ابو الزبير
06-18-2009, 03:33 AM
الحلقة الثالثة
ثالثا: قواعد العدل والإنصاف :
فإن العدل فضيلة مطلقة ؛ لا تقييد في فضله ؛ فهو ممدوح في كل زمان وكل مكان ، وكل حال ، ممدوح من كل أحد ، مع كل أحد ، بخلاف كثير من الأخلاق ؛ فإنه يلحقها الاستثناء والتقييد .
ولهذا اتفقت على فضله الشرائع والفطر والعقول ، وما من أمة أو أهل ملة إلا يرون للعدل مقامه .
وبالعدل تحصيل العبودية لله وحده ، وبه تُعطى الحقوق وتُرد المظالم ، وبه تأتلف القلوب ؛ لأن من أسباب الاختلاف الظلم والبغي والعدوان ، وبه يُقبل القول ، أو يعذر قائله ، وبه تحصل الطمأنينة والاستقرار النفسي
وإذا أراد المرء أن يمتحن نفسه في العدل ، وأن يمحص دعواه الإنصاف فليتحقق في نفسه أموراً إن وجدها كان حرياً بوصف العدل ، وإن فقدها فهو على خطر :
فمنها : تحصيل العلم الشرعي ؛ فتحقيق المسائل التي يُحكم بها على الآخرين ضروري لتحقيق العدل مع الناس ، ومن قصّر في تحصيله فليس بمعذور أن يحكم أو يتعامل مع أحد بمعاملة يكرهها .
ومنها : التأني ، وأن يجعل للزمن مجالاً قبل الكلام في حق شخص أو مؤسسة .
ومنها : العلم بواقع الحال ، من معرفة حال الشخص الذي نتعامل معه ، أو نحكم عليه من ناحية علمه وجهله بما فعله ، والأسباب والدوافع لذلك الفعل ، وأسباب المعذرة ، ومعرفة ما لديه من حسنات قد تغمر ما بدا منه من خطأ أو زلل .
فهذا حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه فعل أمراً عظيماً بتسريب خبر توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة لغزوها ؛ فتأنى النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله عن الفعل أولاً بقوله : يَا حَاطِبُ مَا هَذَا ؟ ، ثم سأله عن السبب ؛ بقوله : "ما حملك على هذا" ؟ وهذا يدل أن للأسباب والدوافع تأثيراً في الحكم ، ثم أعفاه من العقوبة ؛ حين وازن بين سيئاته وحسناته فقال : "وما أدراك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" .
ومنها : اتهام النفس ؛ فإنه بداية تلمس أسباب العدل ، والوقوف على ما يعين عليه ، ومتى كان المرء مزرياً على نفسه متهماً لها ، يتوقع منها الخلل والزلل والهوى كان أبعد الناس عن الوقوع في الظلم والعدوان .
ومن أسباب العدل :-
- أن ينظر إلى أعماله السابقة ، وأحكامه السالفة ، وكذلك أحوال الظلمة ؛ فكثير من الناس يكون جوره وظلمه بسبب توتره واضطراره إلى علاج الحالة في ضيق من الزمان أو المكان ، أو ضغط الأحوال والأشخاص الذين يحيطون به ؛ فإذا تجرد من هذه المؤثرات فقد يلوح له وجه تعسفه.
- الشجاعة الأدبية مع من يخافهم أو يحبهم أو يرجوهم ؛ فهو قوي شجاع عند تكبير محبيه أو شماتة أعاديه ؛ فإن جرب من نفسه ضعفاً عندها وخوراً في مواجهة ذلك فهو محل للحيف والظلم ؛ فليكن على حذر .
- أن يجعل نفسه مكان من يتعامل معه أو يحكم عليه ؛ فإذا كان في مكانه أراد منه في معاملته أو حكمه أن يكون قائماً بالقسط مستكملاً أسباب العدل ؛ فإذا استشعر ذلك كان هو معه كذلك .
ومن قواعد العدل:
1-أن يحمل كلام المخالف على أحسنه :
1- الكلام ملك لصاحبه المخالف ، وهو أولى الناس بتفسيره ، وما دام أنه حمَّال أوجه لم يجز أن نختار منها ما نشاء للحكم عليه ؛ لا سيما والمرء في سعة من الحكم عليه ؛ فليس التعامل معه بالدرهم والدينار ، ولا في مصاهرته ، وإنما هو حكم أو وصف لا يحتاج إلى أن يتكلم بهما .
وأما الرد والبيان فلا يمنع منه كون الكلام محتملاً ؛ فلو خشي أحد من تأثير كلامه فلينكر ذلك مع الاحتراز له بأن يقول : إن كان المعنى المقصود كذا فهو حق وإلا فهو باطل ، ونحو ذلك .
2-أن لا يفجر في خصومته :
فمهما بلغ المخالف في مخالفته فلا يجوز أن يظلم أو يجار عليه ، أو أن يُكذب عليه ، أو أن يُزاد في حديثه ما لم يقله .
3-أن يقارن خطأه بخطأ غيره ممن عذره :
فإن كان خطؤه مثله أو قريبا منه ، وكان في ظروف مماثلة ، وقد عذرنا غيره ؛ فلتسعه المعذرة أيضاً ، ولا تكن المعاصرة ، أو كون المخالف مقدما عند طائفة حاضرة سبباً للكيل بمكيالين .
4- أن يعتبر حسناته ، ويوازنها بسيئاته :
فمن قواعد التعامل مع المخالفين أن يُنسب الفعل الذي خالف فيه إلى بقية أعماله الأخرى ؛ فإن غلب خير الشخص على شره كان الحكم للغالب ، وكان الحكم الجملي عليه بذلك .
إن لبعض الناس قابلية شديدة لعلوق الأشياء القذرة في قلبه فيما لا تقبل علوق الأشياء الخيرة ؛ فتخرج النتيجة المرة البئيسة : أنه لا يراه إلا من خلال أخطائه ، فيسقط اعتباره بالكلية ، ويتولد في قلبه من الحقد والكراهية ما يحمله على العدوان عليه وبخسه حقوقه .
ويزين له الشيطان أنه إنما فعل ذلك نصرة لدينه وغيرة على عقيدته .
فهذا النبي صلى الله عليه وسلم جعل مسيره إلى قريش في سراً ؛ ليجعل من عنصر المفاجأة سببا لحسم المعركة ؛ فقام حاطب بن أبي بلتعة بعمل خطير آثاره مدمرة حيث سعى لتبليغ المشركين بذلك .
فماذا فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ لقد جعل من حسناته سببا للعفو عنه .
وإذا رجعت إلى الواقع وجدت أن أكثر الخلاف وأكثر العدوان على المخالفين راجع إلى ترك هذه القاعدة أو التفريط فيها .
فكثير ممن فوقت لهم سهام العدوان ، وتمزقت الأمة بسببه هو ضياع هذا الأصل .
5-أن لا يخضع في تعامله معه لتصنيف :
صار عسيرا على كثير من الناس أن يرى إنسانا آخر ، أو يسمع به فضلاً عن يدخل معه في حديث أو علاقة بله أن يختلف معه إلا رأيته في سر أو علن يبحث عمن يكون هذا الشخص ؟ .. في توجهه .. في تاريخه .. في جغرافيته ؛ ليجعل من هذه التصنيفات أساساً للحكم عليه والتعامل معه .
ليس ذلك لفهم النفسيات ومحاولة الوصول إلى حلول لمشاكله ؛ وإنما لأسباب غير مفهومة ؛ حتى صارت هذه التصنيفات قيوداً في حركة المصنِّف عن الانطلاق مع الآخرين ، وعشىً في الرؤية ؛ بما ينتهي ظلما في التعامل ، وجوراً في الأحكام .
ولهذا لا يتحقق تمام العدل مع المخالف إلا بالتخلص من هذه العادة النفسية البئيسة ؛ وذلك لننتفع من الخلق وننفعهم بعيدا عن أي صوارف أو مؤثرات.
وليحذر المرء أن يذهب لبه وديانته حين يرى حمى التصنيف ، وفوضى التهم ، والالتفاف حول الهويات المتنوعة ؛ فيحمله ذلك على خوض هذا الغمار ، والدخول تحت ذلك الغبار ؛ فصاحب اللب والديانة أكرم على الله من ذلك
ومن الجور في التعامل مع المخالف أن يخضع المرء في تعامله معه لتصنيف بحيث ينظر إلى الآخرين من زاوية مذهبه وحزبه وإقليمه ؛ حتى لو لم يصنف هو أحداً ؛ فلن يكون عادلاً منصفاً إلا إذا جعل ميزان الحكم على الآخرين والتعامل معهم بناء على ما يقولون ويفعلون مجرداً من أي تأثيرات أخرى ، وبحسب الأدلة والقواعد ، وإلا سلك طريق الظلم والعدوان دون أن يدري ، وإن كان ديناً صالحاً.
ثالثا: قواعد العدل والإنصاف :
فإن العدل فضيلة مطلقة ؛ لا تقييد في فضله ؛ فهو ممدوح في كل زمان وكل مكان ، وكل حال ، ممدوح من كل أحد ، مع كل أحد ، بخلاف كثير من الأخلاق ؛ فإنه يلحقها الاستثناء والتقييد .
ولهذا اتفقت على فضله الشرائع والفطر والعقول ، وما من أمة أو أهل ملة إلا يرون للعدل مقامه .
وبالعدل تحصيل العبودية لله وحده ، وبه تُعطى الحقوق وتُرد المظالم ، وبه تأتلف القلوب ؛ لأن من أسباب الاختلاف الظلم والبغي والعدوان ، وبه يُقبل القول ، أو يعذر قائله ، وبه تحصل الطمأنينة والاستقرار النفسي
وإذا أراد المرء أن يمتحن نفسه في العدل ، وأن يمحص دعواه الإنصاف فليتحقق في نفسه أموراً إن وجدها كان حرياً بوصف العدل ، وإن فقدها فهو على خطر :
فمنها : تحصيل العلم الشرعي ؛ فتحقيق المسائل التي يُحكم بها على الآخرين ضروري لتحقيق العدل مع الناس ، ومن قصّر في تحصيله فليس بمعذور أن يحكم أو يتعامل مع أحد بمعاملة يكرهها .
ومنها : التأني ، وأن يجعل للزمن مجالاً قبل الكلام في حق شخص أو مؤسسة .
ومنها : العلم بواقع الحال ، من معرفة حال الشخص الذي نتعامل معه ، أو نحكم عليه من ناحية علمه وجهله بما فعله ، والأسباب والدوافع لذلك الفعل ، وأسباب المعذرة ، ومعرفة ما لديه من حسنات قد تغمر ما بدا منه من خطأ أو زلل .
فهذا حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه فعل أمراً عظيماً بتسريب خبر توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة لغزوها ؛ فتأنى النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله عن الفعل أولاً بقوله : يَا حَاطِبُ مَا هَذَا ؟ ، ثم سأله عن السبب ؛ بقوله : "ما حملك على هذا" ؟ وهذا يدل أن للأسباب والدوافع تأثيراً في الحكم ، ثم أعفاه من العقوبة ؛ حين وازن بين سيئاته وحسناته فقال : "وما أدراك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" .
ومنها : اتهام النفس ؛ فإنه بداية تلمس أسباب العدل ، والوقوف على ما يعين عليه ، ومتى كان المرء مزرياً على نفسه متهماً لها ، يتوقع منها الخلل والزلل والهوى كان أبعد الناس عن الوقوع في الظلم والعدوان .
ومن أسباب العدل :-
- أن ينظر إلى أعماله السابقة ، وأحكامه السالفة ، وكذلك أحوال الظلمة ؛ فكثير من الناس يكون جوره وظلمه بسبب توتره واضطراره إلى علاج الحالة في ضيق من الزمان أو المكان ، أو ضغط الأحوال والأشخاص الذين يحيطون به ؛ فإذا تجرد من هذه المؤثرات فقد يلوح له وجه تعسفه.
- الشجاعة الأدبية مع من يخافهم أو يحبهم أو يرجوهم ؛ فهو قوي شجاع عند تكبير محبيه أو شماتة أعاديه ؛ فإن جرب من نفسه ضعفاً عندها وخوراً في مواجهة ذلك فهو محل للحيف والظلم ؛ فليكن على حذر .
- أن يجعل نفسه مكان من يتعامل معه أو يحكم عليه ؛ فإذا كان في مكانه أراد منه في معاملته أو حكمه أن يكون قائماً بالقسط مستكملاً أسباب العدل ؛ فإذا استشعر ذلك كان هو معه كذلك .
ومن قواعد العدل:
1-أن يحمل كلام المخالف على أحسنه :
1- الكلام ملك لصاحبه المخالف ، وهو أولى الناس بتفسيره ، وما دام أنه حمَّال أوجه لم يجز أن نختار منها ما نشاء للحكم عليه ؛ لا سيما والمرء في سعة من الحكم عليه ؛ فليس التعامل معه بالدرهم والدينار ، ولا في مصاهرته ، وإنما هو حكم أو وصف لا يحتاج إلى أن يتكلم بهما .
وأما الرد والبيان فلا يمنع منه كون الكلام محتملاً ؛ فلو خشي أحد من تأثير كلامه فلينكر ذلك مع الاحتراز له بأن يقول : إن كان المعنى المقصود كذا فهو حق وإلا فهو باطل ، ونحو ذلك .
2-أن لا يفجر في خصومته :
فمهما بلغ المخالف في مخالفته فلا يجوز أن يظلم أو يجار عليه ، أو أن يُكذب عليه ، أو أن يُزاد في حديثه ما لم يقله .
3-أن يقارن خطأه بخطأ غيره ممن عذره :
فإن كان خطؤه مثله أو قريبا منه ، وكان في ظروف مماثلة ، وقد عذرنا غيره ؛ فلتسعه المعذرة أيضاً ، ولا تكن المعاصرة ، أو كون المخالف مقدما عند طائفة حاضرة سبباً للكيل بمكيالين .
4- أن يعتبر حسناته ، ويوازنها بسيئاته :
فمن قواعد التعامل مع المخالفين أن يُنسب الفعل الذي خالف فيه إلى بقية أعماله الأخرى ؛ فإن غلب خير الشخص على شره كان الحكم للغالب ، وكان الحكم الجملي عليه بذلك .
إن لبعض الناس قابلية شديدة لعلوق الأشياء القذرة في قلبه فيما لا تقبل علوق الأشياء الخيرة ؛ فتخرج النتيجة المرة البئيسة : أنه لا يراه إلا من خلال أخطائه ، فيسقط اعتباره بالكلية ، ويتولد في قلبه من الحقد والكراهية ما يحمله على العدوان عليه وبخسه حقوقه .
ويزين له الشيطان أنه إنما فعل ذلك نصرة لدينه وغيرة على عقيدته .
فهذا النبي صلى الله عليه وسلم جعل مسيره إلى قريش في سراً ؛ ليجعل من عنصر المفاجأة سببا لحسم المعركة ؛ فقام حاطب بن أبي بلتعة بعمل خطير آثاره مدمرة حيث سعى لتبليغ المشركين بذلك .
فماذا فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ لقد جعل من حسناته سببا للعفو عنه .
وإذا رجعت إلى الواقع وجدت أن أكثر الخلاف وأكثر العدوان على المخالفين راجع إلى ترك هذه القاعدة أو التفريط فيها .
فكثير ممن فوقت لهم سهام العدوان ، وتمزقت الأمة بسببه هو ضياع هذا الأصل .
5-أن لا يخضع في تعامله معه لتصنيف :
صار عسيرا على كثير من الناس أن يرى إنسانا آخر ، أو يسمع به فضلاً عن يدخل معه في حديث أو علاقة بله أن يختلف معه إلا رأيته في سر أو علن يبحث عمن يكون هذا الشخص ؟ .. في توجهه .. في تاريخه .. في جغرافيته ؛ ليجعل من هذه التصنيفات أساساً للحكم عليه والتعامل معه .
ليس ذلك لفهم النفسيات ومحاولة الوصول إلى حلول لمشاكله ؛ وإنما لأسباب غير مفهومة ؛ حتى صارت هذه التصنيفات قيوداً في حركة المصنِّف عن الانطلاق مع الآخرين ، وعشىً في الرؤية ؛ بما ينتهي ظلما في التعامل ، وجوراً في الأحكام .
ولهذا لا يتحقق تمام العدل مع المخالف إلا بالتخلص من هذه العادة النفسية البئيسة ؛ وذلك لننتفع من الخلق وننفعهم بعيدا عن أي صوارف أو مؤثرات.
وليحذر المرء أن يذهب لبه وديانته حين يرى حمى التصنيف ، وفوضى التهم ، والالتفاف حول الهويات المتنوعة ؛ فيحمله ذلك على خوض هذا الغمار ، والدخول تحت ذلك الغبار ؛ فصاحب اللب والديانة أكرم على الله من ذلك
ومن الجور في التعامل مع المخالف أن يخضع المرء في تعامله معه لتصنيف بحيث ينظر إلى الآخرين من زاوية مذهبه وحزبه وإقليمه ؛ حتى لو لم يصنف هو أحداً ؛ فلن يكون عادلاً منصفاً إلا إذا جعل ميزان الحكم على الآخرين والتعامل معهم بناء على ما يقولون ويفعلون مجرداً من أي تأثيرات أخرى ، وبحسب الأدلة والقواعد ، وإلا سلك طريق الظلم والعدوان دون أن يدري ، وإن كان ديناً صالحاً.