المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحث ( معالم فقه الخلاف في الشريعة الإسلامية (5) للشيخ عبد الوهاب الحميقاني


ابو الحمزه
07-10-2010, 12:41 PM
بحث ( معالم فقه الخلاف في الشريعة الإسلامية (5) للشيخ عبد الوهاب الحميقاني

الفصل الثاني:
أسباب الخلاف
المبحث الأول: الأسباب الخَلْقِيّة.

تمهيد:
قد يستغرب كثير من الناس بل من المسلمين، وجود الخلاف في الأحكام الشرعية بين المذاهب والعلماء، رغم وحدة مصدر تلك الأحكام، وعصمة ذلك المصدر من الخطأ والاختلاف؛ فقد نزه الله -سبحانه وتعالى- دينه وشريعته من التباين والاختلاف، قال سبحانه: {ولَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} [النساء:82].
وهذا الاستغراب والاستشكال لا يمكن أن يزول إلا بإدراك أسباب ذلك الخلاف ومعرفتها، كما قيل: إذا عرف السبب بطل العجب، وقد ذكر ابن قتيبة في «عيون الأخبار» قصة مسلم ارتد إلى النصرانية، بسبب كثرة ما يراه من اختلاف بين العلماء في الأحكام الشرعية؛ فأزال المأمون العباسي عنه شبهته، وأرجعه إلى الإسلام ببيان أسباب وأنواع الخلاف في الشريعة الإسلامية.
قال ابن قتيبة-رحمه الله-: "قال المأمون لمرتد إلى النصرانية: خبرنا عن الشيء الذي أوحشك من ديننا، بعد أنسك به، واستيحاشك مما كنت عليه؛ فإن وجدت عندنا دواء دائك تعالجت به، وإن أخطأك الشفاء ونبا عن دائك الدواء كنت قد أعذرت، ولم ترجع على نفسك بلائمة، وإن قتلناك قتلناك بحكم الشريعة، وترجع أنت في نفسك إلى الاستبصار والثقة، وتعلم أنك لم تقصر في اجتهاد ولم تفرط في الدخول من باب الحزم.
قال المرتد: أوحشني ما رأيت من كثرة الاختلاف فيكم!
قال المأمون: لنا اختلافان: أحدهما: كالاختلاف في الأذان، والتكبير في الجنائز، والتشهد، وصلاة الأعياد، وتكبير التشريق، ووجوه القراءات، ووجوه الفتيا، وهذا ليس باختلاف، إنما هو تخير وسعة وتخفيف من المحنة، فمن أذن مثنى وأقام مثنى، لم يخطِّئ من أذن مثنى وأقام فرادى، ولا يتعايرون بذلك ولا يتعاتبون.
والاختلاف الآخر كنحو اختلافنا في تأويل الآية من كتاب ربنا، وتأويل الحديث، مع اجتماعنا على أصل التنزيل، واتفاقنا على عين الخبر.
فإذا كان الذي أوحشك هذا، حتى أنكرت هذا الكتاب، فقد ينبغي أن يكون اللفظ بجميع التوراة والإنجيل متفقاً على تأويله، كما يكون متفقاً على تنزيله، ولا يكون بين جميع اليهود والنصارى اختلاف في شيء من التأويلات، وينبغي لك أن لا ترجع إلى لغة للاختلاف في تأويل ألفاظها، ولو شاء الله أن ينزل كتبه، ويجعل كلام أنبيائه وورثة رسله لا يحتاج إلى تفسير لفعل، ولكنا لم نر شيئاً من الدين والدنيا دُفع إلينا على الكفاية، ولو كان الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحنة، وذهبت المسابقة والمنافسة، ولم يكن تفاضل، وليس على هذا بنى الله الدنيا.
قال المرتد: أشهد أن لا إله إلا الله, وأن المسيح عبد, وأن محمداً صادق, وأنك أمير المؤمنين حقاً".[1] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn1)
ولزوال مثل هذه الشبهة عن الاختلاف في الشريعة، سنعرض في هذا الفصل لأسباب الخلاف وأقسامها.

المبحث الأول
الأسباب الخَلْقية
هذه الأسباب لا دخل للإنسان في كسبها، ولا يمكنه دفعها؛ لأنها لازمة لخلقته ونشأته الإنسانية.
فالاختلاف سنة قدرية في الكون والحياة؛ إذ اقتضت مشيئة الله وحكمته أن يعج هذا الكون بمخلوقات متنوعة ومختلفة، وكل نوع من هذه المخلوقات فيه من التنوع والاختلاف ما لا يحصيه إلا الله؛ حتى يكاد أن يندر وجود نظيرين من جنس من المخلوقات يتطابقان كل التطابق في كل شيء.
ومن ذلك بنو آدم الذين جرت فيهم سنة الله في الاختلاف؛ فاختلفت خلقتهم وأخلاقهم، وتعددت ألوانهم ولغاتهم وطباعهم ومواهبهم ورغباتهم، وتباينت قوى إدراكهم وتجاربهم وبيئاتهم وعاداتهم، وأمكنة وأزمنة حياتهم، وسبل عيشهم وحياتهم، كل ذلك لعجز الإنسان وقصوره واحتياجه إلى غيره.
ومدى اختلاف الإنسان في خلقته وخُلقه هو بمدى اختلاف وتنوع الأرض التي خلق منها في سهولتها ووعورتها ورطوبتها ويبسها، وتعدد ألوانها وطباعها، فعن أبي موسى الأشعري –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض؛ فجاء بنو آدم على قدر الأرض؛ فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك، والسهل والحزن، والخبيث والطيب"[2] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn2).
وعبر عن هذا المعنى شاعر بقوله:
الناس كالأرض ومنها همُ من خشن في اللمس أو لينِ
فجنـــــدل تدمى بــــــه أرجـــــل وإثمــد يجعل في الأعيـــــــــــــنِ[3] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn3)
وهذا الاختلاف في طبيعة الإنسان داخل في قسمة الله للرحمة بين خلقه.
قال الله سبحانه وتعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [الزخرف:32].
وهذا التفاوت والتباين في خِلقة الناس كان له الأثر البالغ في تفاوت طرق معرفتهم وسعة علومهم وفهومهم، وتباين آرائهم وأفكارهم.
أي أن الاختلاف عند بني الإنسان في آرائهم واجتهاداتهم أمر تفرضه النشأة الإنسانية، وتمليه طبيعة الحياة التي يعيشون فيها .
قال ابن قتيبة-رضي الله عنه-: "والذي خالف بين مناظرهم وهيئاتهم وألوانهم ولغاتهم وأصواتهم وخطوطهم وآثارهم، حتى فرق القائف بين الأثر والأثر، وبين الأنثى والذكر، هو الذي خالف بين آرائهم، والذي خالف بين الآراء، هو الذي أراد الاختلاف لهم، ولن تكمل الحكمة والقدرة إلا بخلق الشيء وضده ليعرف كل واحد منها بصاحبه"[4] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn4).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: "والله تعالى قد فاوت بين الناس في قوى الأذهان، كما فاوت بينهم في قوى الأبدان"[5] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn5).
وقال ابن خلدون-رحمه لله-: "اعلم أن هذا الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية كثير فيه الخلاف بين المجتهدين، باختلاف مداركهم وأنظارهم، خلافاً لا بد من وقوعه، واتسع ذلك في الملة اتساعاً عظيماً"[6] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn6).
وقال ابن القيم-رحمه الله-: "وقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه لتفاوت إرادتهم وأفهامهم، وقوى إدراكهم، ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه، وإلا فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب، وكل من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله، لم يضر ذلك الاختلاف؛ فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية"[7] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn7).
وهذا الاختلاف والتباين في الآراء والفهوم عام في جميع البشر؛ حتى الأنبياء والمرسلين.
فهذان رسولان من رسل الله، أب وولده، اختلفا في حكم في قضية واحدة، ذكرها الله في كتابه بقوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} [الأنبياء:78، 79].
وذلك أن رجلين أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم دخلا على داود، فقال صاحب الحرث: إن هذا أرسل غنمه في حرثي؛ فلم يبق من حرثي شيئاً؛ فقضى داود لصاحب الحرث بالغنم، ومر صاحب الغنم بسليمان؛ فأخبره بالذي قضى به داود، فدخل سليمان على داود فقال: يا نبي الله! إن القضاء سوى الذي قضيت فقال: كيف؟ قال: إن الحرث لا يخفى على صاحبه ما يخرج منه في كل عام، فله من صاحب الغنم أن يبيع من أولادها وأصوافها وأشعارها حتى يستوفي ثمن الحرث، فقال داود: قد أصبت القضاء كما قضيت[8] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn8).
فوالد وولده - وهما رسولان- اختلفا في فهم قضية واحدة، ففهمها الله الولد ولم يفهمها الوالد، ولم يكن ذلك قدحاً في داود؛ بل أثنى الله عليهما بقوله تعالى: {وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} [الأنبياء:79].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: "ففهم الحكومة أحدهما وأثنى على كل منهما بالعلم والحكم به"[9] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn9).
وقال الطاهر بن عاشور-رحمه الله-: "وهذه الآية أصل في اختلاف الاجتهاد، وفي العمل بالراجح، وفي مراتب الترجيح، وفي عذر المجتهد إذا أخطأ الاجتهاد، أو لم يهتد إلى المعارض؛ لقوله تعالى: {وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} [الأنبياء:79] في معرض الثناء عليهما"[10] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn10).
وذكر الإمام البخاري-رحمه الله- في صحيحه عن الحسن البصري-رحمه الله- أنه قال: "فحمد سليمان ولم يلم داود، ولولا ما ذكر الله من أمر هذين لرأيت أن القضاة هلكوا؛ فإنه أثنى على هذا بعلمه، وعذر هذا باجتهاده"[11] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn11).
فكل منهما –عليهما الصلاة والسلام– اجتهد في حكمه فأصاب أحدهما وأخطأ الآخر؛ لأن الأنبياء قد يجتهدون في المسائل قبل نزول الوحي؛ فإن أخطأ في اجتهاده لم يقره على خطئه، بل ينزل الوحي يصوبه.
قال ابن حجر-رحمه الله-: "واستدل بهذه القصة على أن للنبي أن يجتهد في الأحكام، ولا ينتظر نزول الوحي؛ لأن داود -عليه السلام- على ما ورد اجتهد في المسألة المذكورة قطعاً؛ لأنه لو كان قضى فيها بالوحي ما خص الله سليمان بفهمها دونه"[12] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn12).
وهذان أيضاً رسولان من رسل الله أخوان شقيقان اختلفا في ما كان ينبغي فعله عندما أحدث بنو إسرائيل الشرك لما ذهب موسى لميقات ربه، واستخلف عليهم أخاه هارون؛ فأضلهم السامري بعبادة العجل، فلما رجع موسى ورأى ما أحدثه قومه من بعده غضب وأسف، وأخذ برأس أخيه يجره إليه معنفاً إياه؛ لأنه لم يلحق به ويخبره بما كان من قومه.
قال الله تعالى: { قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا، أَلاَّ تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي، قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه:92- 94].
هكذا كان رأي موسى –عليه السلام– في ما كان على هارون أن يفعله، وعنفه على التقصير في ذلك.
وقد اعتذر هارون له، وبين له ما رآه مناسباً في إصلاح هذا الأمر، فقبل موسى عذره لاسيما وهارون قد أنكر عليهم فعلهم، كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي} [طه:90].
إلا أن هارون خشي الفرقة وكرهها، كما قال قتادة-رحمه الله- في قوله تعالى: {إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَائِيلَ} [طه:94] قال: "قد كره الصالحون الفرقة قبلكم"[13] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn13).
قال القرطبي: "أي خشيت أن أخرج وأتركهم، وقد أمرتني أن أخرج معهم، فلو خرجت لاتبعني قوم ولتخلف مع العجل قوم، وربما أدى الأمر إلى سفك الدماء، وخشيت إن زجرتهم، أن يقع قتال فتلومني على ذلك"[14] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn14).
وقال الألوسي-رحمه الله-: "وحاصل اعتذاره -عليه السلام- إني رأيت الإصلاح في حفظ الدهماء، والمداراة معهم وزجرهم على وجه لا يختل به أمر انتظامهم واجتماعهم، ولا يكون سبباً للومك إياي، إلى أن ترجع إليهم فتكون أنت المتدارك للأمر حسب ما تراه؛ لاسيما والقوم قد استضعفوني، وقربوا من أن يقتلوني كما أفصح -عليه السلام- في آية أخرى"[15] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn15)

ابو الحمزه
07-10-2010, 12:42 PM
فانظر كيف اختلف اجتهاد موسى عن هارون -عليهما السلام- في معالجة هذه القضية، وكيف أقر موسى أخاه على اجتهاده، وقبل عذره لما بين له دواعي ما فعل.
وسنة الاختلاف في الاجتهاد والرأي ما اقتصرت على خاصة بني آدم وعامتهم، بل شملت الملائكة المقربين.
قال الله تعالى حاكياً عن رسوله صلى الله عليه وسلم: {مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْـمَلإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ، إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [ص:69، 70]، أي: "ما كان لي من علم بكلام الملأ الأعلى وقت اختصامهم"[16] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn16).
وأياً كان الذين اختصم فيه الملأ الأعلى واختلفوا فيه، هل هو أمر آدم، أم هو ما ورد في الحديث الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: "أتاني الليلة ربي -فذكر الحديث إلى أن قال-: يا محمد! هل تدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم، في الدرجات والكفارات، ونقل الأقدام إلى الجماعة، وإسباغ الوضوء في السبرات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة..."[17] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn17).
فالشاهد اختصام الملائكة، أي: تقاولهم واختلافهم في بعض الأمور، كاختلافهم فيما ذكر هنا، وكاختلافهم في من قتل مائة نفس، هل هو مطيع أم عاص؟ فيما رواه أبو سعيد الخدري –رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب فأتاه، فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً، فهل له من توبة؟ فقال: لا؛ فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا؛ فإن بها أناساً يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق، أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد؛ فقبضته ملائكة الرحمة"[18] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn18).
فالملائكة اختلفت في هذا الرجل أمطيع هو أم عاصٍ؟ حتى قضى الله بينهم في خلافهم.
قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله- في شرحه للحديث: "وفيه أن الملائكة الموكلين ببني آدم يختلف اجتهادهم في حقهم بالنسبة إلى من يكتبونه مطيعاً أو عاصياً، وأنهم يختصمون في ذلك حتى يقضي الله بينهم"[19] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn19).
فإذا كان الملائكة المقربون والأنبياء المرسلون لم يسلموا من الخلاف في آرائهم واجتهاداتهم فغيرهم من بني آدم أولى وأحرى.
قال ابن الوزير-رحمه الله-: "وقع الاختلاف بين أهل العصمة من الملائكة والأنبياء، كما قال تعالى حاكياً عن رسول الله: {مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْـمَلإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [ص:69].
وحكى الله تعالى اختلاف سليمان وداود وموسى وهارون وموسى والخضر، وصح في الحديث اختلاف موسى وآدم، واختلاف الملائكة في حكم قاتل المائة نفس، إلى أمثال، لذلك قد أفردتها لبيان امتناع الاتفاق في نحو ذلك، وأن علة الاختلاف التفاضل في العلم"[20] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn20).
فتفاوت الناس في العلم والفهم من أسباب اختلافهم في الآراء والاجتهادات، هذا التفاوت في العلم والفهم لبني الإنسان أمر مقرر عقلاً وحساً وشرعاً.
وصدق الله تعالى القائل: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف:76].
وضرب النبي صلى الله عليه سلم لتفاوت الناس في العلم والفهم، مثلاً قال عليه الصلاة والسلام: "إن مثل ما بعثني الله من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكان منها طائفة قبلت الماء؛ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء؛ فنفع الله به الناس؛ فشربوا ورعوا وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعان، لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً؛ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني به؛ فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به"[21] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn21).
فشبه النبي صلى الله عليه وسلم الهدى والعلم الذي جاء به بالمطر، والناس بالأرض، وهذه الأرض متفاوته في قبول ذلك الغيث والانتفاع به، وكذلك قلوب العباد تتفاوت في أخذ الهدى والعلم، والانتفاع به.
قال النووي-رحمه الله-: "فهو تمثيل الهدى الذي جاء به صلى الله عليه وسلم بالغيث، ومعناه: أن الأرض ثلاثة أنواع، وكذلك الناس.
فالنوع الأول من الأرض: ينتفع بالمطر؛ فيحيا بعد أن كان ميتاً، وينبت الكلأ، فتنتفع بها الناس والدواب والزرع وغيرها، وكذا النوع الأول من الناس، يبلغه الهدى فيحفظه فيحيا قلبه، ويعمل به، ويعلمه غيره، فينتفع وينفع.
والنوع الثاني من الأرض: ما لا تقبل الانتفاع في نفسها، لكن فيها فائدة، وهي إمساك الماء لغيرها؛ فينتفع بها الناس والدواب، وكذا النوع الثاني من الناس، لهم قلوب حافظة، لكن ليست لهم أفهام ثاقبة، ولا رسوخ لهم في العقل يستنبطون به المعاني والأحكام، وليس عندهم اجتهادٌ في الطاعة والعمل به، فهم يحفظونه، حتى يأتي طالب محتاج متعطشٌ لما عندهم من العلم، أهل للنفع والانتفاع، فيأخذه منهم، فينتفع به، فهؤلاء نفعوا بما بلغهم.
والنوع الثالث من الأرض: السباخ التي لا تُنبت ونحوها، فهي لا تنتفع بالماء، ولا تُمسكه لينتفع بها غيرها، وكذا النوع الثالث من الناس، ليست لهم قلوب حافظة، ولا أفهام واعية؛ فإذا سمعوا العلم لا ينتفعون به، ولا يحفظونه لنفع غيرهم، والله أعلم"[22] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn22).
وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} [الرعد:17].
قال ابن كثير –رحمه الله-: "إشارة إلى القلوب وتفاوتها، فمنها ما يسع علماً كثيراً، ومنها من لا يتسع لكثير من العلوم، بل يضيق عنها"[23] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn23).
وكما أن العلوم والفهوم تتفاوت في الناس وتكمل فيهم على مدى أعمارهم فإن الله -عز وجل- قد يهب بعضهم من العلوم والفهوم مالا يعطيه الآخر .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: "وقد يخص الله بعض الأنبياء والعلماء والحكام بعلم دون غيرهم، كما قال تعالى:{وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} [الأنبياء:78، 79]"[24] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn24).
كما أن اختلاف بيئات العلماء، وأماكن وأزمنة عيشهم، لها أثر كبير في اختلافهم؛ حتى إن العالم كان يرجع عن كثير من فتاويه إلى أقوال أخرى؛ بسبب اختلاف المكان أو الزمان الذي أصبح فيه، ومن ذلك ما حصل للإمام الشافعي، بعد أن رحل إلى مصر من بغداد؛ فقد تغيرت كثير من أقواله وفتاويه؛ حتى أصبح له مذهبان قديم وجديد، وهذا مما يدل على مرونة التشريع الإسلامي، وتغير أحكامه بتغير مناطاتها، ولا يعني ذلك أن أحكام الشريعة ليست مستقرة، بل الشريعة كما يقول الشاطبي-رحمه الله-: "مطردة عامة ثابتة غير زائلة ولا متبدلة، ولا محكوم عليها"[25] (http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=140&aid=16382#_ftn25).
وإنما المراد أن الواقعة المعينة قد يطرأ عليها من التغير ما يقتضي تغير الحكم فيها؛ فلا تضيق الشريعة بذلك، بل يكون فيها من المرونة ما يستوعب هذا التغيير، ويعطيه حكماً مناسباً له.
إذن فالخلاف بين بني البشر في العلوم والمعارف والأفهام والآراء سنة إلهية؛ لاختلافهم في الخلقة والنشأة.
قال سبحانه: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود:118، 119].
فالخلاف أمر قدري، كتبه الله على الناس، وحذرهم منه، ووضع لهم على الحق معالم، وجعل لهم على الصراط المستقيم منائر، في قوله تعالى: {...فَهَدَى الله الَّذِينَ آمَنُوا لِـمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة:213].
إذن: فمن مشيئة الله القدرية الخلقية:
- التنوع والاختلاف في نشأة الناس وخلقتهم.
- التنوع والاختلاف في زمانهم ومكان نشأتهم وعيشتهم .
- التفاوت في أخلاقهم وطباعهم ورغباتهم.
- التفاوت في أفهامهم وقوى إدراكهم.
- التفاوت في جهودهم وسعة علومهم.
كل هذا الاختلاف والتنوع في الناس وما يحيط بهم أدى إلى الاختلاف فيما يصدر عنهم من آراء وأفكار واستنباطات.
فما يقدر عليه بعضهم قد يعجز عنه البعض الآخر، وكلٌّ مكلف بما في مقدوره ووسعه، قال الله –تعالى-: {لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا...} [البقرة:286].