ابو الحمزه
07-10-2010, 12:41 PM
بحث ( معالم فقه الخلاف في الشريعة الإسلامية (5) للشيخ عبد الوهاب الحميقاني
الفصل الثاني:
أسباب الخلاف
المبحث الأول: الأسباب الخَلْقِيّة.
تمهيد:
قد يستغرب كثير من الناس بل من المسلمين، وجود الخلاف في الأحكام الشرعية بين المذاهب والعلماء، رغم وحدة مصدر تلك الأحكام، وعصمة ذلك المصدر من الخطأ والاختلاف؛ فقد نزه الله -سبحانه وتعالى- دينه وشريعته من التباين والاختلاف، قال سبحانه: {ولَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} [النساء:82].
وهذا الاستغراب والاستشكال لا يمكن أن يزول إلا بإدراك أسباب ذلك الخلاف ومعرفتها، كما قيل: إذا عرف السبب بطل العجب، وقد ذكر ابن قتيبة في «عيون الأخبار» قصة مسلم ارتد إلى النصرانية، بسبب كثرة ما يراه من اختلاف بين العلماء في الأحكام الشرعية؛ فأزال المأمون العباسي عنه شبهته، وأرجعه إلى الإسلام ببيان أسباب وأنواع الخلاف في الشريعة الإسلامية.
قال ابن قتيبة-رحمه الله-: "قال المأمون لمرتد إلى النصرانية: خبرنا عن الشيء الذي أوحشك من ديننا، بعد أنسك به، واستيحاشك مما كنت عليه؛ فإن وجدت عندنا دواء دائك تعالجت به، وإن أخطأك الشفاء ونبا عن دائك الدواء كنت قد أعذرت، ولم ترجع على نفسك بلائمة، وإن قتلناك قتلناك بحكم الشريعة، وترجع أنت في نفسك إلى الاستبصار والثقة، وتعلم أنك لم تقصر في اجتهاد ولم تفرط في الدخول من باب الحزم.
قال المرتد: أوحشني ما رأيت من كثرة الاختلاف فيكم!
قال المأمون: لنا اختلافان: أحدهما: كالاختلاف في الأذان، والتكبير في الجنائز، والتشهد، وصلاة الأعياد، وتكبير التشريق، ووجوه القراءات، ووجوه الفتيا، وهذا ليس باختلاف، إنما هو تخير وسعة وتخفيف من المحنة، فمن أذن مثنى وأقام مثنى، لم يخطِّئ من أذن مثنى وأقام فرادى، ولا يتعايرون بذلك ولا يتعاتبون.
والاختلاف الآخر كنحو اختلافنا في تأويل الآية من كتاب ربنا، وتأويل الحديث، مع اجتماعنا على أصل التنزيل، واتفاقنا على عين الخبر.
فإذا كان الذي أوحشك هذا، حتى أنكرت هذا الكتاب، فقد ينبغي أن يكون اللفظ بجميع التوراة والإنجيل متفقاً على تأويله، كما يكون متفقاً على تنزيله، ولا يكون بين جميع اليهود والنصارى اختلاف في شيء من التأويلات، وينبغي لك أن لا ترجع إلى لغة للاختلاف في تأويل ألفاظها، ولو شاء الله أن ينزل كتبه، ويجعل كلام أنبيائه وورثة رسله لا يحتاج إلى تفسير لفعل، ولكنا لم نر شيئاً من الدين والدنيا دُفع إلينا على الكفاية، ولو كان الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحنة، وذهبت المسابقة والمنافسة، ولم يكن تفاضل، وليس على هذا بنى الله الدنيا.
قال المرتد: أشهد أن لا إله إلا الله, وأن المسيح عبد, وأن محمداً صادق, وأنك أمير المؤمنين حقاً".[1] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn1)
ولزوال مثل هذه الشبهة عن الاختلاف في الشريعة، سنعرض في هذا الفصل لأسباب الخلاف وأقسامها.
المبحث الأول
الأسباب الخَلْقية
هذه الأسباب لا دخل للإنسان في كسبها، ولا يمكنه دفعها؛ لأنها لازمة لخلقته ونشأته الإنسانية.
فالاختلاف سنة قدرية في الكون والحياة؛ إذ اقتضت مشيئة الله وحكمته أن يعج هذا الكون بمخلوقات متنوعة ومختلفة، وكل نوع من هذه المخلوقات فيه من التنوع والاختلاف ما لا يحصيه إلا الله؛ حتى يكاد أن يندر وجود نظيرين من جنس من المخلوقات يتطابقان كل التطابق في كل شيء.
ومن ذلك بنو آدم الذين جرت فيهم سنة الله في الاختلاف؛ فاختلفت خلقتهم وأخلاقهم، وتعددت ألوانهم ولغاتهم وطباعهم ومواهبهم ورغباتهم، وتباينت قوى إدراكهم وتجاربهم وبيئاتهم وعاداتهم، وأمكنة وأزمنة حياتهم، وسبل عيشهم وحياتهم، كل ذلك لعجز الإنسان وقصوره واحتياجه إلى غيره.
ومدى اختلاف الإنسان في خلقته وخُلقه هو بمدى اختلاف وتنوع الأرض التي خلق منها في سهولتها ووعورتها ورطوبتها ويبسها، وتعدد ألوانها وطباعها، فعن أبي موسى الأشعري –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض؛ فجاء بنو آدم على قدر الأرض؛ فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك، والسهل والحزن، والخبيث والطيب"[2] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn2).
وعبر عن هذا المعنى شاعر بقوله:
الناس كالأرض ومنها همُ من خشن في اللمس أو لينِ
فجنـــــدل تدمى بــــــه أرجـــــل وإثمــد يجعل في الأعيـــــــــــــنِ[3] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn3)
وهذا الاختلاف في طبيعة الإنسان داخل في قسمة الله للرحمة بين خلقه.
قال الله سبحانه وتعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [الزخرف:32].
وهذا التفاوت والتباين في خِلقة الناس كان له الأثر البالغ في تفاوت طرق معرفتهم وسعة علومهم وفهومهم، وتباين آرائهم وأفكارهم.
أي أن الاختلاف عند بني الإنسان في آرائهم واجتهاداتهم أمر تفرضه النشأة الإنسانية، وتمليه طبيعة الحياة التي يعيشون فيها .
قال ابن قتيبة-رضي الله عنه-: "والذي خالف بين مناظرهم وهيئاتهم وألوانهم ولغاتهم وأصواتهم وخطوطهم وآثارهم، حتى فرق القائف بين الأثر والأثر، وبين الأنثى والذكر، هو الذي خالف بين آرائهم، والذي خالف بين الآراء، هو الذي أراد الاختلاف لهم، ولن تكمل الحكمة والقدرة إلا بخلق الشيء وضده ليعرف كل واحد منها بصاحبه"[4] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn4).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: "والله تعالى قد فاوت بين الناس في قوى الأذهان، كما فاوت بينهم في قوى الأبدان"[5] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn5).
وقال ابن خلدون-رحمه لله-: "اعلم أن هذا الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية كثير فيه الخلاف بين المجتهدين، باختلاف مداركهم وأنظارهم، خلافاً لا بد من وقوعه، واتسع ذلك في الملة اتساعاً عظيماً"[6] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn6).
وقال ابن القيم-رحمه الله-: "وقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه لتفاوت إرادتهم وأفهامهم، وقوى إدراكهم، ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه، وإلا فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب، وكل من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله، لم يضر ذلك الاختلاف؛ فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية"[7] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn7).
وهذا الاختلاف والتباين في الآراء والفهوم عام في جميع البشر؛ حتى الأنبياء والمرسلين.
فهذان رسولان من رسل الله، أب وولده، اختلفا في حكم في قضية واحدة، ذكرها الله في كتابه بقوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} [الأنبياء:78، 79].
وذلك أن رجلين أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم دخلا على داود، فقال صاحب الحرث: إن هذا أرسل غنمه في حرثي؛ فلم يبق من حرثي شيئاً؛ فقضى داود لصاحب الحرث بالغنم، ومر صاحب الغنم بسليمان؛ فأخبره بالذي قضى به داود، فدخل سليمان على داود فقال: يا نبي الله! إن القضاء سوى الذي قضيت فقال: كيف؟ قال: إن الحرث لا يخفى على صاحبه ما يخرج منه في كل عام، فله من صاحب الغنم أن يبيع من أولادها وأصوافها وأشعارها حتى يستوفي ثمن الحرث، فقال داود: قد أصبت القضاء كما قضيت[8] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn8).
فوالد وولده - وهما رسولان- اختلفا في فهم قضية واحدة، ففهمها الله الولد ولم يفهمها الوالد، ولم يكن ذلك قدحاً في داود؛ بل أثنى الله عليهما بقوله تعالى: {وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} [الأنبياء:79].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: "ففهم الحكومة أحدهما وأثنى على كل منهما بالعلم والحكم به"[9] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn9).
وقال الطاهر بن عاشور-رحمه الله-: "وهذه الآية أصل في اختلاف الاجتهاد، وفي العمل بالراجح، وفي مراتب الترجيح، وفي عذر المجتهد إذا أخطأ الاجتهاد، أو لم يهتد إلى المعارض؛ لقوله تعالى: {وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} [الأنبياء:79] في معرض الثناء عليهما"[10] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn10).
وذكر الإمام البخاري-رحمه الله- في صحيحه عن الحسن البصري-رحمه الله- أنه قال: "فحمد سليمان ولم يلم داود، ولولا ما ذكر الله من أمر هذين لرأيت أن القضاة هلكوا؛ فإنه أثنى على هذا بعلمه، وعذر هذا باجتهاده"[11] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn11).
فكل منهما –عليهما الصلاة والسلام– اجتهد في حكمه فأصاب أحدهما وأخطأ الآخر؛ لأن الأنبياء قد يجتهدون في المسائل قبل نزول الوحي؛ فإن أخطأ في اجتهاده لم يقره على خطئه، بل ينزل الوحي يصوبه.
قال ابن حجر-رحمه الله-: "واستدل بهذه القصة على أن للنبي أن يجتهد في الأحكام، ولا ينتظر نزول الوحي؛ لأن داود -عليه السلام- على ما ورد اجتهد في المسألة المذكورة قطعاً؛ لأنه لو كان قضى فيها بالوحي ما خص الله سليمان بفهمها دونه"[12] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn12).
وهذان أيضاً رسولان من رسل الله أخوان شقيقان اختلفا في ما كان ينبغي فعله عندما أحدث بنو إسرائيل الشرك لما ذهب موسى لميقات ربه، واستخلف عليهم أخاه هارون؛ فأضلهم السامري بعبادة العجل، فلما رجع موسى ورأى ما أحدثه قومه من بعده غضب وأسف، وأخذ برأس أخيه يجره إليه معنفاً إياه؛ لأنه لم يلحق به ويخبره بما كان من قومه.
قال الله تعالى: { قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا، أَلاَّ تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي، قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه:92- 94].
هكذا كان رأي موسى –عليه السلام– في ما كان على هارون أن يفعله، وعنفه على التقصير في ذلك.
وقد اعتذر هارون له، وبين له ما رآه مناسباً في إصلاح هذا الأمر، فقبل موسى عذره لاسيما وهارون قد أنكر عليهم فعلهم، كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي} [طه:90].
إلا أن هارون خشي الفرقة وكرهها، كما قال قتادة-رحمه الله- في قوله تعالى: {إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَائِيلَ} [طه:94] قال: "قد كره الصالحون الفرقة قبلكم"[13] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn13).
قال القرطبي: "أي خشيت أن أخرج وأتركهم، وقد أمرتني أن أخرج معهم، فلو خرجت لاتبعني قوم ولتخلف مع العجل قوم، وربما أدى الأمر إلى سفك الدماء، وخشيت إن زجرتهم، أن يقع قتال فتلومني على ذلك"[14] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn14).
وقال الألوسي-رحمه الله-: "وحاصل اعتذاره -عليه السلام- إني رأيت الإصلاح في حفظ الدهماء، والمداراة معهم وزجرهم على وجه لا يختل به أمر انتظامهم واجتماعهم، ولا يكون سبباً للومك إياي، إلى أن ترجع إليهم فتكون أنت المتدارك للأمر حسب ما تراه؛ لاسيما والقوم قد استضعفوني، وقربوا من أن يقتلوني كما أفصح -عليه السلام- في آية أخرى"[15] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn15)
الفصل الثاني:
أسباب الخلاف
المبحث الأول: الأسباب الخَلْقِيّة.
تمهيد:
قد يستغرب كثير من الناس بل من المسلمين، وجود الخلاف في الأحكام الشرعية بين المذاهب والعلماء، رغم وحدة مصدر تلك الأحكام، وعصمة ذلك المصدر من الخطأ والاختلاف؛ فقد نزه الله -سبحانه وتعالى- دينه وشريعته من التباين والاختلاف، قال سبحانه: {ولَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} [النساء:82].
وهذا الاستغراب والاستشكال لا يمكن أن يزول إلا بإدراك أسباب ذلك الخلاف ومعرفتها، كما قيل: إذا عرف السبب بطل العجب، وقد ذكر ابن قتيبة في «عيون الأخبار» قصة مسلم ارتد إلى النصرانية، بسبب كثرة ما يراه من اختلاف بين العلماء في الأحكام الشرعية؛ فأزال المأمون العباسي عنه شبهته، وأرجعه إلى الإسلام ببيان أسباب وأنواع الخلاف في الشريعة الإسلامية.
قال ابن قتيبة-رحمه الله-: "قال المأمون لمرتد إلى النصرانية: خبرنا عن الشيء الذي أوحشك من ديننا، بعد أنسك به، واستيحاشك مما كنت عليه؛ فإن وجدت عندنا دواء دائك تعالجت به، وإن أخطأك الشفاء ونبا عن دائك الدواء كنت قد أعذرت، ولم ترجع على نفسك بلائمة، وإن قتلناك قتلناك بحكم الشريعة، وترجع أنت في نفسك إلى الاستبصار والثقة، وتعلم أنك لم تقصر في اجتهاد ولم تفرط في الدخول من باب الحزم.
قال المرتد: أوحشني ما رأيت من كثرة الاختلاف فيكم!
قال المأمون: لنا اختلافان: أحدهما: كالاختلاف في الأذان، والتكبير في الجنائز، والتشهد، وصلاة الأعياد، وتكبير التشريق، ووجوه القراءات، ووجوه الفتيا، وهذا ليس باختلاف، إنما هو تخير وسعة وتخفيف من المحنة، فمن أذن مثنى وأقام مثنى، لم يخطِّئ من أذن مثنى وأقام فرادى، ولا يتعايرون بذلك ولا يتعاتبون.
والاختلاف الآخر كنحو اختلافنا في تأويل الآية من كتاب ربنا، وتأويل الحديث، مع اجتماعنا على أصل التنزيل، واتفاقنا على عين الخبر.
فإذا كان الذي أوحشك هذا، حتى أنكرت هذا الكتاب، فقد ينبغي أن يكون اللفظ بجميع التوراة والإنجيل متفقاً على تأويله، كما يكون متفقاً على تنزيله، ولا يكون بين جميع اليهود والنصارى اختلاف في شيء من التأويلات، وينبغي لك أن لا ترجع إلى لغة للاختلاف في تأويل ألفاظها، ولو شاء الله أن ينزل كتبه، ويجعل كلام أنبيائه وورثة رسله لا يحتاج إلى تفسير لفعل، ولكنا لم نر شيئاً من الدين والدنيا دُفع إلينا على الكفاية، ولو كان الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحنة، وذهبت المسابقة والمنافسة، ولم يكن تفاضل، وليس على هذا بنى الله الدنيا.
قال المرتد: أشهد أن لا إله إلا الله, وأن المسيح عبد, وأن محمداً صادق, وأنك أمير المؤمنين حقاً".[1] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn1)
ولزوال مثل هذه الشبهة عن الاختلاف في الشريعة، سنعرض في هذا الفصل لأسباب الخلاف وأقسامها.
المبحث الأول
الأسباب الخَلْقية
هذه الأسباب لا دخل للإنسان في كسبها، ولا يمكنه دفعها؛ لأنها لازمة لخلقته ونشأته الإنسانية.
فالاختلاف سنة قدرية في الكون والحياة؛ إذ اقتضت مشيئة الله وحكمته أن يعج هذا الكون بمخلوقات متنوعة ومختلفة، وكل نوع من هذه المخلوقات فيه من التنوع والاختلاف ما لا يحصيه إلا الله؛ حتى يكاد أن يندر وجود نظيرين من جنس من المخلوقات يتطابقان كل التطابق في كل شيء.
ومن ذلك بنو آدم الذين جرت فيهم سنة الله في الاختلاف؛ فاختلفت خلقتهم وأخلاقهم، وتعددت ألوانهم ولغاتهم وطباعهم ومواهبهم ورغباتهم، وتباينت قوى إدراكهم وتجاربهم وبيئاتهم وعاداتهم، وأمكنة وأزمنة حياتهم، وسبل عيشهم وحياتهم، كل ذلك لعجز الإنسان وقصوره واحتياجه إلى غيره.
ومدى اختلاف الإنسان في خلقته وخُلقه هو بمدى اختلاف وتنوع الأرض التي خلق منها في سهولتها ووعورتها ورطوبتها ويبسها، وتعدد ألوانها وطباعها، فعن أبي موسى الأشعري –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض؛ فجاء بنو آدم على قدر الأرض؛ فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك، والسهل والحزن، والخبيث والطيب"[2] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn2).
وعبر عن هذا المعنى شاعر بقوله:
الناس كالأرض ومنها همُ من خشن في اللمس أو لينِ
فجنـــــدل تدمى بــــــه أرجـــــل وإثمــد يجعل في الأعيـــــــــــــنِ[3] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn3)
وهذا الاختلاف في طبيعة الإنسان داخل في قسمة الله للرحمة بين خلقه.
قال الله سبحانه وتعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [الزخرف:32].
وهذا التفاوت والتباين في خِلقة الناس كان له الأثر البالغ في تفاوت طرق معرفتهم وسعة علومهم وفهومهم، وتباين آرائهم وأفكارهم.
أي أن الاختلاف عند بني الإنسان في آرائهم واجتهاداتهم أمر تفرضه النشأة الإنسانية، وتمليه طبيعة الحياة التي يعيشون فيها .
قال ابن قتيبة-رضي الله عنه-: "والذي خالف بين مناظرهم وهيئاتهم وألوانهم ولغاتهم وأصواتهم وخطوطهم وآثارهم، حتى فرق القائف بين الأثر والأثر، وبين الأنثى والذكر، هو الذي خالف بين آرائهم، والذي خالف بين الآراء، هو الذي أراد الاختلاف لهم، ولن تكمل الحكمة والقدرة إلا بخلق الشيء وضده ليعرف كل واحد منها بصاحبه"[4] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn4).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: "والله تعالى قد فاوت بين الناس في قوى الأذهان، كما فاوت بينهم في قوى الأبدان"[5] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn5).
وقال ابن خلدون-رحمه لله-: "اعلم أن هذا الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية كثير فيه الخلاف بين المجتهدين، باختلاف مداركهم وأنظارهم، خلافاً لا بد من وقوعه، واتسع ذلك في الملة اتساعاً عظيماً"[6] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn6).
وقال ابن القيم-رحمه الله-: "وقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه لتفاوت إرادتهم وأفهامهم، وقوى إدراكهم، ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه، وإلا فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب، وكل من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله، لم يضر ذلك الاختلاف؛ فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية"[7] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn7).
وهذا الاختلاف والتباين في الآراء والفهوم عام في جميع البشر؛ حتى الأنبياء والمرسلين.
فهذان رسولان من رسل الله، أب وولده، اختلفا في حكم في قضية واحدة، ذكرها الله في كتابه بقوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} [الأنبياء:78، 79].
وذلك أن رجلين أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم دخلا على داود، فقال صاحب الحرث: إن هذا أرسل غنمه في حرثي؛ فلم يبق من حرثي شيئاً؛ فقضى داود لصاحب الحرث بالغنم، ومر صاحب الغنم بسليمان؛ فأخبره بالذي قضى به داود، فدخل سليمان على داود فقال: يا نبي الله! إن القضاء سوى الذي قضيت فقال: كيف؟ قال: إن الحرث لا يخفى على صاحبه ما يخرج منه في كل عام، فله من صاحب الغنم أن يبيع من أولادها وأصوافها وأشعارها حتى يستوفي ثمن الحرث، فقال داود: قد أصبت القضاء كما قضيت[8] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn8).
فوالد وولده - وهما رسولان- اختلفا في فهم قضية واحدة، ففهمها الله الولد ولم يفهمها الوالد، ولم يكن ذلك قدحاً في داود؛ بل أثنى الله عليهما بقوله تعالى: {وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} [الأنبياء:79].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: "ففهم الحكومة أحدهما وأثنى على كل منهما بالعلم والحكم به"[9] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn9).
وقال الطاهر بن عاشور-رحمه الله-: "وهذه الآية أصل في اختلاف الاجتهاد، وفي العمل بالراجح، وفي مراتب الترجيح، وفي عذر المجتهد إذا أخطأ الاجتهاد، أو لم يهتد إلى المعارض؛ لقوله تعالى: {وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} [الأنبياء:79] في معرض الثناء عليهما"[10] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn10).
وذكر الإمام البخاري-رحمه الله- في صحيحه عن الحسن البصري-رحمه الله- أنه قال: "فحمد سليمان ولم يلم داود، ولولا ما ذكر الله من أمر هذين لرأيت أن القضاة هلكوا؛ فإنه أثنى على هذا بعلمه، وعذر هذا باجتهاده"[11] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn11).
فكل منهما –عليهما الصلاة والسلام– اجتهد في حكمه فأصاب أحدهما وأخطأ الآخر؛ لأن الأنبياء قد يجتهدون في المسائل قبل نزول الوحي؛ فإن أخطأ في اجتهاده لم يقره على خطئه، بل ينزل الوحي يصوبه.
قال ابن حجر-رحمه الله-: "واستدل بهذه القصة على أن للنبي أن يجتهد في الأحكام، ولا ينتظر نزول الوحي؛ لأن داود -عليه السلام- على ما ورد اجتهد في المسألة المذكورة قطعاً؛ لأنه لو كان قضى فيها بالوحي ما خص الله سليمان بفهمها دونه"[12] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn12).
وهذان أيضاً رسولان من رسل الله أخوان شقيقان اختلفا في ما كان ينبغي فعله عندما أحدث بنو إسرائيل الشرك لما ذهب موسى لميقات ربه، واستخلف عليهم أخاه هارون؛ فأضلهم السامري بعبادة العجل، فلما رجع موسى ورأى ما أحدثه قومه من بعده غضب وأسف، وأخذ برأس أخيه يجره إليه معنفاً إياه؛ لأنه لم يلحق به ويخبره بما كان من قومه.
قال الله تعالى: { قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا، أَلاَّ تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي، قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه:92- 94].
هكذا كان رأي موسى –عليه السلام– في ما كان على هارون أن يفعله، وعنفه على التقصير في ذلك.
وقد اعتذر هارون له، وبين له ما رآه مناسباً في إصلاح هذا الأمر، فقبل موسى عذره لاسيما وهارون قد أنكر عليهم فعلهم، كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي} [طه:90].
إلا أن هارون خشي الفرقة وكرهها، كما قال قتادة-رحمه الله- في قوله تعالى: {إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَائِيلَ} [طه:94] قال: "قد كره الصالحون الفرقة قبلكم"[13] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn13).
قال القرطبي: "أي خشيت أن أخرج وأتركهم، وقد أمرتني أن أخرج معهم، فلو خرجت لاتبعني قوم ولتخلف مع العجل قوم، وربما أدى الأمر إلى سفك الدماء، وخشيت إن زجرتهم، أن يقع قتال فتلومني على ذلك"[14] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn14).
وقال الألوسي-رحمه الله-: "وحاصل اعتذاره -عليه السلام- إني رأيت الإصلاح في حفظ الدهماء، والمداراة معهم وزجرهم على وجه لا يختل به أمر انتظامهم واجتماعهم، ولا يكون سبباً للومك إياي، إلى أن ترجع إليهم فتكون أنت المتدارك للأمر حسب ما تراه؛ لاسيما والقوم قد استضعفوني، وقربوا من أن يقتلوني كما أفصح -عليه السلام- في آية أخرى"[15] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn15)