أبو المهند
06-06-2009, 03:50 AM
الإمام الصنعاني
مفكرة الإسلام: في تاريخ أمتنا الإسلامية المباركة الكثير من علماء الإسلام الكبار والأئمة الأعلام الذين عانوا من الإهمال الشديد من جانب الباحثين والدارسين، وذلك بسبب ظهور هؤلاء الأئمة الأعلام في بلاد غلب على أهلها الابتداع في الدين، والضلال في باب العقائد والعادات، فظن الباحثون والدارسون أن تلك البلاد خالية من العلماء والأئمة، هذا على الرغم من المجهودات الضخمة والمعاناة الشديدة والمحن المتتالية التي بذلها وخاضها هؤلاء الأعلام مع بيئتهم، وحجم التغيير الكبير الذي أحدثوه في تلك البيئة، وهؤلاء الأعلام قد تعرضوا لمحن كثيرة ومتتابعة مع أقوامهم، وعندما ظهرت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، ظن الناس أنه رائد النهضة الإصلاحية في العصر الحاضر، في حين أنه كان هناك من العلماء من سبقه في ذلك المضمار، وله من الأثر الكبير ما يجعله شريكًا للشيخ ابن عبد الوهاب في الدعوة للتوحيد الخالص ونبذ البدع، ذلك الإمام هو إمام أهل اليمن الأمير ابن الأمير، الإمام الصنعاني، والذي عانى تمامًا مثل شريكه محمد بن عبد الوهاب من المحن والابتلاءات مع قومه، مما يجعله جديرًا أن يكون في ثبت الأئمة الأعلام لهذه الأمة.
التعريف به:
هو الإمام الكبير، والعلم العلامة، والعالم الموسوعي، وأحد مجددي الإسلام، علامة القطر اليماني، البدر محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد بن علي الصنعاني، الملقب بالأمير ابن الأمير، وُلد في جمادى الآخرة عام 1099هـ لأسرة تدعي انتسابها لآل البيت من الفرع الحسني، بمدينة "كحلان" التي تبعد عن العاصمة صنعاء بأربعة وعشرين فرسخًا.
وُلد الإمام الصنعاني في أسرة علمية، فأبوه وجده كانا من العلماء الفقهاء فتأثر الصنعاني بالجو العلمي المحيط به، فحفظ القرآن صغيرًا حتى أتمه، وبدأ في طلب العلم وهو دون العاشرة، فانتقل والد الصنعاني من كحلان إلى صنعاء رغبة منه في نجابة أبنائه وتلقيهم العلم على يد علماء صنعاء وشيوخها، وكانت تلك الهجرة من كحلان إلى صنعاء سنة 1107هـ، وفي صنعاء درس الإمام الصنعاني الفقه والنحو والبيان وأصول الدين والحديث وأظهر تفوقًا وبراعة ونجابة عن سائر أقرانه، وأعجب به شيوخه وطلبوا منه الرحيل إلى عواصم العلم الشرعي في بلاد الإسلام.
خرج الصنعاني يطلب العلم خارج اليمن، واتبع طريقة ذكية في الجمع بين العلم والعمل، إذ اختار أن يشهد مواسم الحج؛ ليجمع بين النسك ورؤية علماء الأقطار الذين يفدون إلى مكة للحج، ولقد حج أربع مرات، الأولى سنة 1124هـ، والرابعة سنة 1139هـ، وفي كل مرة كان يلتقي بالشيوخ والعلماء والمحققين، ويستفيد منهم ويلازمهم، وخلال تلك الرحلات الأربع التقى بأعلام والقت وحمل عنهم علمًا غزيرًا، وكان معظم اهتمامه بالحديث النبوي وعلومه، وقد بان أثر هذا الاهتمام فيما بعد على توجهات الشيخ العلمية واختياراته الفقهية.
قضى الصنعاني حياته كلها مكبًا على العلم وطلبه ونشره والدعوة إليه، ولم يطلب جاهًا أو سلطانًا، ولما تولى نظارة الأوقاف مكرهًا سنة 1161هـ تحرى العدل بشدة، ولكنه سرعان ما نزل عن هذا المنصب، وأوصى بأن يتصدق من تركته بمال كفارة منه عن توليه هذا المنصب، ولقد عرض عليه إمام اليمن القاسم بن الحسين منصب القضاء فرفض، ثم عرض عليه الوزارة فامتنع، ثم منصب قاضي قضاة اليمن والمتصدر على الأعلام، فرفض ذلك كله واستقر على عادته في التدريس ونشر الإفادة.
عقيدته:
على الرغم من نشأة الإمام الصنعاني في بيئة تغلب عليها الأفكار المخالفة لعقيدة أهل السنة والجماعة من تشيع واعتزال وغيرهما إلا إنه كان موافقًا لعقيدة أهل السنة، بل أحد منظريها وأئمتها وحراسها في تلك البقاع البعيدة، وله العديد من الكتب والمؤلفات العظيمة والنافعة والتي تدل على صحة عقيدته مثل كتاب [تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد] والذي عالج فيه مفهوم الفرق بين توحيد الربوبية والألوهية، وشرح فيه معنى "لا إله إلا الله" وسبق في هذا المضمار الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بل يعتبر الصنعاني هو رائد الدعوة إلى التوحيد الخالص في القرن الثاني عشر الهجري، حتى أن الصنعاني لما سمع عن ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بنجد، فرح بشدة، إذ وجد من يؤيده ويتبع نفس النهج والعقيدة، وأرسل إليه بقصيدة سنة 1163هـ قال فيها:
لقد سرني ما جاءني من طريقه
وكنت أظن هذه الطريقة لي وحدي
ولقد كان الصنعاني شديدًا على المتكلمين والفلاسفة، متبعًا لنهج السلف في تقديم النقل الصحيح على العقل، وشرح مذهبه في ذلك في كتابه [إيقاظ الفكرة لمراجعة الفطرة] حيث بيّن فساد مناهج الفلاسفة وعلماء الكلام، كما أنه كان أيضًا شديدًا على المعتزلة والأشاعرة، رماهم بالابتداع في مواطن كثيرة من كتبه، محبًا لجميع الصحابة رضوان الله علهيم، على الرغم من بيئته الشيعية التي يغلب عليها بعض آراء الرافضة، كما أنه كان شديد الاحترام لعلماء وأئمة أهل السنة، لا يقع فيهم ولا يذم أيًا منهم كما هي عادة علماء المبتدعة.
اجتهاده:
نظرًا للدراسة الموسوعية والمتنوعة التي تلقاها الإمام الصنعاني منذ صغره ومخالفته لعوايد بني وطنه في تحصيل العلوم العقلية فقط، وتبحره في العلوم النقلية من حديث وتفسير وسير، فإن الصنعاني لم يتقيد بمذهب معين، ولم يعمل إلا بمقتضى الدليل من الكتاب والسنة، وما زال يتدرج في علومه واختياراته الفقهية حتى صار من المجتهدين المجددين في القرن الثاني عشر، ومؤلفاته وكتبه التي تفوق الثلاثمائة كتاب زاخرة بأقواله وآرائه الفقهية التي توصل إليها باجتهاده، وسفره الحافل [سبل السلام] خير دليل على مكانته العلمية واجتهاده المطلق، على الرغم من شيوع التقليد والتحجر العلمي في عصره، ونبوغ هذا الإمام في تلك البيئة من أعظم الأدلة على منزلته ومكانته العلمية.
مؤلفاته:
يعتبر الإمام الصنعاني من علماء الأدلة الموسوعيين، فلقد خلَّف تراثًا ضخمًا يفوق الثلاثمائة مصنف في شتى فروع العلم، وبكل الأحجام، من ضخم مكون من عدة مجلدات إلى متوسط مكون من مجلدين إلى مجلد واحد إلى رسالة صغيرة وحتى شرح حديث واحد، كثير من هذه المؤلفات ما زال مخطوطًا يحتاج إلى من يخرجه إلى النور بالاعتناء والتخريج والتحقيق، على رأسها درة كتبه "سبل السلام" اختصره من البدر التمام للمغربي، ومنها "العدة" جعلها حاشية على شرح العمدة لابن دقيق العيد، ومنها "شرح الجامع الصغير" للسيوطي في أربعة مجلدات شرحه قبل أن يقف على شرح المناويّ، وله أربعة وأربعون رسالة صغيرة في شرح مسائل في الفقه والاعتقاد والأصول.
محنته:
كانت بلاد اليمن التي ظهر بها الإمام الصنعاني، خاضة لحكم الأئمة الزيود، وكان ثلثا السكان تقريبًا من أتباع المذهب الزيدي، والزيدية إحدى فرق الشيعة المعروفة، تتفق مع سائر فرق الشيعة في أمور، وتختلف في أخرى، وهي بالجملة من أقل فرق الشيعة غلوًا، وأكثرها اعتدالاً، وهي أقرب لأهل السنة من غيرها من فرق الشيعة، ولكن يغلب على عقيدة الزيدية الآراء الاعتزالية المليئة بالبدع والضلالات، ويغلب على عوام الزيدية في اليمن وفي غيرها الجهل والتعصب، في حين يغلب على علمائها التقليد والجمود ودراسة العلوم الكلامية ونبذ العلوم الأثرية، وكانت أرض اليمن وعقول أهلها كلأً مباحًا لشياطين الإمامية، يفرخون ويعششون في أهلها، حتى أدخلوا في فكر الزيدية الكثير من أفكار الرافضة الإمامية.
كان من الطبيعي أن يعاني إمام مثل الصنعاني الذي يحمل تلك العقيدة والاجتهاد مع تلك البيئة وأهلها، ويتعرض للمحن المتتالية عليه، وهو صامد صابر على الدرب لا يلين ولا يهادن ولا يداهن، وهم يشهرون به ويشتمونه ويهددونه ويتهمونه ويحاولون قتله المرة تلو الأخرى، والله ينجيه في كل مرة لحسن قصده وسلامة غرضه ونقاء دينه ودعوته، وهذه صور من بعض المحن التي تعرض إليها الإمام الصنعاني لتعرف قدر الرجل ومكانته.
محنته مع يوسف الرافضي:
من الأمور التي يخالف فيها فرقة الزيدية باقي فرق الشيعة، مسألة سب الصحابة؛ فالزيدية وإن كانوا يفضلون عليًا رضي الله عنه على سائر الصحابة إلا إنهم يترضون على جميع الصحابة ولا يخوضون فيهم بتكفير أو بتفسيق ولا غيره، ولكن مع تطاول العمر وبعد العهد وغلبة الجهل وضعف العلم، بدأت بدع الإمامية الرافضة تتسلل إلى الزيدية من أهل اليمن، وذلك عن طريق دعاة الرفض والإمامية الذين كانوا ينشطون في تلك البلاد من أجل نشر التشيع على المنهج الجعفري، وعلى رأس هؤلاء الدعاة المدعو يوسف العجمي الإمامي الصفوي.
يوسف العجمي أحد دعاة الدولة الصفوية حضر إلى اليمن في عهد الإمام المنصور بالله، وتظاهر بالعلم، فحظي عند المنصور، وأعجب به المنصور فأذن له بإملاء كتاب نهج البلاغة وشرحه لابن أبي الحديد بالجامع الكبير في صنعاء، ثم تصدى هذا الدعيّ لتفسير القرآن حتى ذكر أن الصحابة قد حرفوا القرآن وسب الصحابة ولعنهم، فضج العامة بالسب واللعن، وهكذا أخذ هذا الشيطان في دس مذهب الإمامية في عقول العامة.
لما علم الصنعاني ما جرى في الجامع الكبير وجهر الناس بالسب واللعن، وكان الصنعاني تم تعيينه خطيبًا للجامع الكبير بعد ذلك بقليل، فلما قام للخطبة لم يذكر الأئمة الذين جرت العادة بذكرهم في الخطبة، فثار عليه الشيطان يوسف العجمي وأخذ في تحريض العوام واستمال إليه جماعته من آل الإمام المنصور بالله، واتفقوا فيما بينهم على قتله وهو يخطب على المنبر في الجمعة القادمة، ووصلت أخبار تلك المؤامرة الخبيثة للمنصور بالله، فأرسل إلى الإمام الصنعاني وسجنه، ثم طرد الشيطان يوسف العجمي من بلاد اليمن وأدب العامة الذين تظاهروا معه على الصنعاني، وقد ظل الصنعاني في السجن مدة شهرين، ثم خرج واستمر على نهجه وطريقته في نشر العلم.
محنته مع أهل جبل برط:
مع استمرار الإمام الصنعاني في نشر العلم تدريسًا وإفتاءً وتأليفًا على طريقة أهل السنة والجماعة، عاكفًا على الأمهات وسائر كتب الحديث، عاملاً بمقتضى الدليل، غير عابئ بما عليه الناس من اتباع وتقليد أعمى لأقوال وآراء المتفقهة والمتعصبة، مما جعل الناس يرموه بالنصب أي بعداوة آل البيت على الرغم من كونه منتسبًا لآل البيت كما ذكرنا ذلك في التعريف به وهو لا يلتفت لتلك التفاهات والترهات، ماضيًا في منهجه ودعوته حتى صار له تلاميذ كثيرون وطلبة علم نابهون، وزوار يفدون إليه من كل مكان وقد طارت شهرته حتى وصلت إلى الدولة العثمانية وجاءه منها العديد من العلماء والطلبة لسماع دروسه وتلقي العلم على يديه، وكثر أتباعه من الخاصة والعامة أيضًا، وسرت نهضة علمية قوية باليمن، وكان إمام الوقت العباس بن الحسين بن القاسم ممن يسمع له ويعمل برأيه وكذلك الوزير الكبير أحمد بن علي النهمي وقائد الجند الأمير الماس المهديّ.
أثارت تلك النهضة العلمية والنشاط الدعوية لعقيدة أهل السنة والجماعة حفيظة علماء الزيدية الذين هالهم إقبال الناس كبيرهم وصغيرهم على الإمام الصنعاني، فأخذوا في تحريض العامة ضد الصنعاني، ولما فشلت المحاولات الواحدة تلو الأخرى لحفظ الله عز وجل لوليه وعبده الصنعاني ثم لحماية إمام الوقت العباس بن الحسين للإمام الصنعاني، عندها قرر بعض الشياطين بتدبير لعمل انقلاب شامل على الإمام العباس بدعوى أنه يساعد الصنعاني على هدم مذهب الزيدية في البلاد.
كتب بعض هؤلاء الشياطين العديد من الرسائل بهذا المعنى إلى أهل جبل برط وهو جبل عظيم وضخم يقع شمال اليمن في منطقة "صعدة"، وكان أهل ذلك الجبل هم جمرة اليمن ومصدر القلاقل والاضطرابات، أسرع الناس إلى أي شر وأبعد الناس عن أدنى خير، يعمهم الجهل وتعطيل الشرائع وسيطرة العادات البدوية والأعراف القبلية، فلما وصلتهم الرسائل التي تدعوهم للخروج على إمام اليمن العباس بن الحسين أقبلوا بجيوش كثيفة، ليس نصرة للدين ولا للمذهب بل طمعًا في الدنيا والمغنم.
واهتزت البلاد كلها لخروجهم لما يعلمه الناس من بطشهم وهمجيتهم، وحاول العلماء الأمناء ردهم عن البغي والطغيان، ولكن لم يفد ذلك معهم، وحاول الإمام العباس إقناعهم ببطلان تلك الدعايات والوشايات ومع ذلك ظلوا مصرين على اقتحام صنعاء العاصمة، وهم ينادون بقتل الإمام الصنعاني أو نفيه، وفي آخر الأمر دفع لهم إمام اليمن مبلغ عشرين ألف قرش وجعله مبلغًا ثابتًا لهم كل عام زيادة على مقرراتهم، وعندها أقلعوا عن صنعاء وعادوا إلى جبلهم؛ لأنه لا مطمع لهم في الأمر إلا المال والدنيا، وبعدها ضيق الأمر على الإمام الصنعاني ومنع من الجهر بآرائه ودعوته الإصلاحية حتى لا يعود هؤلاء الجهلة الجفاة إلى الفساد في الأرض مرة أخرى.
تلك كانت عينة من المحن التي كان يتعرض لها الإمام الصنعاني مع بني قومه وأهل وطنه، والتي كانت كفيلة بجعل غيره من العلماء يركن إلى السكون ويرضى بالسلامة من أجل الحفاظ على نفسه وحاله، ولكنه أبدًا لم يصمت ولم يسكن ولم يؤثر الراحة والسلامة، بل ظل مشعلاً للحق والسنة داعيًا للعقيدة الصحيحة ليل نهار بلسانه وبقلمه، حتى أتاه اليقين رحمه الله سنة 1182هـ وقد ترك وراءه ثلة من العلماء والأئمة من تلامذته الذين ساروا على منهجه وطريقته، فحفظ الله عز وجل بهم أهل اليمن من الضلال والسقوط في شرك الرافضة الإمامية.
مفكرة الإسلام: في تاريخ أمتنا الإسلامية المباركة الكثير من علماء الإسلام الكبار والأئمة الأعلام الذين عانوا من الإهمال الشديد من جانب الباحثين والدارسين، وذلك بسبب ظهور هؤلاء الأئمة الأعلام في بلاد غلب على أهلها الابتداع في الدين، والضلال في باب العقائد والعادات، فظن الباحثون والدارسون أن تلك البلاد خالية من العلماء والأئمة، هذا على الرغم من المجهودات الضخمة والمعاناة الشديدة والمحن المتتالية التي بذلها وخاضها هؤلاء الأعلام مع بيئتهم، وحجم التغيير الكبير الذي أحدثوه في تلك البيئة، وهؤلاء الأعلام قد تعرضوا لمحن كثيرة ومتتابعة مع أقوامهم، وعندما ظهرت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، ظن الناس أنه رائد النهضة الإصلاحية في العصر الحاضر، في حين أنه كان هناك من العلماء من سبقه في ذلك المضمار، وله من الأثر الكبير ما يجعله شريكًا للشيخ ابن عبد الوهاب في الدعوة للتوحيد الخالص ونبذ البدع، ذلك الإمام هو إمام أهل اليمن الأمير ابن الأمير، الإمام الصنعاني، والذي عانى تمامًا مثل شريكه محمد بن عبد الوهاب من المحن والابتلاءات مع قومه، مما يجعله جديرًا أن يكون في ثبت الأئمة الأعلام لهذه الأمة.
التعريف به:
هو الإمام الكبير، والعلم العلامة، والعالم الموسوعي، وأحد مجددي الإسلام، علامة القطر اليماني، البدر محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد بن علي الصنعاني، الملقب بالأمير ابن الأمير، وُلد في جمادى الآخرة عام 1099هـ لأسرة تدعي انتسابها لآل البيت من الفرع الحسني، بمدينة "كحلان" التي تبعد عن العاصمة صنعاء بأربعة وعشرين فرسخًا.
وُلد الإمام الصنعاني في أسرة علمية، فأبوه وجده كانا من العلماء الفقهاء فتأثر الصنعاني بالجو العلمي المحيط به، فحفظ القرآن صغيرًا حتى أتمه، وبدأ في طلب العلم وهو دون العاشرة، فانتقل والد الصنعاني من كحلان إلى صنعاء رغبة منه في نجابة أبنائه وتلقيهم العلم على يد علماء صنعاء وشيوخها، وكانت تلك الهجرة من كحلان إلى صنعاء سنة 1107هـ، وفي صنعاء درس الإمام الصنعاني الفقه والنحو والبيان وأصول الدين والحديث وأظهر تفوقًا وبراعة ونجابة عن سائر أقرانه، وأعجب به شيوخه وطلبوا منه الرحيل إلى عواصم العلم الشرعي في بلاد الإسلام.
خرج الصنعاني يطلب العلم خارج اليمن، واتبع طريقة ذكية في الجمع بين العلم والعمل، إذ اختار أن يشهد مواسم الحج؛ ليجمع بين النسك ورؤية علماء الأقطار الذين يفدون إلى مكة للحج، ولقد حج أربع مرات، الأولى سنة 1124هـ، والرابعة سنة 1139هـ، وفي كل مرة كان يلتقي بالشيوخ والعلماء والمحققين، ويستفيد منهم ويلازمهم، وخلال تلك الرحلات الأربع التقى بأعلام والقت وحمل عنهم علمًا غزيرًا، وكان معظم اهتمامه بالحديث النبوي وعلومه، وقد بان أثر هذا الاهتمام فيما بعد على توجهات الشيخ العلمية واختياراته الفقهية.
قضى الصنعاني حياته كلها مكبًا على العلم وطلبه ونشره والدعوة إليه، ولم يطلب جاهًا أو سلطانًا، ولما تولى نظارة الأوقاف مكرهًا سنة 1161هـ تحرى العدل بشدة، ولكنه سرعان ما نزل عن هذا المنصب، وأوصى بأن يتصدق من تركته بمال كفارة منه عن توليه هذا المنصب، ولقد عرض عليه إمام اليمن القاسم بن الحسين منصب القضاء فرفض، ثم عرض عليه الوزارة فامتنع، ثم منصب قاضي قضاة اليمن والمتصدر على الأعلام، فرفض ذلك كله واستقر على عادته في التدريس ونشر الإفادة.
عقيدته:
على الرغم من نشأة الإمام الصنعاني في بيئة تغلب عليها الأفكار المخالفة لعقيدة أهل السنة والجماعة من تشيع واعتزال وغيرهما إلا إنه كان موافقًا لعقيدة أهل السنة، بل أحد منظريها وأئمتها وحراسها في تلك البقاع البعيدة، وله العديد من الكتب والمؤلفات العظيمة والنافعة والتي تدل على صحة عقيدته مثل كتاب [تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد] والذي عالج فيه مفهوم الفرق بين توحيد الربوبية والألوهية، وشرح فيه معنى "لا إله إلا الله" وسبق في هذا المضمار الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بل يعتبر الصنعاني هو رائد الدعوة إلى التوحيد الخالص في القرن الثاني عشر الهجري، حتى أن الصنعاني لما سمع عن ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بنجد، فرح بشدة، إذ وجد من يؤيده ويتبع نفس النهج والعقيدة، وأرسل إليه بقصيدة سنة 1163هـ قال فيها:
لقد سرني ما جاءني من طريقه
وكنت أظن هذه الطريقة لي وحدي
ولقد كان الصنعاني شديدًا على المتكلمين والفلاسفة، متبعًا لنهج السلف في تقديم النقل الصحيح على العقل، وشرح مذهبه في ذلك في كتابه [إيقاظ الفكرة لمراجعة الفطرة] حيث بيّن فساد مناهج الفلاسفة وعلماء الكلام، كما أنه كان أيضًا شديدًا على المعتزلة والأشاعرة، رماهم بالابتداع في مواطن كثيرة من كتبه، محبًا لجميع الصحابة رضوان الله علهيم، على الرغم من بيئته الشيعية التي يغلب عليها بعض آراء الرافضة، كما أنه كان شديد الاحترام لعلماء وأئمة أهل السنة، لا يقع فيهم ولا يذم أيًا منهم كما هي عادة علماء المبتدعة.
اجتهاده:
نظرًا للدراسة الموسوعية والمتنوعة التي تلقاها الإمام الصنعاني منذ صغره ومخالفته لعوايد بني وطنه في تحصيل العلوم العقلية فقط، وتبحره في العلوم النقلية من حديث وتفسير وسير، فإن الصنعاني لم يتقيد بمذهب معين، ولم يعمل إلا بمقتضى الدليل من الكتاب والسنة، وما زال يتدرج في علومه واختياراته الفقهية حتى صار من المجتهدين المجددين في القرن الثاني عشر، ومؤلفاته وكتبه التي تفوق الثلاثمائة كتاب زاخرة بأقواله وآرائه الفقهية التي توصل إليها باجتهاده، وسفره الحافل [سبل السلام] خير دليل على مكانته العلمية واجتهاده المطلق، على الرغم من شيوع التقليد والتحجر العلمي في عصره، ونبوغ هذا الإمام في تلك البيئة من أعظم الأدلة على منزلته ومكانته العلمية.
مؤلفاته:
يعتبر الإمام الصنعاني من علماء الأدلة الموسوعيين، فلقد خلَّف تراثًا ضخمًا يفوق الثلاثمائة مصنف في شتى فروع العلم، وبكل الأحجام، من ضخم مكون من عدة مجلدات إلى متوسط مكون من مجلدين إلى مجلد واحد إلى رسالة صغيرة وحتى شرح حديث واحد، كثير من هذه المؤلفات ما زال مخطوطًا يحتاج إلى من يخرجه إلى النور بالاعتناء والتخريج والتحقيق، على رأسها درة كتبه "سبل السلام" اختصره من البدر التمام للمغربي، ومنها "العدة" جعلها حاشية على شرح العمدة لابن دقيق العيد، ومنها "شرح الجامع الصغير" للسيوطي في أربعة مجلدات شرحه قبل أن يقف على شرح المناويّ، وله أربعة وأربعون رسالة صغيرة في شرح مسائل في الفقه والاعتقاد والأصول.
محنته:
كانت بلاد اليمن التي ظهر بها الإمام الصنعاني، خاضة لحكم الأئمة الزيود، وكان ثلثا السكان تقريبًا من أتباع المذهب الزيدي، والزيدية إحدى فرق الشيعة المعروفة، تتفق مع سائر فرق الشيعة في أمور، وتختلف في أخرى، وهي بالجملة من أقل فرق الشيعة غلوًا، وأكثرها اعتدالاً، وهي أقرب لأهل السنة من غيرها من فرق الشيعة، ولكن يغلب على عقيدة الزيدية الآراء الاعتزالية المليئة بالبدع والضلالات، ويغلب على عوام الزيدية في اليمن وفي غيرها الجهل والتعصب، في حين يغلب على علمائها التقليد والجمود ودراسة العلوم الكلامية ونبذ العلوم الأثرية، وكانت أرض اليمن وعقول أهلها كلأً مباحًا لشياطين الإمامية، يفرخون ويعششون في أهلها، حتى أدخلوا في فكر الزيدية الكثير من أفكار الرافضة الإمامية.
كان من الطبيعي أن يعاني إمام مثل الصنعاني الذي يحمل تلك العقيدة والاجتهاد مع تلك البيئة وأهلها، ويتعرض للمحن المتتالية عليه، وهو صامد صابر على الدرب لا يلين ولا يهادن ولا يداهن، وهم يشهرون به ويشتمونه ويهددونه ويتهمونه ويحاولون قتله المرة تلو الأخرى، والله ينجيه في كل مرة لحسن قصده وسلامة غرضه ونقاء دينه ودعوته، وهذه صور من بعض المحن التي تعرض إليها الإمام الصنعاني لتعرف قدر الرجل ومكانته.
محنته مع يوسف الرافضي:
من الأمور التي يخالف فيها فرقة الزيدية باقي فرق الشيعة، مسألة سب الصحابة؛ فالزيدية وإن كانوا يفضلون عليًا رضي الله عنه على سائر الصحابة إلا إنهم يترضون على جميع الصحابة ولا يخوضون فيهم بتكفير أو بتفسيق ولا غيره، ولكن مع تطاول العمر وبعد العهد وغلبة الجهل وضعف العلم، بدأت بدع الإمامية الرافضة تتسلل إلى الزيدية من أهل اليمن، وذلك عن طريق دعاة الرفض والإمامية الذين كانوا ينشطون في تلك البلاد من أجل نشر التشيع على المنهج الجعفري، وعلى رأس هؤلاء الدعاة المدعو يوسف العجمي الإمامي الصفوي.
يوسف العجمي أحد دعاة الدولة الصفوية حضر إلى اليمن في عهد الإمام المنصور بالله، وتظاهر بالعلم، فحظي عند المنصور، وأعجب به المنصور فأذن له بإملاء كتاب نهج البلاغة وشرحه لابن أبي الحديد بالجامع الكبير في صنعاء، ثم تصدى هذا الدعيّ لتفسير القرآن حتى ذكر أن الصحابة قد حرفوا القرآن وسب الصحابة ولعنهم، فضج العامة بالسب واللعن، وهكذا أخذ هذا الشيطان في دس مذهب الإمامية في عقول العامة.
لما علم الصنعاني ما جرى في الجامع الكبير وجهر الناس بالسب واللعن، وكان الصنعاني تم تعيينه خطيبًا للجامع الكبير بعد ذلك بقليل، فلما قام للخطبة لم يذكر الأئمة الذين جرت العادة بذكرهم في الخطبة، فثار عليه الشيطان يوسف العجمي وأخذ في تحريض العوام واستمال إليه جماعته من آل الإمام المنصور بالله، واتفقوا فيما بينهم على قتله وهو يخطب على المنبر في الجمعة القادمة، ووصلت أخبار تلك المؤامرة الخبيثة للمنصور بالله، فأرسل إلى الإمام الصنعاني وسجنه، ثم طرد الشيطان يوسف العجمي من بلاد اليمن وأدب العامة الذين تظاهروا معه على الصنعاني، وقد ظل الصنعاني في السجن مدة شهرين، ثم خرج واستمر على نهجه وطريقته في نشر العلم.
محنته مع أهل جبل برط:
مع استمرار الإمام الصنعاني في نشر العلم تدريسًا وإفتاءً وتأليفًا على طريقة أهل السنة والجماعة، عاكفًا على الأمهات وسائر كتب الحديث، عاملاً بمقتضى الدليل، غير عابئ بما عليه الناس من اتباع وتقليد أعمى لأقوال وآراء المتفقهة والمتعصبة، مما جعل الناس يرموه بالنصب أي بعداوة آل البيت على الرغم من كونه منتسبًا لآل البيت كما ذكرنا ذلك في التعريف به وهو لا يلتفت لتلك التفاهات والترهات، ماضيًا في منهجه ودعوته حتى صار له تلاميذ كثيرون وطلبة علم نابهون، وزوار يفدون إليه من كل مكان وقد طارت شهرته حتى وصلت إلى الدولة العثمانية وجاءه منها العديد من العلماء والطلبة لسماع دروسه وتلقي العلم على يديه، وكثر أتباعه من الخاصة والعامة أيضًا، وسرت نهضة علمية قوية باليمن، وكان إمام الوقت العباس بن الحسين بن القاسم ممن يسمع له ويعمل برأيه وكذلك الوزير الكبير أحمد بن علي النهمي وقائد الجند الأمير الماس المهديّ.
أثارت تلك النهضة العلمية والنشاط الدعوية لعقيدة أهل السنة والجماعة حفيظة علماء الزيدية الذين هالهم إقبال الناس كبيرهم وصغيرهم على الإمام الصنعاني، فأخذوا في تحريض العامة ضد الصنعاني، ولما فشلت المحاولات الواحدة تلو الأخرى لحفظ الله عز وجل لوليه وعبده الصنعاني ثم لحماية إمام الوقت العباس بن الحسين للإمام الصنعاني، عندها قرر بعض الشياطين بتدبير لعمل انقلاب شامل على الإمام العباس بدعوى أنه يساعد الصنعاني على هدم مذهب الزيدية في البلاد.
كتب بعض هؤلاء الشياطين العديد من الرسائل بهذا المعنى إلى أهل جبل برط وهو جبل عظيم وضخم يقع شمال اليمن في منطقة "صعدة"، وكان أهل ذلك الجبل هم جمرة اليمن ومصدر القلاقل والاضطرابات، أسرع الناس إلى أي شر وأبعد الناس عن أدنى خير، يعمهم الجهل وتعطيل الشرائع وسيطرة العادات البدوية والأعراف القبلية، فلما وصلتهم الرسائل التي تدعوهم للخروج على إمام اليمن العباس بن الحسين أقبلوا بجيوش كثيفة، ليس نصرة للدين ولا للمذهب بل طمعًا في الدنيا والمغنم.
واهتزت البلاد كلها لخروجهم لما يعلمه الناس من بطشهم وهمجيتهم، وحاول العلماء الأمناء ردهم عن البغي والطغيان، ولكن لم يفد ذلك معهم، وحاول الإمام العباس إقناعهم ببطلان تلك الدعايات والوشايات ومع ذلك ظلوا مصرين على اقتحام صنعاء العاصمة، وهم ينادون بقتل الإمام الصنعاني أو نفيه، وفي آخر الأمر دفع لهم إمام اليمن مبلغ عشرين ألف قرش وجعله مبلغًا ثابتًا لهم كل عام زيادة على مقرراتهم، وعندها أقلعوا عن صنعاء وعادوا إلى جبلهم؛ لأنه لا مطمع لهم في الأمر إلا المال والدنيا، وبعدها ضيق الأمر على الإمام الصنعاني ومنع من الجهر بآرائه ودعوته الإصلاحية حتى لا يعود هؤلاء الجهلة الجفاة إلى الفساد في الأرض مرة أخرى.
تلك كانت عينة من المحن التي كان يتعرض لها الإمام الصنعاني مع بني قومه وأهل وطنه، والتي كانت كفيلة بجعل غيره من العلماء يركن إلى السكون ويرضى بالسلامة من أجل الحفاظ على نفسه وحاله، ولكنه أبدًا لم يصمت ولم يسكن ولم يؤثر الراحة والسلامة، بل ظل مشعلاً للحق والسنة داعيًا للعقيدة الصحيحة ليل نهار بلسانه وبقلمه، حتى أتاه اليقين رحمه الله سنة 1182هـ وقد ترك وراءه ثلة من العلماء والأئمة من تلامذته الذين ساروا على منهجه وطريقته، فحفظ الله عز وجل بهم أهل اليمن من الضلال والسقوط في شرك الرافضة الإمامية.