعطاء كل المسوغات لذاك النظام أن يوغل في محاربته للمسلمين ولشريعة الله، ذلك أنه سيعتمد الآن على قولك وقول من هم مثلك حين مدحتموه
لو أنك يا شيخ عودة من آحاد الناس لكانت النصيحة واجبة في الخفاء قبل الإعلان، لمظنة الجهل ولرفع عذره عندك
أمّا وأنك لست من آحادهم، ولأن من يستقي منك ويأخذ عنك، ويثق برأيك من الناس كثر فقد لزم أن يكون النصح لك على مستوى معرفة الناس بك، أي عامة لا خاصة، فلعلك ترجع عمّا بدر منك، وتستغفر ربّك الذي يعلم الجهر وما خفي، وأن تجعل دين الله فوق كلّ مصلحة دنيوية كائنة ما كانت، وأن تعلم أن في الرجوع إلى الله في كلّ أمر فيه الخير كلّ الخير لك وللمسلمين أجمعين، وأن ترتفع فوق ذاتك فلا تجعل مقياس الرجوع من عدمه صورتك أو ما ينطبع عند الناس في أذهانهم عنك، فيكون الرجوع لله خالصا.
فإنك تلبس حلية طيبة ( العلم ) فخذها بحقها أو اتركها إخلاصا لله وشريعة الله
ولا تضعنّ في ذمّتك أهوالا تشيب منها الولدان حين يسألك المسلمون في تونس أمام الله قائلين لك: لم ظلمتنا؟ لم أعنت الظالم علينا بكلمتك؟
وحين تحاسبك الحرائر يوم لا ينفعك مال ولا سلطان أمام الله قائلين لك: لم فضحت عورتنا وكشفتها؟ حين أعنت الحاكم وزينت له سوء عمله؟
ولم تريدنا – تضيف الحرائر – أن نكتسي بالعري، وأن نزيل عن أجسادنا طهارة أمرنا الله بها؟؟
نعم أيها الشيخ، أنت قلت لهم ولهنّ ذلك حين نفيت عن الحاكم ونظامه في تونس أنهم يحاربون الله ورسوله والمؤمنين، أنت عالم وتعلم أن الكلمة التي قلتها وإن كانت غير مباشرة فإنها لا تعطي غير هذه المعاني!!
فهل تصبر أمام الله؟
وهل عندك الجلد أن تتحمّل ما قلت أمام العلي الجبار المتعال؟
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا )
وصدق ربّي وهو يقول:
( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا )
والحمد لله ربّ العالمين
سيف الدين عابد
ملاحظة إن كان لأحدنا تعقيبا على كلام الشيخ فليسلك مسلك صاحب الرسالة في الأدب والإحترام والله الموفق
__________________