المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قواعد فق التعامل مع المخالفين (1)


ابو الزبير
06-18-2009, 03:30 AM
قواعد فقه التعامل مع المخالفين
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله؛
وبعد
فهذا تلخيص للبحث القيم الذي جمعه الشيخ الفاضل سليمان الماجد في فقه التعامل مع المخالف ، ولأهمية الموضوع رأيت تلخيصه ووضعه ها هنا في حلقات، وأرجو ألا يكون فيه إخلال بكلام الشيخ حفظه الله.

مدخل :
كان من سنن الله تعالى في خلقه أن جعلهم مختلفين في أشياء كثيرة : في ألسنتهم وألوانهم ، وفي طبائعهم وميولهم النفسي والعقلي والعاطفي ، وفي آرائهم ونظراتهم في الدين والنفس والمجتمع وما يحيط بهم :
قال تعالى : "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)" هود .
والمخالف هو كل من خالفك في أي شيء ؛ فهو الوثني والملحد والكتابي والمرتد والمنافق والمبتدع بدعة اعتقادية والمبتدع بدعة عملية ، وهو المنازع في المسائل الفقهية القطعية والظنية ، وكذلك في المناهج المختلفة ، سواء كانت دعوية أو سياسية أو عملية أو في أي صعيد . فكل من لا يرى رأيك أو عملك فهو لك مخالف .
وكل هؤلاء المخالفين ينبغي أن يعاملوا بقواعد العدل التي دلت عليه الشريعة . وإن كان الكلام في أكثره هنا إنما هو على المخالفين من أهل السنة .

الأثر المقصدي والشرعي لفقه الخلاف :
إذا تحقق فقه الخلاف كما أراده الله تعالى فإن لذلك آثاراً عظيمة في النفس والمجتمع ؛ فمنها :
تحقيق العبودية لله :
يتحقق بإحياء فقه الخلاف أشرف المعاني ، وأجل المقاصد : إنه توحيد الله ، وتمام العبودية له جل شأنه في خطرات الإنسان ، وتفكيره تجاه الآخرين ، وفي تعامله معهم .
يحصل به التمحيص والامتحان :
فالخلاف مضيق لآراء الناس ومواقفهم ، وعند المضايق يذهب اللب ، وإذا ذهب اللب فلا تسأل عن ضياع حقوق المخالف ؛ بل ضياع الحق نفسه في أحيان كثيرة .
فيحصل بفقه الاختلاف صبر النفس على الاستماع إلى الآخرين ، وإلى وجهات نظر متعددة ؛ فينظر إلى المسائل التي يعرض لها بزوايا مختلفة تكشف له محل الغموض ؛ فيحصل من التحقيق ، وكثرة الصواب ما لا يخطر له على بال .
تحقيق الألفة ، وقطع أسباب الشحناء :
إن العلاقة بالمخالف من الأهمية بمكان ؛ لأن اختلال ميزانها يؤدي إلى الاختلاف المذموم المفضي إلى فساد الأحوال في الدين والدنيا .
قال الله عز وجل : "وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)" آل عمران .
ولم يشرع النبي صلى الله عليه وسلم في بناء المجتمع والدولة ـ بعد هجرته ودخوله المدينة ـ إلا بعد أن آخى بين المهاجرين والأنصار .
وحين ضاع فقه الاختلاف نهاية القرن الثالث ظهرت آثار مدمرة من الشحناء والعداوات انقشعت أغبرتها على ضياع المصالح ، وتسلط الأعداء ، وكان من أبرز مظاهر هذه العصور الضعف السياسي والاقتصادي والعلمي والعسكري
تحقيق المقاصد في شمول وإتقان :
فإن تضييع فقه الاختلاف ينتج عزلاً لأهل المنهج الحق وتناقصاً في قوة نفوذهم وسلطانهم .

وهذه أهم قواعد التعامل مع المخالفين :
أولا: قواعد عمل القلب :
1-الخشية :
وكان من أعظم صفات العلماء هي الخشية والعمل المخلَص ، قال جل شأنه : "إنما يخشى الله من عباده العلماء" وقال الله تعالى : "أمن هو قانت آناء الليل يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب" .
وزوال الخشية أو نقصها فهي من أعظم أسباب العدوان على المخالفين وبخسهم حقوقهم ؛ حيث يحل محلها الهوى .
فليست أزمة قبول الحق والإذعان له أزمة علمية ، أو معضلة في البحث والتحقيق ، ولكن الأزمة الكبرى هي في التجرد من الهوى ، والمؤثرات المتعلقة به .
وهوى الإنسان يكون في نفسه وفي والده وولده ، وفي منصبه وجاهه ، وفي ماله ووطنه وعشيرته ، وما يراه وفاء لشيخه ، أو رعاية لتلاميذه وأتباعه ومحبيه أن يقول أو يفعل ما يخذلهم .
وصارت روابط العرق أو البلد أو الإقليم أو الحزب وعلاقة الشيخ بالتلميذ تدفع حتى بعضاً من المهتمين بالشأن الإسلامي إلى العمى عن رؤية الحق ، ومن ثم العدوان على المخالفين .
ولعل أظهر ما يدل على ذلك أن بعض المسائل الفقهية التي قوي فيها الخلاف ؛ بل ثبت فيها الأخذ بالقولين من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة والعلماء من بعدهم ترى في بعض الأزمنة أو الأمكنة عدواناً مبينا على المخالف فيها ؛ فتُساء به النيات ، وتذهب فيه الظنون كل مذهب ، ثم لا ترى وصفاً مؤثراً لهذا العدوان إلا مخالفة السائد في هذا المكان أو ذلك الزمان .
وتظهر آثار الهوى في مظاهر منها : عدم العناية بتأصيل المسائل التي قد تخالف سائداً ، وكراهة بحثها ، خشية من الوصول إلى نتائج لها تبعات . ومنها : أنك تراه إذا حط أحد على مبغض له لم يدافع عنه بطلب محاسنه ؛ بل تظهر منه علامة الإعجاب والرضا . وإن حط أحد على محبوب بدا غضبه ، وثارت ثائرته . ومنها حياؤه من عرض طروحات صحيحة يقول أو يعمل بها فريق ، أو تيار آخر

2-أن يكون مقصود المخالفة براءة الذمة بالبيان للأمة :
ينطوي قلب المؤمن على نية حسنة وسريرة صافية ؛ فهو لا يريد من مخالفته لأحد إلا تعظيم الحق والبحث عن الحقيقة ، ولا غرض له فيما سوى ذلك ؛ كتقديس النفس أو الهوية أو الانتصار لهما ، ومتى علم الله ذلك منه حصل له من القبول ومحبة الخلق وانتفاعهم به ما يرفع الله به قدره ، ويخلد به ذِكْره .
وقد تشوهت هذه المعاني السامية عند بعض الناس ؛ فحل محل الإخلاص : الرياء والتصنع ، ومحل الحرص على الهداية : محبة النفس والدوران حول الذات وتعظيم الهوية الترابية من بلد أو عرق أو حزب أو عادة ومألوف .
فأصبح النزاع والخلاف المعلن لله وهو في الحقيقة بين الذوات ، أو الهويات المختلفة ؛ فما أعظم الذنب وأكبر المصيبة إذا جعل المخالف تعظيم الله لافتة يخفي تحتها أخس المعاني الترابية .
وإذا بلغ الأمر هذا الحد فلا تسأل عن الفوضى العلمية ، ولا عن التدابر والعدوان على المخالفين من كل فريق .
قال في "الاستغاثة" (1/380) ( .. أئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العدل والإيمان والرحمة ؛ فيعلمون الحق الذين يكونون به موافقين للسنة ، سالمين من البدعة ، ويعدلون على من خرج منها ولو ظلمهم.. ويرحمون الخلق ؛ فيريدون لهم الخير والهدى والعلم ، لا يقصدون الشر ابتداءً ؛ بل إذا عاقبوهم وبيَّنوا خطأهم وجهلهم وظلمهم كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق

3-أن يحرص على الانتفاع من المخالف :
من أعظم أسباب تأبي الحق على القلوب الكبرُ ، وإشعار المرء نفسه أو الآخرين بأنه إنما بُعث إليهم هادياً لا يقبل مع ذلك توجيها أو تصحيحاً من أحد ، وأن على الناس الاستماع إلى قوله وتوجيهاته ونصائحه .
وأكمل الأحوال أن يوطن المرء نفسه للانتفاع من المخالف مهما كانت ديانته وجنسه ، وأن يعلم أن هذا من أظهر علامات حسن قصده من إظهار الخلاف .
وهذا يوطن لأمرين مهمين :
الأول : تهيئة النفس لقبول الحق ؛ فزوال الكبر سبب من أسباب ذلك .
والثاني : التواضع للخلق ، وهذا يبعثهم على الاستماع إليك في حال من الطمأنينة والأمان ؛ لأن المخالف قد سل سخيمة نفسه ، ورفع حالة التوتر والاحتقان التي يشعر بها بسبب مخالفتنا ، أو بسبب ما يراه من علوية البعض بأنه ما خالف أو ناظر إلا لإهداء ما عنده من الحق .
وبعض المسائل وإن كانت قطعية ظاهرة والشك فيها قد يكون كفراً إلا أن إظهار التنَزل الجدلي طريق صحيح لإزالة التوتر ؛ فالله عز سبحانه وتعالى قد قال : "وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين" ، ويقول تعالى : "قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة" ؛ فما الذي يدعو إلى التفكر مع كون القضية قطعية إلا توطين نفس المخالف على قبول الحق .

وعن قتيلة بنت صيفي الجهنية قالت أتى حبر من الأحبار رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال : يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون ! قال : سبحان الله ! وما ذاك ؟ قال : تقولون إذا حلفتم : والكعبة . قالت : فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ، ثم قال : "فمن حلف فليحلف برب الكعبة" . قال : يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله ندا ! قال : سبحان الله وما ذاك ؟ قال تقولون : ما شاء الله وشئت . قالت : فأمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ، ثم قال : "فمن قال ما شاء الله فليقل معها ثم شئت" .
فقد سمع صلى الله عليه وسلم من اليهود في أمور عقدية ، ولم يأنف أن يقول به حين وافق الحق .
4- أن يحرص على انتفاع المخالف لا ظهور القول ، أو معقد الهوية :فيكون الباعث على المخالفة ، أو مجادلة المخالف هو انتفاعه بما تراه من الحق ؛ لا أن يكون القصد إرغامَه وإظهارَ خطئه عند الناس .

يتبع بإذن الله تعالى