المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإغراق في الجزئيات


ابو الزبير
06-25-2009, 11:39 AM
الإغراق في الجزئيات ظاهرة سلبية / للشيخ سلمان العودة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أيها الأحبة: لا أشبه نفسي بين أيديكم في هذه الأمسية المباركة، في ليلة الخميس السابع عشر من شهر ربيع الثاني لسنة (1412هـ) إلا كما يكون الطالب إذا وقف في صالة الامتحان, وأراد أن يكتب ما في ذهنه من الجواب, فرأى أن أمامه سؤالاً طويلاً عريضاً يستغرق الجواب عنه ساعات وساعات. فقد تجشمت على إعلان هذا الموضوع، أو الموافقة عليه، ألا وهو: الإغراق في الجزئيات، وكنت أحسبه موضوعاً محدوداً يمكن أن يمر به الإنسان في ساعة أو بعض ساعة، فلما فكرت في هذا الموضوع وتأملت وقلبت وجوهه، وناقشته مع جمع من الدعاة والعلماء والمفكرين، وراجعت فيه ما راجعت، تبين لي أن هذا الموضوع أكبر من أن تحيط به جلسة، أو يحده حديث عابر، إذ أن الإغراق في الجزئيات كظاهرة سلبية في حياة المسلمين اليوم، بل ومنذ عشرات السنين، ليست ظاهرة محصورة في جانب فحسب، ليست خطأ يعيشه الدعاة مثلاً فقط، وإنما هي خطأ يعيشه المسلمون في كل مجالات حياتهم بدون استثناء، فهم مغرقون في الجزئيات في أدق أمورهم وفي أعظمها، واشتغالهم بالجزئيات شغلهم عن العناية بالكليات، والاهتمام بمعالي الأمور.
http://audio.islamweb.net/audio/fasil.gif
إعطاء كل مسألة حقها في الإسلام
http://audio.islamweb.net/audio/parbotton.gif
إذاًً: البحث والدليل رائد الجميع، ونحن لا ننتقد أحداً أن يتكلم في قضية من قضايا الدين، لكن ينبغي أن يتكلم بتعقل وموضوعية، واتباع للدليل، من كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله عليه السلام، أو إجماع الأمة، وكذلك ينبغي أن يكون الحديث عن الموضوعات بحسب أهميتها وثقلها في ميزان الإسلام. وإزاء هذين الطرفين المتقابلين: طرف المهتمين بالجزئيات، وطرف الذين يهونون من شأنها؛ كان لابد من طرح هذا الموضوع؛ ولذلك أحببت طرحها، مع أنني أقول: إن هذه القضية ليست قضية الدعاة فحسب، بل هي قضية المسلمين. لو أتيت إلى الرجل في بيته، وجدته يهتم بالجزئيات وينسى الكليات، ولو أتيت إلى المسئول في إدارته؛ لوجدت أنه يهتم بالجزئيات وينسى الكليات، ولو أتيت إلى المدرس لوجدته كذلك، ولو أتيت إلى الداعية لوجدته كذلك، هكذا الخبير الاقتصادي أو السياسي لوجدته كذلك! إذاً: العناية بالجزئيات وإهمال الأصول والكليات هو داء مستحكم في حياة المسلمين، وقبل أن يكون مستحكماً في حياتهم، هو داء مستحكم في عقولهم.

أعلى الصفحة (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=120457#top)
http://audio.islamweb.net/audio/fasil.gif
الدين كله لب
http://audio.islamweb.net/audio/parbotton.gif
مع أننا نقول في حقيقة الأمر: هذا كله دين، الكبير والصغير، والأصل والفرع، والجزء والكل، فكل ما يتعلق بقضية الإسلام فهو دين، وفي الحديث المعروف حديث عمر (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=157&ftp=alam&id=1000033&spid=157) وأبي هريرة (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=ft&sh=157&ftp=alam&id=1000136&spid=157)، لما جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله عن الإحسان والإيمان والإسلام كان من ضمن ما سأله -في بعض الروايات- عن قضايا تفصيلية عديدة مثل قضايا الغسل من الجنابة وغيرها، ومع ذلك لما انتهى قال: {هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم} فكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فهو دين ينبغي الاهتمام والعناية به، وألاّ يكون محط سخرية أو استهزاء أو نقد من أحد، لكن ينبغي أن يعطى كل ذي حق حقه، ويوضع كل شي في نصابه.

أعلى الصفحة (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=120457#top)
http://audio.islamweb.net/audio/fasil.gif
إثارة بعض الدعاة للجزئيات
http://audio.islamweb.net/audio/parbotton.gif
إن من العجيب أيها الأحبة: أن بعض هؤلاء الدعاة الذين يزعمون أو يعتقدون، أنهم يحاولون الإصلاح والتغيير، هم الذين يتسببون في كثير من الأحيان في إثارة بعض الجزئيات، وإشغال الناس بها، وصرفهم عما عداها من معالي الأمور، هم الذين يتسببون في ذلك؛ لأنهم يطرحون وجهات نظرهم بطريقة غريبة، وطريقة استفزازية، وغير موضوعية وغير صحيحة أيضاً. ولعل أقرب مثال: أن أحد كبار المفكرين، كتب قبل يومين في جريدة سيارة في هذه البلاد وكُتب بخط عريض: لا يوجد دليل من القرآن والسنة -أو كلمة نحو هذا- على تغطية المرأة وجهها!! فإذا أثار هذه القضية فمن الطبيعي أن يكون هناك نقد ورد وأخذ وعطاء في هذه المسألة، وليس صحيحاً أن يطرح إنسان وجهة نظره في قضية معينة ثم إذا طرحت وجهة نظر معارضة قال: يا أخي! وجزئيات، وقشور، هذه توافه. حسناً إذا كان الأمر كذلك فلماذا تشتغل بها أنت؟ ولماذا تتحدث عنها؟ ولماذا لا تنصرف إلى ما تعتقد أنه أهم منها وأجدى وأنفع للمسلمين في دينهم ودنياهم؟؟!

أعلى الصفحة (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=120457#top)
http://audio.islamweb.net/audio/fasil.gif
الناس وجزئيات المسائل
http://audio.islamweb.net/audio/parbotton.gif
لقد بُلينا بطائفة من المسلمين، بل وأحياناً من الدعاة إلى الله تعالى الذين هم على الافتراض من خيار المسلمين، همهم تحول إلى العناية بفروع المسائل وجزئياتها، فأسهروا ليلهم وأمضوا نهارهم في قتل هذه المسائل والجدال حولها، حتى لكأنها الدين كله، أو أنها من أهم مسائل الدين، مع أنها يمكن أن تكون سنة من السنن، حتى أنَّ من تركها متعمداً لن يكون عليه في ذلك حرج ولا تثريب، وإن كان الأولى بالمسلم أن يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم في دقيق الأمور وجليلها. وفي مقابل ذلك بُلينا بطائفة أخرى، أرادت فيما تزعم أن تعالج هذا الداء؛ فتحول الأمر عندها إلى إهمال كامل للجزئيات، واعتبار أن هذه الجزئيات عبارة عن قشور، أو كما يقول بعضهم: عبارة عن توافه لا قيمة لها ولا ينبغي الاشتغال بها، بل أصبحت موضعاً للسخرية والنقد والتندر، من طائفة -مع الأسف- من الدعاة والوعاظ والعلماء والمفكرين.

أعلى الصفحة (http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=120457#top)
http://audio.islamweb.net/audio/fasil.gif
جهود مبعثرة في الدعوة إلى الله
http://audio.islamweb.net/audio/parbotton.gif
أيها الأحبة: ومن ذلك قضية الدعوة إلى الله تعالى، فإن الدعوة إلى الله والتعليم ونشر العلم لا تزال جهوداً مبعثرة، يقوم بها أفراد محتسبون لوجه الله تعالى، يتحرك كل منهم بحسب اهتماماته، وبحسب طاقته، وبحسب مستواه ومداركه العقلية، ولا يكاد يوجد إطار عام يتحرك فيه الدعاة والعلماء، أو على أقل تقدير أن يوجد خطوط عريضة تستطيع أن توجه المسلمين إلى الاهتمام بالأمور بحسب أهميتها، فيعطي كل ذي حق حقه، ولا يجار على شيء على حساب شيء آخر. إننا في أمس الحاجة إلى من يقول لنا: هذا أمر كبير وهذا أمر صغير، وهذا أصل وهذا فرع، وهذا مهم وهذا أهم، وهذا يبدأ به اليوم وهذا يؤخر إلى الغد. ولكن هذه الكلمة نستطيع أن نقول: إننا لا نكاد نسمعها الآن على أي مستوى، فكل واحد منا لديه اهتمامات، اهتمام بقضايا سواء من أمور الفقه، أو من أمور الأحكام العملية التفصيلية الأخرى، أو من أمور بعض القضايا العلمية، أو من أمور الاقتصاد، أو من أمور السياسة، أو من أمور الإدارة، وتجد أنه يدور حول هذه القضايا التي تشغله دون أن يفكر، هل اهتمامه بهذا الأمر صحيح، أم أنه يجب أن يصرف الاهتمام إلى ما هو أجدى وأهم؟

أبو المهند
06-25-2009, 11:55 AM
جزاك الله خيرا على الموضوع

وفقك الله